الانتفاضة، الثورة أو ”الهوشة” كلها مصطلحات للاحتجاج، الذي يجب إعادة تعريفه في سياق جزائري، فالقلة الآن تؤمن بتغيير السلطة الحاكمة كحل، أما الأغلبية فسقف مطالبها متدن جدا، ومحصور بدقة في تغيير الأوضاع المعيشية (المأكل، الملبس، السكن، السيارة… الخ) فهي تعتقد أن المال متوفر في الجزائر ولكن لا يصل منه شيء إلى الفئات الهشة، وهي سترضى بأقل القليل الذي لو صرفته الدولة لما أثر على الموازنة العامة لها.
مع الجيل الجديد ذهبت كل الأفكار التي كانت تحملها الأجيال الماضية (الثورة، التضحية، تقديم المبادئ على المال… الخ) وصار يكتفي بالعيش بدل الحياة، أما النقاشات السياسية (الديمقراطية، المجتمع المدني، المؤسسات الدستورية… الخ) فهي لا تعنيه لأنها ضبابية، وغير ذات معنى في الواقع اليومي، سوى بما يمكن أن تضمن من قرب أو بعد لكل شخص من القياديين الفعليين الذين يتصرفون – حسب المخيال الشعبي- بكل حرية ومزاجية، وحتى هستيرية وفنتاستيكية في الخزان العام للذهب والفضة.
ولا يغفل أن الثقافة الاجتماعية الحالية المبنية على قيم معينة من الحسد، والتسابق نحو المال، والوصولية، والخوف والطمع، يمكن للسلطة القابضة أن تستعملها في إطار سياسة من الرضا والغضب، حتى تصل إلى النتيجة التي حددتها سلفا، مع تخفيض مستوى النقاش في ما يخص سقف المطالب الشعبية إلى حده الأدنى، وإلغاء كل الوساطات التي ولدتها لعبة سياسية معينة، يحكم عليها الآن – من طرف أطراف في الحكم- بأنها فاشلة، حتى يتم التفاوض مباشرة مع ”الشعب” في إطار من النظام البطريركي لرئيس غير متزوج، أصبحت الجزائر عائلته الكبيرة.
لقد رسمت السلطة سياسة/خطة وهي تنفذها بدقة، بناء على استقراء جيد للثقافة الاجتماعية والنفسية لشعب تحولت بنيته تحولا جذريا، وباستعمال تقنيات حسب هذه المعطيات، وعلى من يعتقد أن التغيير في الجزائر قريب أن يأخذ هذه الأمور بعين الاعتبار.
كمال بلخيري الجزائر