الشرق الاوسط الجديد: مشروع ام لفظة عابرة كسابقاتها؟
د. سعيد الشهابيالشرق الاوسط الجديد: مشروع ام لفظة عابرة كسابقاتها؟تزامن اطلاق مصطلح الشرق الاوسط الجديد علي لسان كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الامريكية، مع تصريح وزير العدل الاسرائيلي، حائيم رامون بثه راديو الاحتلال: استلمنا يوم امس من مؤتمر روما رخصة من العالم بالاستمرار في العمليات الحربية . ورد الاوروبيون علي لسان وزير الخارجية الالماني، فرانك والتر شتانماير: انني اقول العكس، ففي روما يوم امس أراد الحاضرون ان يروا نهاية للقتال بأسرع وقت ممكن . الأمر الذي لم يذكره الوزير الألماني ان الجهة الوحيدة في مؤتمر روما التي وقفت ضد التوجه العالمي وشجعت الاسرائيليين علي استمرار العدوان هي الولايات المتحدة الامريكية. فما فحوي الحديث عن هذا الشرق الاوسط الجديد؟ أهي عبارة أطلقتها وزيرة الخارجية بشكل عفوي؟ ام انها محاولة للتضليل وابعاد الانظار عن الجريمة التي ترتكبها واشنطن مجددا بتشجيع قوات الاحتلال علي تدمير لبنان؟ ام ان الاعلام العربي اصبح متعطشا لأي مصطلح ينطلق علي لسان مسؤول أمريكي ليحوله الي عنوان لمشروع لا وجود له في التخطيط الامريكي؟ يصعب الجزم بأية اجابة علي هذه التساؤلات، فكل منها محتمل. الأمر الذي لا مراء فيه هو ان الولايات المتحدة لديها ثابتان اساسيان في الشرق الاوسط منذ ان دخلت علي الخط قبل اكثر من ثلاثين عاما، هما: حماية الهيمنة الصهيونية علي المنطقة عسكريا وسياسيا، وضمان تدفق النفط بالكميات والاسعار المناسبة. وفي ما عدا ذلك فهو متغير وخاضع لتطورات اوضاع المنطقة. فحتي لو تم افتراض وجود أجندة جادة لدي الادارة الامريكية تشتمل علي مشروع جديد للشرق الاوسط، فان من الصعب اعتباره امرا ثابتا، لان واشنطن كثيرا ما طرحت عناوين كبيرة ولكنها لم تدم طويلا.ما بين 1972 و1979 كان عنوان السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط هو مبدأ نيكسون الذي يجعل السياسة الامريكية ترتكز علي عمودين: ايران الشاه والمملكة العربية السعودية، وذلك بتسليحهما بأحدث الاسلحة وتفويضهما بالحفاظ علي المصالح الامريكية في المنطقة، وبالتحديد ضمان تدفق النفط ومنع اي تهديد لـ اسرائيل . ففي مقابل تدفق النفط الايراني والسعودي للغرب بأسعار زهيدة (في ما عدا فترة الطفرة النفطية التي لم تدم طويلا)، تدفقت الاسلحة الامريكية علي البلدين. تلك السياسة انتهت بسقوط نظام الشاه في 1979، واستمر النقاش حول معالم السياسة الامريكية في المنطقة بعد ان وجهت اكبر صفعة سياسية للولايات المتحدة بسقوط أقوي حليف لها. وفي الثمانينات استفادت واشنطن من الحرب العراقية الايرانية، وعملت علي استمرارها حتي دخلت الحرب عمليا في 1988 في إطار سياسة اصطحاب السفن الكويتية ، ودخلت في مواجهات مع الاسطول الايراني حتي دمرت ثلثه. ودعمت العدوان الاسرائيلي علي لبنان في 1982 الذي أدي الي اخراج الفلسطينيين من لبنان، ودعمت قيام مجلس التعاون الخليجي في 1981 لمواجهة اية تهديدات لأمن حكومات الدول النفطية. وبعد الاجتياح العراقي للكويت دخلت المنطقة من اوسع الابواب وشنت حربا هي الاولي من نوعها علي الصعيد التكنولوجي. بعدها مباشرة طرحت واشنطن عنوان النظام العالمي الجديد وتركت للآخرين تحديد معالمه. وانشغل المحللون والمفكرون في تحديد تلك المعالم، في الوقت الذي لم يكن لدي الرئيس الامريكي آنذاك، جورج بوش (والد الرئيس الحالي) فكرة محددة أبعد من العنوان الذي أطلقه. جاء ذلك في اجواء مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو للتدليل علي جدية واشنطن في رسم معالم العالم الذي تحدثت عنه. ثم أطلقت واشنطن مشروعا آخر باسم سياسة الاحتواء المزدوج لتحجيم كل من العراق وايران. واستمرت هذه السياسة وذلك بفرض عقوبات اقتصادية دولية ضد العراق، واستمرار الحرب الباردة ضد ايران. وفيما استطاعت الولايات المتحدة استهداف العراق بسبب سياسات صدام حسين الطائشة داخليا وخارجيا، لم توفر الحكومة الايرانية ذريعة حقيقية للتدخل الامريكي. وانتهت سياسة الاحتواء المزدوج بعد ان قررت الولايات المتحدة اسقاط نظام صدام حسين، وسبق اعلان الحرب طرح أمريكي آخر هو الشرق الاوسط الجديد بدون تحديد معالمه. ثم جاءت الحرب في 2003 لتوضح بعض تلك المعالم، واهمها فرض الهيمنة الامريكية المباشرة، وحماية اسرائيل بأي ثمن. وبعد الحرب مباشرة، طرح، كولين باول، وزير الخارجية الامريكي السابق، مشروع الشراكة الديمقراطية مع الدول العربية بعد ان فشلت الحرب في الكشف عن أية أسلحة دمار شامل لدي العراق. وطرح ترويج الديمقراطية تبريرا للحرب، وانشغل المثقفون والمفكرون والساسة العرب بـ مشروع الشرق الاوسط الكبير ، و المشروع الديمقراطي الامريكي ليكتشفوا في النهاية خواءهما من اي فحوي علي الصعيد العملي. فقد استمرت واشنطن في دعم انظمة الاستبداد العربية، وتوفير الغطاء السياسي والعسكري لقوات الاحتلال الصهيونية. واليوم تطرح كوندوليزا رايس مقولة الشرق الاوسط الجديد لتفتح مرة أخري، الجدل حول معالمه وخصائصه. ولم يصدر عن رايس ما يوحي بشيء من تلك المعالم سوي قولها ان الولايات المتحدة عازمة علي تقوية قوي السلام وقوي الديمقراطية في المنطقة. فأي سلام هذا الذي تتحدث عنه، وأية ديمقراطية؟ تصريحات الوزيرة الامريكية جاءت في ذروة العدوان الاسرائيلي ضد لبنان، وتصاعد الغضب الشعبي في العالمين العربي والاسلامي ضد الموقف الامريكي الذي تميز بشكل استفزازي جدا، حتي بعد مجزرة قانا التي راح ضحيتها اكثر من ستين شخصا، اغلبهم من الاطفال. واتضح الآن، وفق ما أدلت به مصادر استخباراتية في المنطقة، ان واشنطن وتل أبيت كانتا تعدان لعدوان شامل ضد المقاومة الاسلامية قد يتسع ليشمل كلا من سورية وايران بحجة دعمهما تلك المقاومة التي يعتبرها التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي، ارهابا. ويمكن فهم دوافع هذا العدوان المبيت، فيما لو صدقت تلك المعلومات، بانه محاولة امريكية لصرف الانظار عن الوضع العراقي الذي أصبح يحاصر الولايات المتحدة وبريطانيا سياسيا وأخلاقيا ومعنويا. فقد أثبت ان المشروع الامريكي لما تسميه الحرب ضد الارهاب قد أصيب بالفشل بسبب سياسات الولايات المتحدة التي لا تفرق بين النضال الوطني ضد الاحتلال والارهاب الذي يستهدف الابرياء سواء من الافراد او المجموعات او الدول. كما ان هذا العدوان المبيت، يمكن ان يكون مخرجا من الشرنقة الامريكية التي رفعت شعار الديمقراطية ولكنها وجدت نفسها محاصرة بنتائجها. ففي فلسطين، فازت منظمة حماس في الانتخابات التي كانت الاولي من نوعها منذ ان ضغطت واشنطن علي الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، للقيام باصلاحات سياسية وادارية. وفي مصر فاز الاخوان المسلمون بربع مقاعد مجلس الشعب، برغم اتخاذ الحكومة المصرية كافة الوسائل لمحاصرة الجماعة ومنع ترشح افرادها بحجج عديدة. وحتي في العراق، ضاقت واشنطن ذرعا بنتائج الانتخابات التي ادت الي صعود الاسلاميين من الشيعة والسنة الي الحكم. وبرغم تدخل واشنطن علنا ضد اعادة ترشيح رئيس الوزراء السابق، الدكتور ابراهيم الجعفري، فقد وقف رئيس الوزراء الجديد، السيد نوري المالكي، موقفا لم يقفه اي مسؤول عربي آخر. فخلال زيارته واشنطن الاسبوع الماضي، دعا علنا لوقف فوري لاطلاق النار في لبنان، وانتقد العدوان الاسرائيلي بدون مواربة او مجاملة. حتي ان الجمهوريين من اعضاء الكونغرس طالبوا بقوة بمنع المالكي من الحديث امام الكونغرس، ولكن الادارة الامريكية رفضت ذلك الطلب لان تلك الخطوة كانت ستكشف فشل السياسة الامريكية.اذن من هي قوي السلام و قوي الديمقراطية التي يقوم مشروع الشرق الاوسط الجديد ان كان ثمة مشروع بهذا العنوان، علي اساس دعمها وتشجيعها؟ الامر المؤكد ان الانظمة العربية ليست هي القوي الديمقراطية، ولن تستطيع واشنطن ان تقنع أحدا بذلك. كما انها، في ضوء ما يشاهده العالم علي شاشات التلفزيون بشكل يومي من تدمير متواصل لكل ما هو مدني وحضاري في لبنان، لن تستطيع اقناع أحد بان اسرائيل تمثل واحدة من مكونات قوي السلام . فأين هي هذه القوي التي تتحدث عنها الوزيرة الامريكية؟ مشكلة الادارات الامريكية المتعاقبة انها تسعي لبسط نفوذها في المنطقة بأي شكل: في السابق كانت تعتبر اسرائيل الحامي الاول للمصالح الامريكية، ثم توسعت دائرة الحلفاء المستعدين لحماية تلك المصالح، كما أسلفنا، لتشمل كلا من ايران والسعودية، فيما كانت الدول العربية الكبري آنذاك، مثل مصر والجزائر والعراق وسورية واليمن، محسوبة علي فلك الاتحاد السوفييتي التيار المعارض للسياسات الامريكية في المنطقة. وحتي الآن لم تستطع واشنطن استيعاب حقيقة مهمة وهي ان الديمقراطية المنشودة يجب ان تكون ممارسة حرة، بعيدة عن الاملاءات الاجنبية، ومتصلة بحياة الناس وتطلعاتهم، ومعبرة عن وجوداتهم السياسية والفكرية والدينية، وما سوي ذلك فلن يكون ديمقراطية حقيقية، وان اية اجراءات هندسية لتطويع تلك الممارسة لتوافق ما يختلج في اذهان الساسة الامريكيين واذهانهم سيكون مشوها ولن يحقق ما تتطلع اليه الشعوب. المشاكل التي تحول دون التطوير الديمقراطي في الشرق الاوسط عديدة منها: اولا انها تأتي بعد تجربة مرة عاشتها الولايات المتحدة في ساحتها الخلفية، اذ نجم عن الممارسة الديمقراطية في دول امريكا اللاتينية صعود انظمة محسوبة علي اليسار ومناوئة للسياسات الامريكية، وهي تجربة مرة جدا للاستراتيجيين الامريكيين. سبب ذلك يعود، في بعض جوانبه الي التحالف غير الاخلاقي بين واشنطن والانظمة القمعية في الستينات والسبعينات، وما مارسته تلك الانظمة من قمع وارهاب ضد مواطنيها، والي السياسة غير العادلة التي انتهجتها واشنطن مع شعوب تلك المنطقة في ما يتعلق بالثروات الطبيعية وسياسات التسويق. ثانيا ان اية ممارسة ديمقراطية في الوقت الحاضر ستؤدي الي صعود الاسلاميين، تماما كما حدث في امريكا اللاتينية من صعود للتيارات اليسارية، وكما حدث في الجزائر قبل 14 عاما وفي مصر وفلسطين والعراق. وثالثا: ان وجود اسرائيل وسياساتها الارهابية لا يمكن استمراره في ظل انظمة ديمقراطية قادرة علي اتخاذ قراراتها الخاصة المستقلة عن الاملاءات الامريكية. وبالتالي فالحديث عن قوي الديمقراطية سوف يصطدم بحقائق الواقع العربي نظرا للاختلاف في تعريف من هو الديمقراطي ومن هو المستبد. اما الحديث عن قوي السلام فهو الآخر ذو شجون. فهل اسرائيل من هذه القوي؟ وهل ان منح شمعون بيريز جائزة نوبل للسلام غير طبيعة العنف والعسكرة للكيان الصهيوني؟ فماذا عن سياسات الاستيطان المتواصلة؟ وماذا عن اساليب التصفية الجسدية بالصواريخ وفرق الاغتيال التي قضت علي أغلب القيادات الفلسطينية علي مدي اكثر من ثلاثين عاما بدون توقف؟ وماذا عن اساليب التدمير الشامل والعقوبات الجماعية ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني؟ من يستطيع ان يقنع العالم بان اسرائيل قوة سلام ومشاهد التدمير الهائل تتراءي علي شاشات التلفزيون في كل زوايا العالم؟ وهل الولايات المتحدة نفسها قوة سلام؟ وهي أول من استعمل اسلحة الدمار الشامل في هيروشيما وناغاساكي وهي التي دمرت العراق وافغانستان ولبنان والصومال والسودان؟ ان هذا الاجترار للكلمات والمصطلحات يمثل مشكلة حقيقية امام اي تطور ايجابي علي صعيد السلام والديمقراطية في المنطقة. اما سياسة التعامل المزدوج فهي الاخري واحدة من الاشكالات الكبيرة التي ادت الي فشل السياسات الامريكية ليس في الشرق الاوسط فحسب، بل في المناطق الاخري من العالم. وما المسيرات العملاقة التي طافت في اغلب عواصم العالم في الاسابيع الاخيرة للاحتجاج ضد العدوان الاسرائيلي والدعم الامريكي له، الا تأكيد علي أمر واحد، وهو ان قاطني هذا الكوكب تجمعهم مشاعر الانسانية وحب العدل ورفض الظلم والعدوان، وان لديهم مقاييس متشابهة لقيم العدل والمساواة والظلم والعدوان، وانهم لا ينخدعون بسهولة امام الادعاءات الجوفاء، وان القوة العسكرية العمياء ليست المقياس الوحيد لنجاح المشاريع السياسية او فشلها. ومشروع الشرق الاوسط الجديد، ان كان ثمة مشروع واضح المعالم لدي الساسة الامريكيين، لن يكتب له النجاح الا بأمور منها: اولا حدوث تحول في السياسة الامريكية في المنطقة وذلك بالابتعاد التدريجي عن السياسات الصهيونية، وهذا ما لن، والثاني: ان يكون هناك انفتاح علي شعوب المنطقة بالحوار والاحترام ودعمها في تقرير مصائرها.9