عبير حيدر لم تمر سورية في تاريخها الحديث والمعاصر في مرحلة خطرة وحرجة كما يحصل الآن، هذه المرة الشعب السوري هو الفاعل في تلك الأحداث حتى هذه اللحظة، من يقرر حاضرها، وهو من يتوجب عليه أن يقرر مستقبل سورية الآتي.
مضت ثمانية شهور على الثورة السورية التي فاجأت النظام وهزت أركانه، فلم يجد بديلاً عن آلة القمع والقتل لإسكاتها. لم يتوقع أحد أن ينتفض الشعب السوري بعد سنين طويلة من القمع والقهر ونهب لقمة العيش. حتى أن السوريين أنفسهم لم يتوقعوا كل هذا الزخم والقدرة على الاستمرار، رغم كل آلة البطش والقتل التي يواجهونها يومياً. هذه الانتفاضة التي حطمت جدران سنوات من الصمت والخوف لدى السوريين، لم تترك أي خطوة أمام أحد للعودة إلى الوراء. وفي مواجهة هذه الانتفاضة، لم يجد النظام حتى هذه اللحظة إلا الحل الأمني المتمثل في ملاحقة المتظاهرين وقتلهم وسجنهم، على أمل بث الخوف ثانية في قلوب السوريين، وإجبارهم على ابتلاع السكين والصمت من جديد.
عجز النظام حتى هذه اللحظة عن قراءة التحولات التي حصلت في البلدان العربية -تونس ومصر واليمن- وما حصل في ليبيا أخيراً، التي جرها تعنت نظام القذافي ووحشيته في قمع الثوار إلى التدخل العسكري الأجنبي. وهذا ما لايرغب فيه احدٌ في سورية، بالرغم من تعنت النظام وتجاهل وجود أزمة داخلية، وإرجاع سبب ما يحصل في الداخل السوري إلى مؤامرة خارجية.
والآن مع تجاهل المبادرة العربية والالتفاف حولها من قبل النظام، وإصرار الجامعة العربية على عزل سورية بحجة إضعاف النظام. ستكون الخطوة القادمة تدويل الأزمة السورية، التي تبدأ بطلب حماية المدنيين وهذا ما يسعى إليه المجلس الوطني، وتعارضه هيئة التنسيق الوطنية وبعض المعارضين المستقلين (المعارضة في الداخل). وأمام تسارع هذه الأحداث، وتفاقم الوضع الإنساني في الداخل السوري في المناطق الثائرة، فإن دماء السوريين لا تتوقف عن النزيف ويستمر حصار النظام، وتجهد المعارضة في سعيها للاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي، وتأمين السبل للإطاحة بنظام يستقوي بجيشه ضد شعبه الثائر.
الحل العربي، على ما أرى، هو تمهيد لتدخل دولي سيحصل عاجلاً أم آجلاً. وهي مسؤولية يتحملها النظام نفسه. لكن ماذا سيفيد توزيع الاتهامات وتحميل المسؤوليات إذا ماحصل المحظور. ومن سيدفع ثمن هذا التدخل.. النظام زائل.. الشعب باق.. سورية هي الباقية. أمام هذه المخاوف، يبقى السؤال الكبير، كيف يمكن للشعب السوري أن يحافظ على ثورته وعلى طابعها السلمي في الوقت نفسه، في وجه كل هذا القمع، دون السماح لأي تدخل خارجي. ظهرت بعض اللافتات هنا وهناك يحملها بعض الثوار، تطالب بتدخل الناتو لحماية المدنيين.
يمكن تفهم صرخات الألم لمن ينزف دمه يومياً، مع هذا يدرك الشعب السوري عواقب هذا التدخل مهما كان نوعه، وعليه فإن رفضه يجب أن يكون مبدأً أساسياً من مبادئ التغيير السلمي الديمقراطي في سورية، وإلا لفقدت الثورة معناها، تحديداً دور الشعب فيها وقدرته على التغيير. لابد أن يكون هناك موقفٌ واضحٌ للمجلس الوطني، طالما أنَّه يعتبر نفسه ممثلاً عن الشعب السوري، كما يقول، ومن المعارضة السورية في كل مكان من مسألة التدخل الخارجي. الشارع السوري المنتفض مازال يسبق معارضته ونخبه السياسية جميعها، بقدرته على الصبر والتحمل والشجاعة التي فاقت كل تصور. لكن إكراما لكل هذه الدماء، المطلوب أن يكون هناك رفضٌ تامٌ للتدخل الخارجي الذي قد يبدأ بحماية المدنيين وينتهي بتدخلٍ عسكريٍ (طالما أن العقوبات الاقتصادية والعزل السياسي لم تضعف النظام لحد الآن على ما يبدو)، لاتكفي التصريحات برفض التدخل الخارجي، مادامت الوقائع تشير إلى غير ذلك. هل تريدون أخذ السوريين بعد كل هذه الدماء من نظام مستبد إلى نظام يقدم فاتورة الاستعانة بالخارج مزيداً الدم السوري؟ ليس الشعب السوري من يتحمل مسؤولية أي تدخل خارجي قد يحصل، لكن السؤال إذا ما حصل هذا التدخل، ليس ‘من المسؤول؟’، وإنما ‘من سيدفع فاتورة هذا التدخل؟’. فسورية بشعبها ومنشآتها وتاريخها وموقعها القومي هي التي ستكون هدفاً لهذا التدخل. أسوأ ما يقوم به النظام هو جر البلد إلى التدخل الخارجي، وأعظم ما تقوم به المعارضة هو حماية البلد من هذا التدخل ومنعه.
والمعضلة الأخرى التي تواجه السوريين وظهرت بعض بوادر لها في حمص كما سمعنا، هي جر البلاد إلى حرب أهلية. هذا ما لايمكن أن يحصل في سورية، ولم يحصل يوماً في تاريخها.
إلى من يهدد بحرب طائفية أقول: ليس هناك انقسام طائفي حول الثورة في البلد، المنخرطون في الثورة ينتمون إلى كل الطوائف والأعراق، وهو حال الذين يدعمون النظام أيضاً. فأنا شخصياً أعرف كثيراً من العائلات، ينتمي بعض أفرادها إلى صفوف الثورة، وبعضٌ من هذه العائلات يصطف مع النظام، إيماناً بالنظام أو خوفاً منه، أو هلعاً من المستقبل غير الواضح.
الخوف في سورية ما زال حياً وموجوداً، وهذا أمر يمكن تفهمه بعد سنوات من القمع والاستبداد والقهر. ولكن الشعب السوري بعد شهور من الثورة، بدأ يتلمس طريقه الواضحة لنفض غبار الخوف عن روحه. والمخرج الوحيد أمام المعارضة يكمن في أن تكثف طاقاتها وتركز خطابها للداخل السوري بهدف توسيع رقعة الاحتجاج لتشمل كافة المترددين والذين لا يزالون أسيري الخوف والولاء التقليدي للنظام.
لقد أوضحت مجريات الأحداث أن الجامعات التي صمتت لشهور، مقارنة بقطاعات المجتمع الأخرى، شهدت حراكاً مسانداً للثورة، وجامعة القلمون والجامعة العربية-الأوروبية خير دليلٍ على ذلك. لن يتمكن النظام من الاستمرار بآله قمعه والقتل والاعتقال. كل بيوت السوريين أصيبت بقتلٍ أو اعتقالٍ أو تشريدٍ ودفعت ثمناً بطريقة أو بأخرى.
لم يبق الكثير من الوقت لنفكر بما يجب علينا القيام به. إن حماية المدنيين أمانة في أعناق الشعب السوري أولاً. وحتى أولئك الموالين للنظام عليهم أن يطالبوا، بوقف آلة القتل. على أمهات الجنود السوريين جميعاً أن يخرجن ويطالبن بعودة أبنائهن إلى البيوت و الثكنات لوقف الدم. على المثقفين الخائفين الخانعين والمطبلين للنظام أن يخرجوا أيضاً ليطالبوا بوقف سفك الدماء. وعلى الفنانين السوريين أن يتخلوا عن صمتهم ويصرخوا بأعلى الصوت لإعادة الجيش إلى ثكناته وإخراج المعتقلين من زنازين التعذيب، بدلاً من أن يجلسوا في المقاهي ويستمتعوا بتدخين الأركيلة ولعب الورق وطق الحنك، وهنالك على بعد كيلومترات بسيطة في ريف دمشق، شعب محاصر وشباب يقتلون وهم يوزعون الورود على الجنود.
كل فئات المجتمع السوري مطالبة بالخروج لوقف الدماء حماية لسورية. لن يتمكن الجيش من مجابهة شعب بأكمله، لن يتمكن الجنود من توجيه البندقية إلى صدور أمهاتهم وأخواتهم. ولا فائدة من الاستجداء بالخارج، لا بروسيا ولا بجامعة الدول العربية ولا بأمريكا. ليفهم السوريون جميعا بأن الحل لا بد وأن يكون سورية. لا فائدة من المسيرات المليونية التي تطالب بالرئيس مدى الحياة، وتضعه في مقام الآلهة. ليخرج السوريون من عقلية الأبد، الزمن تغير ولا عودة فيه إلى الوراء. سورية أمانة في أعناقنا جميعاً، ولا يجوز مساومة الشعب السوري على دمه ولقمة عيشه وكرامته. يجب الاعتراف بالأزمة، ليس من النــظام لأنه مازال يراوغ؛ الاعتراف مطلوب من الشعب السوري الذي يرى أن معظم مدنه محاصرة، وأن الدم نازف يومياً، ويبرر صمته وخوفه الدفين بالمؤامرة الخارجية.
السوريون فقط، ، كل السوريين، عليهم قبل أي طرف آخر، وقف هذا الدم. وعلى مسيرات تأييد النظام على الأقل أن تنادي بوقف الدماء. لنجد جميعا حلاً يحمي البلد من الخارج ويضمن حقنا جميعا، بوصفنا سوريين، في بلد ديمقراطي حر مدني. أدرك أن هذا الكلام قد لا يعجب لا المعارضة ولا النظام، لكن أرجو أن يجد أذناً صاغية لدى ضمير كل سوري حر، من الطرفين. لن يحمي سورية غير دمنا أيها السوريون ولن نحيا الديمقراطية، إذا لم نتحرر من الخوف والتعصب وإلغاء الآخر. ثقتي بك عظيمة يا شعبي مهما بلغت التضحيات.’ باحثة سورية تقيم في لبنان