صحف عبرية ‘هذه دولة من غير حاكم حقيقي، دولة يُضرب فيها القانون على رأسه بعصا من الحديد. دولة استيقظ فيها الشعب فجأة ووقع عليه النوم فورا. دولة أحدثت ثورة وبعد ذلك قتلتها من غير ان تشعر بخطيئة. دولة أصبح فيها الحرام حلالا وتأكل الفاسد راضية وتبحث عن النفاق، وتهادن اللصوص والقتلة انها دولة تستحق ان تعيش في العار الذي تعيش فيه الآن’ هكذا ندب في الاسبوع الماضي كاتب السيناريو المصري وحيد حامد في مقالة نشرها في صحيفة ‘المصري اليوم’. مرت سنة منذ كانت المظاهرة الضخمة الاولى في التحرير، ويلخص كلام حامد شعور مصريين كثيرين. نُحي حسني مبارك حقا لكن الشعور بالتحرر أخذ يتلاشى. فمحاكمة الرئيس المخلوع تم تأجيلها مرة اخرى والدولة يديرها الجيش ‘الذي لا تختلف قيادته عن قيادة الشيخ حسني’، كما يكتب حامد. ‘وكأنه لا تكفي الاختلافات والشقاقات بين العلمانيين والمتدينين، وبين الاخوان المسلمين والسلفيين، وبين طالبي اجازة الدستور قبل الانتخابات وطالبي تأجيلها. يوجد الآن عندنا اختلاف بين الاحزاب المختلفة داخل حركات الثورة’، هكذا يُشخص الفيلسوف المهم حسن حنفي.
يبدو أن مصر ما تزال سجينة في مرحلة الأمواج الارتدادية التي تعقب الزلزال. فالجيش يحل المشكلات بصورة ارتجالية مثل البناء العاجل لستة آلاف شقة للفقراء من ميزانية الدفاع، وإفراد اراض لبناء محاضن دجاج أو وعد بتخفيض الضريبة الجمركية على استيراد السيارات. وهذه لا يمكن ان تلبي حاجات الدولة المحتاجة الى المال. وفي حين تبلغ البورصة المصرية حضيضا لم يسبق له مثيل تحاول الحكومة ان تجند مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي. قبل بضعة أشهر أمر المجلس العسكري الأعلى بعدم زيادة مقدار ديون مصر التي تقف على 32 مليار دولار، لكن الواقع أقوى من التصريحات. فرفع أجور عاملي الدولة بـ 15 في المائة والحاجة الى سداد ديون المزودين بالسلع ووقف ايرادات السياح تضطر الحكومة الآن الى اجراء مفاوضات من اجل قرض آخر مقداره 3 مليارات دولار، ولم نقل شيئا حتى الآن عن خطط تشغيل ملايين العاطلين أو تخليص نحو من ثلث المواطنين من العيش تحت خط الفقر.
تتحدث صحيفة ‘الأهرام’ التي تحولت هذه السنة من بوق للحكومة الى مدافعة عن الثورة، تتحدث بلغة جافة عن وضع الخدمات الصحية في الدولة التي إن كانت قبل الثورة في حضيض خطير، فان المرضى يضطرون الآن الى ‘الاستلقاء على بلاط المستشفيات وانتظار الطبيب’. وهوت نفقات الحكومة على العلاج الطبي بنحو من 50 في المائة، وبرغم ان عدد الاطباء زاد ليصبح 105 آلاف، فان عدد المرضى بلغ في 2011، 54 مليونا قياسا بـ 45 مليونا في السنة الماضية.
لا تنجح هذه المعطيات الجافة في وصف معاناة ملايين المواطنين الذين يضطرون الى الوقوف أمام اللجان الطبية لتحدد هل يتلقون علاجا طبيا على حساب الدولة أم يضطرون الى اقتراض مال من أهاليهم لذلك. ان اللجان الصحية تصدر نحوا من 5 آلاف رخصة علاج كل شهر بمبلغ 200 مليون جنيه مصري، لكن من المرغوب فيه جدا التسلح بوسطاء وبشيء من البقشيش لتحظى برخصة كهذه. ان الـ 200 مليون جنيه مصري مبلغ ضئيل بالنسبة لاحتياجات الدولة الصحية التي ظهرت فيها في المدة الاخيرة ظاهرة ما بعد صدمة جديدة: عنف ضحايا مستعدين لقتل مهاجميهم وعرض جثثهم على الملأ.
ان الفرق العظيم بين التقارير عن تقدم السير الديمقراطي وانهاء المرحلة الثانية من الانتخابات والوعود بانهاء صياغة الدستور في الوقت والكتابة العارفة عن البنية السياسية المرغوب فيها، وبين التقارير عن الحياة اليومية البائسة للمواطنين، هو المشكلة الحقيقية التي تهدد مصر. فليس التهديد الكبير الاخوان المسلمين أو السلفيين بازاء العلمانيين حتى ولا لعبة لي اليدين بين الجيش والباحثين عن الديمقراطية بل تلك هي ان مصر ليس لها سبيل الى تمويل مرحلة تطبيق الثورة.
هآرتس 2/1/2012