بثت «قناة العالم» الإيرانية وثائقياً ضمن برنامج «دروب الشام» عن مدينة داريا الملاصقة لدمشق بعنوان «داريا، عودة الأهالي والمؤسسات». ما من عاقل ينتظر الحقيقة أو الإنصاف من الإعلام الإيراني، نعرف أنها ستروي حكاية المدينة، التي كانت من أولى المدن الثائرة على النظام السوري، كما يروق لقوة احتلال.
لن نكون من السذاجة بحيث نطالب إعلام المحتل بأن يستضيف شهود الرواية الأخرى، وهو قد اكتفى ببضعة «شهود»؛ رئيس البلدية، وضابط متقاعد، ومراسل ميداني لقناة إخبارية، مرضيٌ عنهما حتماً، كما قدّم أيضاً على أنه من سكان المدينة. الأخير قال إن أهالي البلدة، وعددهم حوالى 300 ألف نسمة، طالبوا في البداية «بالإصلاحات في ظل القيادة» لكن هناك «ربما جهلة، ربما مغرر بهم، ربما متطرفون» على ما قال، أثروا على الأهالي «المناح ربما»! العبارة الأخيرة كانت من بين أكثر ما يلفت. كيف يمكن لأحد أن يصف ثلاثمئة ألف شخص جملةً، هم سكان مدينة، بأنهم جيدون، أو سيئون، أو أي شيء كان! عدا عن أن كلمة «ربما» تتضمن احتمال أن يكونوا، وجملة أيضاً «مو مناح».
على أي حال، فإن الخجل وحده ما منع الوثائقي الإيراني أن يقولها صراحة، مع أن الصورة في خلفية الضيوف كانت مروعة تماماً، مدينة مضروبة بكل أنوع السلاح. أما حركة الناس في الشارع، على قلّتهم، فقد بدوا منكسرين محنيي الظهور. بيوت مدمرة، وباصات خضر، وشوارع وساحات خالية لم يعد من سكانها، حسب التقرير، سوى ثمانين ألفاً.
رئيس البلدية بدوره أيضاً يرى في أهل المدينة كتلة صماء واحدة: «شعب طيب، بسيط، بيتّاخد بكلمتين» و»أجا ناس من برا، خصوصاً من درعا، من فصيلة «أبابيل حوران» (غيّروهم) بين الترهيب والترغيب».
شعب طيب! نعرف جيداً ماذا تعني هذه الكلمة في الكواليس، على الأقل نعرف، والوثائقي لا ينكر، ما حلّ بسكان المدينة، وقد وضعوا بعيداً عن بيوتهم، في مهب الطائرات الروسية وطائرات النظام من جديد.
رغم أن المغنية التونسية لطيفة لم تذكر اسم الرئيس الانقلابي قيس سعيد مباشرة في أغنيتها المستعجلة «يحيا الشعب» إلا أن أحداً لم يخالجه شك بأنها تقصد «يحيا الدكيتاتور» من جهة لأن المناسبة هنا (انقلاب قيس سعيد) هي السياق الذي نشأت فيه الأغنية، ومن جهة أخرى لأن من امتدح عبد الفتاح السيسي بابتذال على مدى السنوات الماضية لا بدّ سيمتدح من يمضي على خطاه.
غريب أيضاً تجرؤ الفن ووقاحته؛ يقوم الديكتاتور بتجميد البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة، ويضع القضاء وسواه في قبضته.. أي أنه يقوم عملياً بإلغاء الشعب وممثليه، ومع ذلك يأتي من يرى في ذلك تمجيداً للشعب، ويروح يتقافز ومعه الناس: «يحيا الشعب».
من حسن حظ التونسيين أن الأغنية رديئة، لحناً وغناء وكلمات، وحتى الكليب المصور برفقتها رديء أيضاً، ومن الصعب أن ترسخ في البال بعد انقضاء فترة الاستماع.
في مقابلة لتلفزيون «الجديد» اللبناني يتحدث سامي كليب عن مقابلة كانت أجرتْها المحطة ذاتها مع الرئيس سعد الحريري بعد اعتذاره عن رئاسة الحكومة. ليس صعباً ملاحظة أن لدى كليب في العمق ما يقوله حول الأداء الضعيف لمريم البسام، مُحاوِرة الحريري، لكن، وعلى ما يبدو للمجاملة، جهدَ في سوق الأعذار لها؛ فهي «نفسها تقول إنها ليست محاورة» و»ليس هذا هو الاتفاق الذي جرى مع الحريري، حيث يفترض أن يبوح الرجل بأسرار، لكنه لم يقلها» و»هكذا تطرح الأسئلة في الغرب»
ولما كان الرجل، كليب، هو نفسه غير مقتنع بمبرراته، راح يكرر لازمة «هذه مريم البسام» الغريب إن إيقاع العبارة جاء مرة ليؤكد ضعفها كمحاورة، عندما قال «هذه مريم، هكذا تجلس، هكذا تتحدث، هكذا تسأل.. شو بنخترع مريم؟!» ومرة للنفخ في صورتها، حتى أن البسام والقناة نفسها أعادتا تغريد العبارة كمانشيت صحافي عريض. هنا أمسكَ كليب بالعبارة كما لو أنه اكتشف صيغة سحرية، وراح يكرر: «هذه مريم البسام، هذه..» وظل يكررها إلى أن ختمت المذيعة معه بتحية لزميلتها (ربما مديرتها) في القناة.
إنه درس فعلاً في كيفية تزوير الأشياء البسيطة والواضحة في عالم التحزّب والمحسوبيات والمصالح، حيث يقول الجميع لأنصارهم: كونوا معنا، ثم افعلوا ما يحلو لكم.
فقط في قناة «الميادين» الناطقة باسم النظام الممانع الحاكم فعلياً في لبنان، يمكنك أن تقرأ عنوان «تنمّر الشعب على السلطة.. حق أم جريمة؟» حيث يستضيف بودكاست «على السمع» أكاديمياً لبنانياً للتفصيل في الموضوع.
يسأل المذيع ضيفه عن تنمّر الشعب على السياسيين اللبنانيين وعائلاتهم في الشارع والمطعم، ومحاولات إزعاجهم وطردهم، وتخصيص صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لمراقبة سلوكهم، كيف كانوا وكيف صاروا بعد استلام المناصب.
السؤال مشروع عن مساوئ الثورات، وهنالك كتب في هجاء مساوئها، أو لنقل آثارها الجانبية، القاتلة أحياناً، لكن ليس عادياً أن يتحدث الإعلام عن تنمّر الشعب، الشعب برمّته، على زعماء مساكين، في بلد يضم أسوأ زعامات وأكثرها فساداً ومافيوزية وتشبثاً بالسلطة، زعامات يشكّل مجرد وجودها في السلطة وفي المشهد السياسي التنمّر الأسوأ، والأكثر تنكيلاً.
أيهما أكثر فصاحة في التعبير عن الإبادة؛ شابان يرقصان في مقهى النوفرة الدمشقي، وعلى جدار الجامع الأموي، بلغة يسميانها «لغة تركيبية جسدت الإبادة الأرمنية» أم ريف المدينة المدمر الذي يراه الناس يومياً في طريقهم إليها؟
كيف سيقنعنا شاب أرمني (مربى حلب) برقصة غامضة لا يعلق منها في البال سوى كسرة خبز يتقاسمها عربي وأرمني، كناية عن التعايش، وصليب في عنق راقص يتلوى على جدار المسجد، كيف سيقنعنا بأن تذكّرَ الإبادة الأرمنية قبل مئة عام أولى من الالتفات للإبادة الحاصلة الآن وهنا!
رقصة عن الإبادة الأرمنية أمام جمهور بلده تحت الأنقاض، تغيب فيه أبسط مقومات العيش، تبدو أشبه بمسلسلات الفانتازيا التاريخية (مع كل الاحترام بالطبع لمأساة الأرمن) ولا يغيب عن البال أيضاً أن العرض لم يكن ممكناً في طريق دمشق حيوي ومزدحم لولا أنه يصيب العدو رقم واحد (في ما يبدو) للنظام السوري، وهو تركيا.
٭ كاتب فلسطيني سوري