الشرق لايزال رجلا

حجم الخط
0

الشرق لايزال رجلا

عزت القمحاوي الشرق لايزال رجلاعندما نشرت صور التعذيب في سجن أبو غريب كتبت في هذه الزاوية عن الحس الاستشراقي الذي ذهبت به مجندات بوش إلي العراق وكان وراء تعريتهن للمعتقلين العراقيين، وقد أدهشني أن يكتب الشاعر الإسرائيلي بني تسيبار عن هذا الهاجس في واقعة اقتحام جيش الدفاع ، الدفاع عن حريته وحرية غيره من اليهود في اغتصاب أرضنا والتعاطف معنا بوصفنا ضحايا!قال بني تسيبار في مقال ترجمه القاص نائل الطوخي وتنشره أسبوعية أخبار الأدب في القاهرة اليوم إن تعرية الرجال الفلسطينيين وتركهم مكشوفين أمام أعين الكاميرات العالمية هو سلوك لا يخلو من الهاجس البورنوغرافي، وهو جزء من الفانتازيا الغربية حول القدرات الجنسية العاصفة للعرب، معيداً التذكير بسلوك المجندات الأمريكيات في سجن أبو غريب. الشاعر اعتبر أن هذا السلوك من جيش الدفاع أظهر جمال الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن الشعوب الجميلة لا تموت، وفي المقابل فإن إخفاء إسرائيل لجسدها في مدرعات تخفي أجساد جنودها دليل شيخوخة وانحطاط قدرات، فله الأجر والثواب عند الله، ليس علي رهانه الذي نراهنه نحن أيضاً، وإنما علي اعترافه بأن الكيان الذي ينتمي إليه لم يكن ولا يريد أن يكون جزءا من الشرق.وأنا أوافقه تماماً علي أن الهاجس الذي عري به جيش الدفاع الحراس والمعتقلين هو هاجس استشراقي بالأساس يختلف عن المنطلق الذي تم به تعرية المعارض المصري عبدالحليم قنديل في صحراء الهرم أو تعرية كل الشعب المصري عبر صفقات بيع أصول القطاع العام بالبخس في تعاون بين النظام ومستثمرين سعوديين دائما وأبداً، إذ لم يقرر النائب العام حفظ التحقيق في بلاغ صفقة عمر أفندي الثلاثاء الماضي حتي تلقي في اليوم نفسه بلاغاً من العاملين بشركة النصر لصناعة التليفزيون يتهم البياعين بعرض الشركة بمبلغ لا يساوي عشر ثمن أرضها فضاء دون إنشاءات. هل في التصميم علي ترك المصريين بلابيص في صحراء اقتصاد يتسارع انهياره أي هاجس جنسي يتصرف به المستشرقون من الوزراء المصريين والمستثمرين السعوديين؟قد أكون مخطئاً في الجزم بانعدام هذا الهاجس، وإذا كان الاحتجاج علي هذه الصفقات لايفيد في وقفها، فمن باب أولي فإن إثبات أو نفي انطوائها علي هاجس جنسي هو سفسطة عديمة النفع، وفي حالات كهذه يحسن مغادرة الواقع برمته واللجوء إلي أرض التخييل الآمنة. وقد وجدت علي قمة كومة الكتب المنتظرة أمامي رواية للإسبانية كلارا خانيس أهدانيها منذ فترة مترجمها الشاعر طلعت شاهين. والكاتبة ذاتها لاجئة إلي أرض الرواية حيث تعرف أساساً بوصفها شاعرة. وقد سبق لشاهين أن ترجم ديوانها حجر النار المستوحي من قصة قيس وليلي. وها هي تواصل الإقامة علي أرضنا العربية تخييلا في نص جديد بعنوان رجل عدن . إذاً أنا لاجئ علي أرض افتراضية لكاتبة هي بالأساس لاجئة، وهذا أفضل جداً من البقاء علي أرض الواقع الكئيب.ربما ينطوي تصنيف نص كلارا خانيس كرواية علي شيء من التسامح النقدي، فهو أقرب إلي أدب الرحلات. وأياً كان النوع فالكتابة ممتعة وقد نقلها شاهين بأنعم عربية ممكنة، بينما ضاعف فضول التلصص متعة التلقي، حيث تسرد الكاتبة وقائع مشاركة بطلتها في لقاء شعري إسباني عربي في اليمن، فكان البحث أثناء القراءة عن الأصل الواقعي للشخصيات متعة إضافية فوق متعة البورنوغرافيا التي تقدمها الكاتبة عبر أيام الرحلة لبطلتها ذات العينين الزرقاوين بين عدن وصنعاء، ولنقل بين غرف فنادق المدينتين وفي ابهائها.منذ وصولها تتفتح البطلة علي رائحة الحسية البدائية في المكان، حيث عيون الذكور المثقفين العرب أعمدة من شهوة تكاد تلامس جسدها، تصفهم الراوية بأنهم مثل أولئك الأميين الذين تراهم في السوق بجنبياتهم علي خصورهم، لكنهم متخفون تحت ملابس عصرية وقشرة هشة من الرطانة الثقافية. تبدو البطلة فخورة بأنوثتها المرغوبة مع قليل من شعور الدهشة المشوبة باستياء خفيف من الطريقة العربية في الاصطياد، لكنها من جانبها يخفق قلبها للرجل الصموت رجل عدن الذي يبدو عميقاً في إعجابه وصمته، ويظل موضوعاً لاشتهائها طوال الرواية، حتي بعد أن ينسحب في منتصف الرحلة. وبينما تتمني البطلة أن يطرق رجل عدن الخجول باب غرفتها تفاجأ بمن تسميه الرواية عمر يدفع الباب ويقتحم عليها الغرفة اقتحاماً ويحتضنها لاهثاً ثم يطرحها علي السرير في مشهد ملتبس بين الاغتصاب والتواطؤ. وبعد ذلك يقودها للاستحمام. ثم يغادر الغرفة ويتركها تتأمل الرضوض بجسدها غير مستوعبة ما حدث!وبعد هذا اللقاء العاصف يبدو الطرفان وكأن أحدهما لا يعرف الآخر، وكلما التقت بعمر في بهو الفندق تتمني لو يعتذر أو يفسر أو يطلب مواصلة علاقة، لكنه لا يفعل ويبدو منشغلاً بمطاردة زميلاتها في الوفد الإسباني!المثقفون العرب في اللقاء الجنسي، أعني الشعري العاصف لم يفعلوا سوي مطاردة الإسبانيات اللائي جئن بصحبة رجال إسبان يضعهم النص في مكان باهت، كما لو كانوا كائنات متسامية علي النوع، كائنات متحضرة إلي درجة ملائكية، لم يحاول أحدهم أن يطارد غموض امرأة عربية، لكن الرواية هي التي حاولت تتبع غموض المجتمع النسائي من خلال أول خيط يجذبها إلي تلك الحياة في صبية الخبز التي تحمل طبقها، متجولة في شوارع صنعاء، وتحاول البطلة أن تتبعها لعلها تستطيع أن تقيم معها تفاهماً، يسمح لها بدخول الحريم الذي لا تعرف عنه سوي ما طالعته في ألف ليلة وليلة والأفلام السينمائية الغربية.لكن الكاتبة سرعان ما تنسي هذا الخيط، وتترك بطلتها علي أبواب هذا الغموض بسبب افتقادها للغة الحوار مع فتاة الخبز، لكنها تكتشف بعد ذلك أنها تفتقد اللغة المشتركة مع المثقفين العرب أيضا، وتكتشف أن المثقف العربي أكثر تردداً من صبية الخبز لأكتشف أنا في نهاية الرواية الممتعة حقاً انني لم أهرب من بورنوغرافيا الواقع إلا إلي بورنوغرافيا التخييل، ومن استشراق المجندة إلي استشراق الكاتبة.وليس في هذا الاكتشاف اية نية للدفاع عن المثقفين العرب أو تنبيههم إلي ضرورة الاحتشام عند اللقاء بالمثقفات الغربيات، فالهاجس الجنسي موجود في كل المؤتمرات شرقاً وغرباً، وبالأحري في كل الفنادق، ولكي نكون علميين أكثر، في كل الأماكن المغلقة سجناً كانت أو فندقاً أو وطناً أكره علي التعري الاقتصادي. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية