القاهرة ـ «القدس العربي»: عين على الكنيسة وأخرى على البرلمان وثالثة على الأسواق، هكذا صرفت صحف أمس الأربعاء 12 أبريل/نيسان أبصارها باحثة عما يعيد إليها جمهورا ظل لعقود مقيدا بها، قبل أن ينصرف عنها، بعد أن باتت رهن سلطة لا تقر لها بحق الخلاف معها..
أمس تنوعت التقارير والمعارك، وواصل كتاب مخاوفهم من استفحال الأزمة الاقتصادية، بينما استقطبت الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين المحتلة فريقا من الكتاب.. ومن أخبار الكنيسة المصرية: في ما اعتبره البعض توترا في العلاقات مع الحكومة الأوكرانية والكنيسة الأرثوذكسية بعث البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية برقية إلى قداسة بطريرك موسكو يعرب فيها عن حزنه واستنكاره بسبب المضايقات التي يتعرض لها الأرثوذكس في أوكرانيا من قبل الجيش الأوكرانى. واعترف البابا تواضروس في البرقية بأنه أرسل رسالة احتجاج بهذا المعنى لسفارة أوكرانيا في مصر.. ومن أخبار البرلمان: أكد المستشار الدكتور حنفي جبالي رئيس مجلس النواب، أن تعديل قانون الجنسية المصرية، جاء تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية التي قضت بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (6) في ما تضمنه من قصر الحق في اكتساب الجنسية المصرية بالنسبة للأولاد القصر على حالة اكتساب الأب الأجنبي لهذه الجنسية، دون حالة اكتساب الأم الأجنبية. وقال في كلمته خلال الجلسة العامة لمجلس النواب: التعديل التشريعي يأتي إعمالا لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، وتنفيذا للمادتين 6 و11 من الدستور، وبما يتفق مع الاتفاقيات والعهود الدولية في المساواة في الحقوق والواجبات كافة. وقال جبالي: اكتساب الجنسية مظهر من مظاهر سيادة الدولة، وأشار النائب عاطف المغاوري رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، إلى أن الجنسية المصرية ضمن سيادة الدولة، ومصر لديها ميزة وليس لديها مشاكل مع بعض الفئات، وتركيبتها الحضارية هي الدمج. وقال: لقد قدم عليها الشوام والإيطاليين، متابعا: والشوام تميزوا في المجالات كافة، وهناك فنانون عظام ليسوا من أصول مصرية، وأضافوا الكثير، وكذلك في الصناعة، وبالتالي فالتعديل يضمن المساواة. واقترح أن يتم منح الإقامة لمن يشتري عقارا، وليس الجنسية، قائلا: الأزمة التي طالت اليونان وتم منح الإقامة لمن يشتري عقارا وليس الحصول على الجنسية. وأضاف: “الحقيقة لدينا مشكلة في التسويق العقاري”. ومن أخبار المحاكم: أمرت جهات التحقيق في الجيزة، بإحالة زوج المذيعة أميرة شنب للمحاكمة لاتهامه بالتسبب في إصابة جاره المجني عليه، بإهماله وعدم احترازه بترك الكلب دون قيد أو تكميم، ما أسفر عن عقر الكلب للمجني عليه، وتسبب في وفاته. ومن أخبار الساحرة المستديرة: أعلن الاتحاد الافريقي لكرة القدم “كاف”، إسناد مباراة الأهلي والرجاء المغربي في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال افريقيا إلى طاقم تحكيم سوداني بقيادة علي إسماعيل. ويدير لقاء الذهاب بين الأهلي والرجاء المغربي الحكم محمود علي إسماعيل، ومن المقرر إقامة اللقاء السبت الموافق 22 أبريل/نيسان على أرضية ستاد القاهرة الدولي. ومن أخبار المتاحف: يعرض المتحف المصري في التحرير عند مدخله، مجموعة من القطع الأثرية التي تمثل الأدوات التي تم استخدامها أثناء وضع حجر أساس المتحف لتكون قطعة شهر أبريل، بمناسبة ذكرى مرور 126 عاما على وضع حجر أساس المتحف، الذي يوافق الأول من أبريل عام 1897. وتضم القطع المعروضة مجرفة حجر الأساس ومطرقة والميدالية التذكارية التي حفر عليها اسم الخديوي عباس.
وحدهم المجانين
من خلال متابعته لملف التبرعات التي تنهال في الشهر الكريم التفت حمدي رزق في “المصري اليوم” لما يلي: المستشفى الوحيد الذي لا يطلب تبرعات مستشفى العباسية للصحة النفسية، عفوا دكتور عكاشة (مستشفى المجانين) ولن أكررها مستقبلا. بحيرة التبرعات تسيطر عليها تماسيح ديناصورية ضخمة، ولا تماسيح بحيرة ناصر، جمع التبرعات صناعة ضخمة ومعقدة يقوم عليها متخصصون في إخراج الصدقات من جيوب المقتدرين. الشاشات الفضائية تشهد منافسة شرسة على طلب الصدقات والتبرعات والزكوات من الطيبين لصالح المؤسسات والجمعيات والصناديق الخيرية والتنموية، لا تترك مجالا للمستشفيات الحكومية، أو المستشفيات الصغيرة، معاك تمويل لحملة تنهال التبرعات، والباقي معها ربنا، يترجون الله في وجبة طعام. احتكار التبرعات والصدقات والزكوات وقسمتها على حوالي عشر جمعيات عملاقة، تملك موازنات إعلانية ضخمة، وتهيمن على نهر الخير، تغرف منه، وتعبُّ منه عبّا، النهر كاد يجف من الغرف المفرط وسنويا بالمليارات، خد من التل يختل. تماسيح الإعلانات الراقدة في النهر متربصة بالتبرعات، لم تترك قطرة تبل ريق عشرات الآلاف من الجمعيات والمؤسسات الخيرية ودور الرعاية وملاجئ الأيتام، نشفتها عليهم لدرجة أن الجمعيات المتوسطة والصغيرة باتت على شفا الإفلاس، وتعاني أزمات تصل إلى حدود عدم المقدرة على توفير الطعام والدواء للنزلاء، وهم بعشرات الآلاف. جمعيات ديناصورية عملاقة مفروضة علينا تقتحم بيوتنا بنفوذ الإعلانات الكثيفة ذات الموازنات الضخمة، وتستخدم نجوم الفن والدين، وجوه مسلسلات الصابون، وبرامج الهداية.
كشف حساب
كل رمضان والكلام ما زال لحمدي رزق الجمعيات نفسها، الوجوه نفسها المشروعات الخرافية نفسها، التي لا تنتهي أبدا، وتستنزف تبرعات الطيبين عاما بعد عام، دون تقديم كشف حساب واحد، يُبَيِّن لَنا مَا هِي، إن الجمعيات تشابهت علينا. طيب كشف حساب واحد يُبَيِّن لنا، كم جُمع في كم سنة، وكم أُنفق على جمعه إعلانيا، وكم صافي الإيرادات بعد تجنيب نسبة العاملين عليها، وما نسبتها، وكيفية توزيع الصدقات على مصارفها الشرعية أو الخدمية. معلوم، «أخد الحق صنعة»، وكذا طلب التبرع فن، وقد برعوا فيه، إزاء مسلسل رمضاني مستدام، احتكاريون لا يتركون مساحة على الشاشة لجمعية جديدة بفكرة جديدة، صادروا التبرعات جميعا، ويبحثون عن الصدقات، ويتشاطرون الزكوات، ربنا يستر على العشور، لا تزال خارج اهتمام جماعة تماسيح نهر الخير الجاري. معلوم التبرعات كالماء المالح، كلما شربت ازددت عطشا، ضخامة الحملات الإعلانية وثراؤها يؤشران إلى حجم التبرعات المرتقبة، يسيل لها اللعاب، نهر جارٍ من التبرعات، ما يحتم ضراوة المنافسة، صيد محتمل ثمين ومغر، ويستأهل الإنفاق الخرافي لاقتناصه، حجم الزكاة سنويا يُقدر بـ79 مليار جنيه في تقديرات منشورة في صحيفة «الأهرام» في 30 أبريل/نيسان 2021، ومنسوبة لمصادر من الثقات يقال، والله أعلم، إن الجنيه إعلانيا في رمضان يجلب عشرة جنيهات تبرعات، اللَّهُمَّ لا حسد، اللهم زد وبارك، يعني تصرف مليون تحصد عشرة بخلاف الجمعيات العشر المبشرة بالتبرعات، هناك عشرات الآلاف من الجمعيات تترجى الله في حق غموس العيش الحاف، احتكار التبرعات أخطر أشكال الاحتكارات، أخطر من احتكار الحديد، الجمعيات تعملقت وصارت احتكارية، يستوجب مراعاة الجمعيات الضعيفة والكسيرة، أطعموا الفم، اللقم تزيح النقم.
عرس رمضاني
شاهد فاروق جويدة مأدبة الإفطار الضخمة التي أقامها أهالي حي المطرية على امتداد ألف متر وجمعت المئات من الصائمين من أحياء القاهرة المختلفة، الذين توافدوا إلى الحي العتيق، كان مشهدا وفق ما وصفه الكاتب في “الأهرام” مهيبا في مكانه وأعداده ووجباته وفرحة الناس التي ملأت المكان.. والمطرية من الأحياء الشعبية الشهيرة ويجمع بين فئات اجتماعية كثيرة، وكم كنت سعيدا وأنا أشاهد هذه الروح وهذا الإحساس بالمسؤولية وتمنيت لو شاهدنا مثل هذه الولائم في كل أحياء القاهرة كل ليلة.. كنت أتمنى أن يحدث ذلك في أحياء مصر الغنية في التجمع الخامس والشيخ زايد ومنتجعات أكتوبر والمقطم.. كانت الأحياء القديمة تقيم هذه الموائد في الزمالك وجاردن سيتي والمعادي ومصر الجديدة، ولكن يبدو أن الأحوال الاقتصادية لم تترك أحدا وأن الأحياء الشعبية ما زالت تحافظ على ما بقي لديها من ذكريات الزمن الجميل.. كان أثرياء مصر في يوم من الأيام يفطرون بين الناس في ريف مصر، وكانت الموائد تقام في القرى والنجوع وكانت البيوت تجتمع على طعام واحد.. كنت دائما أشعر بأن أجمل ما في حياة المصريين هذه الروح التي جمعتهم على الحب والرحمة، وكان كثير من أثرياء مصر يقيمون موائد للطعام طوال العام.. وأنا أشاهد إفطار المطرية تمنيت لو رأيت بين المشاركين عددا من الوزراء وكبار المسؤولين وشاهدت كاميرات الشاشات وهي تطوف في هذا العرس الرمضاني الجميل.. تحية لأهالي المطرية وكل رمضان وأنتم طيبون.
قتلة بما يكفي
ليست هذه المرة الأولى التي تُصعدُ قواتُ الاحتلال الإسرائيلية اعتداءاتها على الفلسطينيين في شهر رمضان. تكررت هذه الاعتداءاتُ كما أشار إليه الدكتور وحيد عبد المجيد في “الأهرام” في الشهر الفضيل، خاصة في السنوات العشر الأخيرة. وربما يتعذرُ الفصلُ بين ازدياد فظاعة الاعتداءات في هذا الشهر وتنامى سطوة أحزاب وقوى دينية يهودية حتى قبل أن تسيطر على الحكومة الحالية، وتُظهر وجهها البشع بوضوحٍ، وتُفصح عن تعطشها لدماء الفلسطينيين، ولا تُخفي حنقها على وجودهم في المسجد الأقصى. ولا يملك رافضو هذه الاعتداءات، والمدركون لما وراءها، سوى إدانتها حين يتيسرُ ذلك. ولكن الاعتداءات على المعتكفين في المسجد الأقصى قبيل صلاة الفجر قبل أيامٍ أحدث نقلة في خطاب أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، عندما عبر عن صدمته وذهوله إزاء مستوى العنف الذي استخدمته القواتُ الإسرائيلية داخل المسجد الأقصى، بعد أن كان التعبيرُ عن القلق هو رد فعله المعتاد تجاه الأعمال والممارسات التي تنتهكُ ميثاق المنظمة التي يقودُها، وغيرها من المواثيق الدولية. وعندما تُدانُ الاعتداءات الإسرائيلية، توصفُ أحيانا بأنها وحشية. وهي كذلك فعلا، لأن لغات البشر تخلو من كلماتٍ أكثر تعبيرا عن هول هذه الاعتداءات. فلا يكفي، مثلا، القول إنها إجرامية. فالإجرامُ أشكالُ وألوانُ ودرجات. وليس القتلُ إلا أحد أشكاله، وأعلى درجاته. ولهذا يوصفُ الإجرامُ نفسه، أحيانا، بأنه وحشي. لا مناص، إذن، من وصف الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين بأنها وحشيةُ حين يُرادُ الذهاب إلى أبعد مدى في إدانتها لفظيا. وهذا هو أقصى ما يُمكنُ في ظل الحماية التي يحظى بها الكيان الإسرائيلي في المؤسسات الدولية الرسمية، مثله في ذلك مثل دولٍ كبرى تعتدي وتغزو جهارا نهارا، ويُهددُ بعضُها باستخدام أسلحة نووية، ما دامت تملكُ من النفوذ ما يُمكَّنها من شل هذه المؤسسات الهشة، ومنعها من التحرك. غير أن وصف الاعتداءات الإسرائيلية بأنها وحشيةُ يتطلبُ اعتذارا لوحوش الغابة. فأقصى أذى يمكنُ أن يُلحقه أي منها بغيرها يبقى أقل مما تفعلهُ قواتُ الاحتلال الصهيون. وكان الإمام الشافعي مُحقا عندما قال وليس الذئبُ يأكلُ لحم ذئب، ويأكلُ بعضُنا بعضا … فعُذرا وحوش الغابة.
الحقيقة على لسانهم
من بين الواثقين بقرب تحقق الحلم الفلسطيني عادل يوسف في “الوفد”: الله أكبر فوق كيد المعتدي، الله أكبر فوق صمت الخانعين، الله أكبر فوق كيد الكائدين وجبن الخائنين، ففي ذكرى غزوة بدر الكبرى وذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول المجيدة يأتي النصر المبين من الله عز وجل، ليؤكد للمقاومة الباسلة أنه لم يدعهم ولم يتركهم، ولكن يمحصهم وينتقي منهم الشهداء، فبالأمس القريب عقد مجلس علماء الاجتماع السياسي في واشنطن مؤتمرا صحافيا طارئا حول الأحداث الراهنة في القدس المحتلة وافتتح الدكتور آري شبيت نتنياهو مدرس علم الاجتماع السياسي في جامعة تل أبيب ومستشار رئيس مجلس علماء الاجتماع السياسي في واشنطن لشؤون القضية الفلسطينية، المؤتمر الذي شاركت فيه قيادات وأعضاء المجلس من أمريكا وتل أبيب وأوروبا قائلا، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال، وأشار آري شبيت إلى أننا اجتزنا نقطة اللاعودة، ولم يعد بإمكان «إسرائيل» إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام، ولم يعد بالإمكان إعادة إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية وتقسيم الناس في هذه الدولة. مؤكدا أنه إذا كان الوضع كذلك، فإنه لا طعم للعيش في هذه البلاد، وليس هناك طعم لأي شيء إذا كانت «الإسرائيلية» واليهودية ليستا عاملا حيويا في الهوية، وواصل نتنياهو مدرس علم الاجتماع السياسي، أنه إذا كان هناك جواز سفر أجنبي لدى كل مواطن «إسرائيلي»، ليس فقط بالمعنى التقني، بل بالمعنى النفسي أيضا، فقد انتهى الأمر. ويختتم حديثه الانهزامي قائلا، يجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس.
بأسهم بينهم شديد
لم تنتهِ إهانة الاحتلال الإسرائيلي عند كلمة آري شبيت الأستاذ في جامعة تل أبيب، ولكن كما أوضح عادل يوسف جاءت الشهادة أكثر قوة وأقرب فتحا ونصرا من سابقتها، على لسان المفكر القدير الدكتور الحبيب النوبي عالم الاجتماع السياسي ورئيس مجلس علماء الاجتماع السياسي في واشنطن، عبر تطبيق الفيديو كونفرانس قائلا، حان الوقت لأن يضع العالم أجمع إصبعه في عين نتنياهو وليبرمان والنازيين الجدد ليوقظوهم من هذيانهم الصهيوني، مؤكدا أن ترامب وكوشنير وبايدن وباراك أوباما وهيلاري كلينتون، ليسوا هم الذين سينهون الاحتلال. مضى عادل يوسف مستشهدا بحق الشعب الفلسطيني في الحياة، متابعا ما أقره المفكر حبيب النوبي: ليست الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي هما اللذان سيوقفان الاستيطان. وأن القوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ «إسرائيل» من نفسها، هم «الإسرائيليون» أنفسهم، بابتداع لغة سياسية جديدة، تعترف بالواقع وبأن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض. وأحث على البحث عن الطريق الثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت. مشددا على أن «الإسرائيليين» منذ أن جاؤوا إلى فلسطين، يدركون أنهم حصيلة كذبة ابتدعتها الحركة الصهيونية، التي استخدمت خلالها كل المكر في الشخصية اليهودية عبر التاريخ، واختتم عالم الاجتماع السياسي القدير البيان قائلا، إنه من خلال استغلال ما سمي المحرقة على يد هتلر «الهولوكوست» وتضخيمها، استطاعت الحركة أن تقنع العالم بأن فلسطين هي «أرض الميعاد»، وأن الهيكل المزعوم موجود تحت المسجد الأقصى، وهكذا تحول الذئب إلى حمَل يرضع من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين والأوروبيين، حتى بات وحشا نوويا. ولا يسعنا إلا أن نختتم بقول الله سبحانه وتعالى: لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعا إِلا في قُرى مُّحَصَّنَةٍ أو مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (سورة الحشر 14).
مسألة وقت
الحقيقة التي انتهى عندها أحمد بلال في “المصري اليوم”، هي أن المجتمع الإسرائيلي يمثل حاضنة حقيقية للحرب الأهلية إذا ما اندلعت، فالمجتمع وعلى مدار 75 عاما هو عمر الكيان أبى الانصهار، وفشل في أن يكون مجتمعا واحدا وموحدا، وإنما وعاء لعدة مجتمعات، 20% منه من الفلسطينيين ومثلهم من الروس، إضافة إلى السفارديم والأشكناز والمزراحيم واليمنيين والإثيوبيين، وكذلك العلمانيين والمتدينين، والمستوطنين، وحتى العرب في إسرائيل تقسمهم تل أبيب إلى مسلمين ومسيحيين ودروز، وإلى جانب كل هذا ما زال الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين المحتلة من عشرات السنوات يتعاملون بقومياتهم وجنسياتهم الأصلية التي هاجروا بها، فمن هاجر من مصر يعرف نفسه بأنه مصري، كذلك الفرنسيون والأمريكيون والروس وغيرهم، ولكل منهم جمعياتهم التي تعبر عن تاريخهم المشترك في الأوطان التي هاجروا منها. هذا التهديد للأمن القومي الإسرائيلي من وجهة نظر الكاتب لن تقف أمامه المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية مكتوفة الأيدي بالطبع، فما حدث في الأزمة الأخيرة مؤشر حقيقي وخطير لما قد يحدث في حال تكرار الأزمة أو تصاعدها، بدءا من إعلان جنود إسرائيليين رفضهم لخطة بنيامين نتنياهو للسيطرة على القضاء، وكذلك قيادات في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، للدرجة التي جعلت بنيامين نتنياهو، ثعلب إسرائيل العجوز، يفقد أعصابه ويطيح بوزير دفاعه المنتمي للحزب نفسه.
نهايتها تقترب
الأزمة الأخيرة في إسرائيل يراها أحمد بلال هي قمة جبل الجليد، أما الأزمة المنظورة تحت قمة جبل الجليد فهي أزمة النظام السياسي الإسرائيلي المأزوم، الذي لم يعد قادرا حتى على تشكيل حكومة أو اجتياز دورة برلمانية كاملة أو إقرار موازنة الدولة، ما يؤثر بشكل حقيقي على اقتصاد الكيان الإسرائيلي، وهو ما ظهر جليا في تراجع سعر العملة الإسرائيلية بشكل لم تشهده منذ 30 عاما خلال الاضطرابات الأخيرة. أما الأزمة الحقيقية فهي أزمة المجتمع الإسرائيلي وأزمة الهوية التي تواجهه، والتي تتضح جليا في فشل مجتمع تجاوز عمره السبعين عاما في الانصهار والتحول إلى شعب. ما زال المجتمع الإسرائيلي مقسما إلى مجتمعات غير قابلة للانصهار، بل غير قادرة على وقف التفتت، ليتحول إلى غيتوهات صغيرة، وتُساهم العنصرية داخل الكيان نفسه في هذه الانعزالية أكثر وأكثر، فالأشكنازي ما زال أفضل من السفاردي، والأخير أفضل من المزراحي، وبالتأكيد كلهم أفضل من يهود اليمن والفلاشا مثلا، وقطعا كلهم أفضل من فلسطينيي 48 أصحاب الأرض والوطن. واليمين يعبر عن الوطن، واليسار يعبر عن أعدائه، فانقسم اليمين لأكثر من يمين متطرف، وغادر اليسار معسكره لينافس اليمين في يمينيته، كل هذه الانشقاقات والانقسامات والتغيرات، تحدث أولا في قاعدة جبل الجليد، لتنعكس في النهاية في صُورة انقسامات سياسية في قمة الجبل الجليدي، عرفت طريقها الآن إلى الشوارع والميادين، وفي طريقها إلى حرب أهلية حقيقية أو انقلاب عسكري قد تعرفه إسرائيل لأول مرة في تاريخها، وفي كل الأحوال تبقى الحقيقة أن إسرائيل قبل ما يمكن تسميته اصطلاحا بـ«الربيع العبري» على غرار تسمية ما حدث في عدد من الدول العربية، لا يمكن ولن يمكن أن تكون أبدا هي نفسها إسرائيل التي كانت قبله.
غيوم تحيط به
الظاهر أن الرئيس التركي أردوغان ليس واثقا من حظوظه في انتخابات الرئاسة التي ستجري في 14 مايو/أيار المقبل. ويبدو أن “الجنرال زلزال” وفق ما يرى سليمان جودة في “مصراوي” سيلعب ضده في هذه الانتخابات، كما سبق أن لعب “الجنرال ثلج” ضد نابليون مرة، وضد هتلر مرة ثانية، عندما فكر الاثنان في اقتحام موسكو.. لقد وقفت الأجواء الجوية الشتوية السيئة ضدهما، وتراكمت الثلوج في طريق الجيشين، وقيل من يومها ولا يزال يقال إن الجنرال ثلج وقف في طريقهما ومنعهما من التقدم. أما الجنرال زلزال فهو الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا في السادس من فبراير/شباط، فأسقط الكثير جدا من الضحايا في البلدين، وخلّف من ورائه أوضاعا مأساوية في البلدين. ورغم أن أنباء الزلزال المدمر توارت من الإعلام، إلا أن آلامه ومواجعه لا تزال بالتأكيد تسكن مع المصابين والمشردين في عنوان واحد، ولا يزال الذين أبقاهم الزلزال بلا مأوى يبحثون عما يحفظ لهم ما بقي من حياة في ظروف قاسية يعيشونها. وفي مثل هذه الظروف سوف يكون كل واحد منهم مدعوا إلى المشاركة في انتخابات مايو/أيار، التي ستجري في الرئاسة والبرلمان معا، ولا أحد يعرف ما إذا كان سكان المناطق التي ضربها الزلزال المدمر سوف يصوتون لصالح أردوغان، أم لصالح مرشح المعارضة كليتجدار أوغلو؟ ولكن الثابت حتى الآن من خلال استطلاعات الرأي أن كليتجدار متفوق على الرئيس التركي، الذي لا بد أنه مشغول بموقف المتضررين من الزلزال، وما إذا كانوا راضين عن أدائه في مواجهة الكارثة، أم أنهم غير راضين وراغبين بالتالي في المجيء برئيس جديد؟
فقد أعصابه
ما زاد الأمر سوءا بالنسبة لأردوغان، من وجهة نظر سليمان جودة أن السفير الأمريكي في أنقرة زار كليتجدار في مقر حملته الانتخابية، وبدت الزيارة وكأنها مساندة للمرشح المعارض، أو كأن إدارة الرئيس جو بايدن ترغب في مجيء رئيس تركي جديد مكان أردوغان. وما كاد الرئيس التركي يسمع بنبأ الزيارة حتى فقد أعصابه، وحتى بدأ في تقريع السفير الأمريكي، الذي في تقديره لم يحترم الأصول وهو يزور مرشحا دون مرشح في السباق، والذي لم يجد في ذلك أي حرج سياسي مع الرئيس الجالس على مقاعد الحكم. لقد بدا من رد فعل أردوغان أنه غاضب لأقصى حد مما حدث، وأنه ساخط على السفير للغاية، ولم يكن أدل على ذلك إلا أنه دعا الأتراك إلى أن يلقنوا الأمريكيين درسا في الانتخابات، وقال إن ما فعله السفير أمر معيب، وإن الأبواب في تركيا ستكون موصدة في وجه هذا السفير منذ اللحظة التي قام فيها بزيارته إلى مرشح المعارضة.. وهذا معناه أنه لا أحد في الحكومة التركية سوف يفتح بابه أمام السفير، وأنه سيجد نفسه في عزلة لا يرى أحدا في تركيا ولا يراه أحد. ولو نجح أردوغان في الانتخابات فسوف يواجه السفير مشكلة، وسوف تتعاظم أزمته مع الرئيس الفائز، وربما يعلن أردوغان وقتها أن السفير الأمريكي “شخص غير مرغوب فيه”، وهو مصطلح دبلوماسي يعني أن على السفير أن يغادر. والغالب أن السفير لم يبادر بالزيارة من تلقاء نفسه، والأغلب أنه استشار إدارة بلاده، والأغرب أن يكون هذا هو موقف إدارة بايدن من أردوغان، رغم إنه عضو معها في حلف الناتو، ورغم أن علاقته مع الولايات المتحدة ليست سيئة إلى هذا الحد.. ولكنها السياسة.. ثم إنها السياسة الأمريكية بالذات.
الغلاء والسعادة
مع تفاقم الأزمة الاقتصادية حول العالم والارتفاع الصاروخي لأسعار السلع والخدمات، تزايد الحديث حول النواحي المادية والعلاقة بين المال والسعادة، وهو ما اهتم به عبد المنعم السلموني في “الجمهورية”: بدأت التساؤلات تتردد، خصوصا في العالم الغربي حول ما تحتاجه من المال لتكون سعيدا في حياتك اليومية؟ وهل الكثير من الثروة سيئ بالنسبة لك؟
توصل باحثون من جامعة برينستون، بقيادة عالم النفس وخبير الاقتصاد الحائز جائزة نوبل لعام 2002 الأستاذ دانيال كانيمان، إلى نتيجة، بينما توصل فريق من جامعة بنسلفانيا إلى عكس هذه النتيجة، ومع ذلك، عمل الفريقان معا للتوفيق بين النتيجتين المتناقضتين ووجدا ارتباطا ثابتا بين الدخل الأكبر والسعادة الأكبر لمعظم الناس، ولكن هناك تزايدا في أعداد أقلية غير سعيدة. للتوفيق بين الاختلافات، تم الجمع بين النتيجتين في ما يُعرف باسم “التعاون العدائي”، حيث تم الاحتكام إلى الأستاذة بربارا ميلز من جامعة بنسلفانيا، وفي ورقة بحثية جديدة أصدرتها الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم بعنوان “الدخل والرفاهية العاطفية: تم حل النزاع”، وأظهر الثلاثي أنه، في المتوسط، ترتبط المداخيل الأكبر بمستويات متزايدة من السعادة. ومع ذلك، عند إلقاء نظرة فاحصة، تصبح العلاقة أكثر تعقيدا، وضمن هذا الاتجاه العام، تظهر فئة غير سعيدة داخل كل مجموعة، حيث يسبب الدخل ارتفاعا حادا في السعادة، وبعد أن يصل إلى 100 ألف دولار سنويا يبدأ التفاوت في السعادة من جديد. ويقول الباحثون إن هذا، يشير إلى أنه، بالنسبة لمعظم الناس، يرتبط الدخل الأكبر بسعادة أكبر”. “الاستثناء هو الأشخاص الميسورون من الناحية المالية ولكنهم غير سعداء. إذا كنت غنيا وبائسا، مثلا، فلن يساعدك المزيد من الأموال. بالنسبة للآخرين، ارتبط المزيد من الأموال بتزايد الشعور بالسعادة إلى حد ما”. تعمقت ميلز كما لاحظ عبد المنعم البسيوني في الفكرة الأخيرة، مشيرة إلى أن الرفاهية العاطفية والدخل ليسا مرتبطين بعلاقة واحدة. قالت: “الوظيفة تختلف بالنسبة للأشخاص الذين لديهم مستويات مختلفة من الرفاهية العاطفية”. على وجه التحديد، بالنسبة للمجموعة الأقل سعادة، فإن السعادة ترتفع مع زيادة الدخل حتى 100 ألف دولار، ثم لا تظهر أي زيادة أخرى مع نمو الدخل، وبالنسبة لمن هم في النطاق المتوسط من الرفاهية العاطفية، تزداد السعادة بالتوازي مع زيادة الدخل، أما أسعد مجموعة فتتسارع الرابطة فعليا فوق 100 ألف دولار.
المصالح تتصالح
تتمسك الإدارة الأمريكية بهدوئها حتى الآن وفق ما يرى جلال عارف في مواجهة تصريحات الرئيس الفرنسى ماكرون الذي دعا فيها أوروبا إلى عدم التبعية لأمريكا. تابع الكاتب في “الأخبار”: المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي قال إن أمريكا لديها الثقة الكاملة في علاقتها الثنائية الممتازة مع فرنسا، وفي العلاقة الجيدة التي تربط الرئيسين بايدن وماكرون.. لكن «الغضب الأمريكي» كان واضحا في ردود نواب الكونغرس من الحزبين، وفي الصحافة والإعلام. «نيويورك تايمز» قالت بوضوح «إن زيارة ماكرون للصين تدعم الجهود الأمريكية لاحتواء نفوذ النظام الاستبدادي الذي يقوده الرئيس الصيني»، بينما كانت التعليقات تركز على أن ماكرون لا يمثل أوروبا، وأن أوروبا هي التي تحتاج لأمريكا وليس العكس. واشنطن الرسمية تعرف أنها ما زالت قادرة على عرقلة أي إجماع أوروبي بنفوذها خاصة في دول شرق أوروبا. لكنها تعرف أيضا أن تصريحات ماكرون تعكس انقساما في الرأي العام الأوروبي تجاه الحرب في أوكرانيا، وتجاه العلاقات مع واشنطن، وتجاه ضغوط أمريكا لجعل حلف «الناتو» طرفا في الصراع مع الصين، في وقت تدفع فيه أوروبا ثمنا باهظا لاستمرار الحرب في أوكرانيا والعقوبات التي تم فرضها على روسيا فارتدّت على دول أوروبا وحملت اقتصادها بفواتير باهظة للغاية لم يتحمل مثلها اقتصاد أمريكا، الذي استفادت بعض القطاعات فيه من الحرب كصناعة البترول والسلاح. التعامل الهادئ من جانب الإدارة الأمريكية مع تصريحات ماكرون لا يريد أيضا أن ينكأ جراحا لدى فرنسا، وربما لدى غيرها من دول أوروبا هناك ضربة صفقة الغواصات النووية الأمريكية مع أستراليا على حساب صفقة مع فرنسا تم إلغاؤها وكانت قيمتها تتجاوز 60 مليار دولار، وهناك الشكوى العلنية من ماكرون بأن المواد البترولية الأمريكية التي جاءت بدلا من الروسية تباع لأوروبا بأربعة أمثال الأسعار الروسية، وعندما زار ماكرون أمريكا وضع هذه المشاكل أمام القيادة الأمريكية. في الزيارة الأخيرة للصين كان مع ماكرون خمسون من قيادات الشركات الصناعية، وكانت هناك صفقات أبرزها، مصنع جديد للطائرات «الإيرباص» في الصين بدلا من مصنع أمريكي كان سيقام هناك المصالح تتكلم.
لعله استراح
الفنان الذي لم تسمه لنا عزة كامل الكاتبة في “المصري اليوم”، كان يشبه لوحاته التي تجسد أشخاصه. وجه صارم يبحر عميقا داخل ذاته، ورغم ذلك كانت هناك تعبيرات عاطفية مشتتة تشع من عينيه، ما زلت أتذكر الضجة والصخب اللذين كانا يثيرهما أثناء مناقشته مع مجموعة من الشباب الذين أطلقوا عليه «الفنان عصام»، عندما كان يجلس معهم في المقهى وقت استراحاته المعتادة. كنت مدمنة على التسلل إلى مرسمه، الذي يشغل شقة متوسطة الحجم في الدور الثاني من عمارتنا، أبهرتني رسوماته، كان معظمها لأزقة وحارات ضيقة ذات مشربيات خشبية، ومداخل البيوت التي تجلس على عتباتها نساء وأطفال، وطبيعة صامتة جعل منها مخلوقات ناطقة ومسكونة بالرهبة، رسومات تقذف الحكايات، وقصص عن الحب والعنفوان والهدوء والشروق والغروب، تتناوش مع بعضها، كنت أنا الطفلة ذات الأعوام العشرة أشعر بأن أشخاصا غامضين يحيطون بي. عالم من البشر ينبثقون من إطارات لوحاته المثيرة، يهبطون واحدا إثر آخر من عالمهم الغرائبي، عالم يبدو قويّا مشحونا بالعاطفة والشجن والمآسي، يجعلني أغوص في حالة مربكة، عالم تتخلله أصوات وروائح نفّاذة، ألوان حادة، وتترك العنان لخيال محلق في الوهم، كانت شقته عبارة عن متحف عاديات مترب، فيها أسطوانات موسيقى مختلفة ذات أغلفة قديمة، جهاز غرامفون ضخم وقديم، بعض أوانٍ زجاجية وخزفية، تماثيل من البرونز، أثاث عتيق للغاية، ولوحات كُتبت عليها أسماء الحارات والعطفات، كتب ملقاة في كل ركن، منضدة خشبية قديمة عليها ملاعق وشوك نحاسية انصرفت عنها لمعتها، وأشياء أخرى لا أعرف مسمياتها. كان يحتفي بي عند قدومي، وعندما يراني أحدق في لوحة ما، يسألني بابتسامة طيبة: ماذا ترين فيها؟ وينصت إليّ باهتمام عندما أجيبه، ويستأنف عمله وكأنني غير موجودة بالمرة، كأنه ينخلع عن نفسه ويذوب في اللوحة، كان مثل «المندوه» أثناء شروعه في الرسم تموج اللوحة بالألوان والظلال كأنها معركة حياة أو موت تتسلل هائمة من عمق اللوحة، عالم غامض مسكون بالسحر والشجن، ينساب منها الضوء رغم الظلمة التي تبسط وجودها على اللوحة. في سنواته الأخيرة أصابه مرض، وضرب حوله سياجا من العزلة والوحدة، وهنت عزيمته، حتى إنه كان يعتذر عن عدم استقبالي، رحل في هدوء دون أن يودعه أحد وسط لوحاته أنتيكاته وكتبه.