الشعب ضد المرشد: المظلومية الشعبية تضرب شرعية النظام وفقراء إيران لا تهمهم قداسة النظام

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لا تختلف الظروف التي قادت للتظاهرات الأخيرة في إيران عن تلك التي أدت إلى خروج المتظاهرين في لبنان والعراق وتشيلي وأماكن أخرى، فالقاسم المشترك بينها هو المظلومية الاقتصادية، رفع أسعار تذاكر القطارات في تشيلي والتعرفة على مكالمات واتساب في لبنان والفساد في العراق وفي إيران فالسبب هو رفع الدعم عن أسعار الوقود من أجل سد العجز في الميزانية.

ضربت إيران الاحتجاجات بيد من حديد وحاولت تصدير أسلوب قمع الثورات إلى دول الجوار

وليست هذه المرة الأولى التي تواجه الجمهورية الإسلامية أزمات منذ نشوئها قبل أربعين عاما، فقد عانت من تظاهرات الطلبة بجامعة طهران عام 1999 وما عرف بالثورة الخضراء في عام 2009 وتظاهرات الفقراء نهاية 2017 وبداية 2018. وفي كل مرة ضربت المؤسسة الاحتجاجات بيد حديد بل وحاولت إيران تصدير أسلوب قمع الثورات إلى دول الجوار، كما كشفت أوراق إيران التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأسبوع الماضي وزيارة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني إلى بغداد لمنع سقوط رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي. لكن الثورات استمرت في العراق ولبنان، خاصة أن إيران باتت متهمة بالهيمنة على القرار السياسي والأمني في البلدين. ومن هنا جاء اندلاع التظاهرات في أكثر من 100 مدينة وبلدة في عموم إيران إشارة عن وصول الغضب إلى قلب المؤسسة الإيرانية. وحاولت السيطرة عليها بطرقها المعهودة، إغلاق الإنترنت الذي لم تستطع تحقيقه إلا بعد 24 ساعة مع أن آية الله خامنئي ظل يستخدم حسابه على تويتر الذي شجب من خلاله المتظاهرين ووصفهم بالمارقين. وأعلن الحرس الثوري عن اعتقال المئات ممن أسماهم قادة المتظاهرين.

لا دور لترامب

 وسارعت الولايات المتحدة ومعلقين أمريكيين للقول إن سياسة أقصى ضغط التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران حققت ثمارها، إلا أن الباحثة في سوزان مالوني قالت بمقال نشره موقع معهد بروكينغز (19/11/2019) إن الاحتجاجات الأخيرة لا علاقة لها باستراتيجية ترامب بل هي آخر محاولة في الكفاح الإيراني لإنشاء حكم رشيد طوال القرن الماضي. ومن هنا فالغضب واليأس الذي عبر عنه المتظاهرون هو بمثابة ضربة لشرعية النظام الثوري. فرغم ما لدى الجمهورية الإسلامية من دينامية للقمع إلا أنها عانت في معظم مراحل وجودها من أشكال قاسية من الاضطرابات، المرتبطة بإرث الثورة والتقاليد الفارسية “بسط” أو البحث عن ملجأ، ومن أشكاله كانت سيطرة الطلاب على السفارة الأمريكية في طهران قبل أربعين عاما، ولم تتوقف شهية الإيرانيين عن الاحتجاج بكل أنواعه: مسيرات، اعتصامات لعائلات السجناء، إضرابات نقابية وطلابية في داخل حرم الجامعات. ولم تكن هذه مقتصرة على الجغرافيا أو الطبقة، كما لم تهدد هذه شرعية النظام بما لديه من قوات أمن قادرة على إدارة الاحتجاجات أو قمعها. وتعد التظاهرات الأخيرة متواضعة مقارنة مع الملايين الذين خرجوا أثناء الثورة الخضراء في عام 2009 وفي تلك الفترة استطاع النظام السيطرة على الوضع.

جيل ضائع

 وتظل استمرارية النظام الإيراني هي أهم ملمح من ملامح الثورة، فلم تؤد التغيرات الداخلية أو الخارجية لتغيير واقع الثورة ولا حتى تطور المجتمع الإيراني أو عودة البلد للتعامل مع العالم ولا التغيرات التدريجية التي روجت إليها بعض الفصائل من داخل النظام. وتبدو بنية النظام اليوم أقوى من أي وقت مضى. وقد أعطت استمرارية الثورة حسا بالقدرية فإن لم تضعف الاضطرابات المتعددة، الأوضاع الإقليمية المتوترة، الكوارث الطبيعية، العقوبات الاقتصادية والتناحر الداخلي بين معسكرات النظام، فعندها ما الداعي للتظاهر؟ وقد أدى هذا الوضع لابتعاد الجيل الجديد عن السياسة كما كشفت دراسة عام 2005 وما تغير بعد خمسة عشر عاما هو أن “الجيل الضائع” وصل إلى السن الذي يندفع فيه نحو الثورة. وفي ظل غياب التغيير الاقتصادي والسياسي الواعد بات هذا الجيل الذي انتفع من توسع التعليم في ظل الثورة وخدمات الرفاه الاجتماعي، يتطلع لأمر أفضل ويشعر بالاستحقاق السياسي وحقه بحكومة متفاعلة مع مطالبه. وزادت الاتفاقية النووية عام 2015 من طموحات الجيل الضائع هذا. فالطريقة التي سوقت فيها طهران الاتفاقية للسكان زادت من توقعاتهم بحدوث تغيرات ضخمة في الاقتصاد وفرص العمل. بل وشعر هذا الجيل أن إيران وأخيرا ستكون قادرة على التصرف بطريقة طبيعية وليس ككيان محاصر ومتهم دائما بالإرهاب. وما كشف عنه خروج الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية العام الماضي واستئناف العقوبات هو أن النظام الإيراني انتقل من مرحلة الثورة إلى الإصلاح ثم الرفض. فحسب مركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني، فقد شهدت الفترة ما بين كانون الثاني (يناير) 2017 وتشرين الثاني (نوفمبر) 2018 1.200 اضرابا واحتجاجا متعلقة بعدم دفع الرواتب. ووصلت الأمور ذروتها في نهاية عام 2017 وبداية 2018 عندما تحولت احتجاجات صغيرة إلى حركة غضب وطني شملت 80 مدينة وبلدة. وتحولت الشكوى من الظروف الاقتصادية لرفض للنظام بل وشجب للقيادة. وعلمت تلك الحادثة كما اليوم مخاطر الإحباط والتهميش. وبدا واضحا خوف القيادة الإيرانية التي ردت على التظاهرات بعنف، بعدما انتقلت التظاهرات من مستواها المحلي إلى الوطني واستخدم فيها المحتجون وسائل التواصل الاجتماعي بدلا من أداوت التعبئة التقليدية في الإعلام ودور الطبقة المتوسطة فيها. كل هذا يعلم المخاطر التي تواجهها الجمهورية الإسلامية اليوم. في وقت تواجه فيه طهران عقوبات قاسية تخفف من مصادرها التي تجعلها قادرة على قمع التظاهرات بسهولة.

الاقتصاد

 ولو كان في التاريخ من عبر فإن الحوادث التي شهدتها إيران على مدى 150 عاما كانت بسبب المظلومية الاقتصادية من ثورة الدخان/التنباك إلى تأميم النفط في عهد محمد مصدق ومن ثم الثورة الإسلامية عام 1979 ففي كل هذه الأمثلة أدت الضغوط المالية إلى تغيير الوضع القائم. وتواجه إيران اليوم أزمات كبيرة مرتبطة ببعضها البعض بدءا من الأحلام المقتولة للجيل الضائع إلى أزمة الشرعية التي تواجه النظام والغموض الذي يغلف مسألة خلافة المرشد الأعلى للجمهورية. ومن أجل التغلب على التحديات يمكن للنظام استخدام القمع والتعاون، إلا أن كل صدام بين المؤسسة الجامدة والشعب الغاضب يترك آثاره على بنية النظام الذي يهترئ مع كل صدام كما حدث قبل 40 عاما.

الانهيار من الداخل

ويرى ري تاكيه الخبير بالشؤون الإيرانية بمجلس العلاقات الخارجية الامريكي بمقال نشره موقع “بوليتكو” (19/11/2019) إن النظام الإيراني يتصدع من الداخل، ودعا واشنطن مراقبة طهران وهي تعمق الانقسام وتضر بنفسها. وأشار إلى حرق المتظاهرين 100 مصرف و57 محلا تجاريا منذ الأسبوع الماضي. ورغم محاولة النظام تحميل الخارج مسؤولية المظالم الشعبية، أي الحصار إلا أن إيران تعيش ومنذ سنوات تنافسا في الرؤى حول الطريقة المثلى لإدارة الاقتصاد كما بدا من رؤية الرئيس حسن روحاني الذي تبنى وفريقه من المعتدلين فكرة الانفتاح على العالم، فيما أكد المرشد آية الله علي خامنئي على “اقتصاد المقاومة” والقائم على المصادر المحلية وتجنب التجارة الأجنبية. ويعتقد تاكيه أن دعاة اقتصاد المقاومة انتصروا على اقتصاد العولمة، حيث أعلن المرشد عن قطع الدعم عن البنزين والذي كان سببا في التظاهرات. ويرى الكاتب أن الحكومة ربما استطاعت قمع التظاهرات إلا أن ما كشفت عنه أحداث الأيام الماضية هو أن الجمهورية الإسلامية هي حكومة بدون أنصار. وتعتبر الاحتجاجات الأخيرة بمثابة انتفاضة من الطبقة المتوسطة والعاملة ضد النظام رغم أنها لم تتوسع مثل الثورة الخضراء. ومن هنا يعتقد تاكيه أن الولايات المتحدة في حاجة لمواصلة الضغط على النظام الإيراني من خلال العقوبات. خاصة أن رؤية اقتصاد المقاومة التي دعا إليها خامنئي عام 2014 تعاني من مظاهر قصور، فلا يمكن تطوير اقتصاد مستقل في بلد يعتمد على النفط، كما أن محاربة الفساد التي طالت نقاد النظام لم تصل إلى الحرس الثوري الغارق بالفساد. وهناك مظهر ثالث يتعلق بفكرة خامنئي لتطوير اقتصاد إقليمي، وهو أمر غير عملي في منطقة تعاني من حروب أهلية متورطة إيران في عدد منها. وما يجري في إيران ليس صراعا حول طبيعة الاقتصاد بقدر ما هو صراع على هوية الدولة الأيديولوجية. فكل ما يرغب خامنئي وأتباعه بتحقيقه هو الحفاظ على القيم الإسلامية للجمهورية. وهم خائفون من دمج اقتصاد إيران بالاقتصاد العالمي بشكل يجعلها أكثر اعتمادا على الغرب. ونظام يرغب بتصدير الثورة لدول الجوار بحاجة لاقتصاد لا يتأثر بالغرب. وما تعلمه خامنئي والمتشددون معه من سنوات الحصار هو عدم الاستجابة للمجتمع الدولي، بل خلق نظام مقاوم للضغوط الدولية. ولكن مشكلة المرشد اليوم ليست بالنظام ولكن في فقدان قاعدة الدعم التقليدية له وهي الطبقة العاملة والمتوسطة إذ لم تعودا تؤمنان بالدولة الدينية. ففقراء إيران اليوم لا تهمهم قداسة الدولة بقدر ما يقلقهم تراجع دولة الرعاية الاجتماعية. وكما هو الحال في الأيام الأخيرة للشاه، تبدو الطبقة الحاكمة اليوم غير آبهة بما ينهار حولها. وسيواصل أفرادها دعم الحروب الأهلية في العالم العربي ويعيدون تشكيل البرنامج النووي الذي يبدو ضرره أكثر من نفعه. وكما كتب تيم بلاك في موقع “سبايكد” (21/11/2019) أثر تدخل إيران في حروب المنطقة لإضعافها حيث باتت تواجه احتجاجات من الداخل بالإضافة لاحتجاجات الشوارع العربية على تدخلها في شؤون بلادهم. تبقى نقطة مهمة أن دعم الولايات المتحدة للتظاهرات باعتبارها تأكيدا على صحة استراتيجية ترامب وخروجه من الاتفاقية النووية لا يأخذ بعين الاعتبار ديناميات السلطة في إيران، وتفكير الصقور بهذه الطريقة ساذج، فالنظام لن يسقط بسبب تظاهرات، وقد صمد في وجه التحديات المختلفة على مدى العقود الأربعة الماضية. وما يجري اليوم كما تقول صحيفة “فايننشال تايمز” (19/11/2019) هو حالة إحباط وغضب من الإصلاحات التي تقوم بها أنظمة ديكتاتورية على حساب معاناة الشعب، لكن هذا لا يجعلنا نقلل من خطورة ما يحدث على الجمهورية الإسلامية التي تواجه أكبر تحد لها منذ الحرب مع العراق في الثمانينيات من القرن الماضي. وربما اعتقد المتشددون أنهم يربحون المواجهة مع الولايات المتحدة كما أظهرت الهجمات الأخيرة على السعودية، إلا أن الخطر لا ينبع من الخارج بل من بين السكان المتعبين. ولو كان حكام طهران يحرصون على معاناة مواطنيهم فعليهم إظهار مرونة في الأزمة مع الولايات المتحدة وكلما انتظروا كلما زادت المخاطر على النظام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية