الشعب والإعلام والتعديلات الهستورية: خراب يا مصر!

حجم الخط
0

الشعب والإعلام والتعديلات الهستورية: خراب يا مصر!

هويدا طهالشعب والإعلام والتعديلات الهستورية: خراب يا مصر!في الأسابيع الأخيرة شعر المصريون بشيء من ملل وربما ضجر ثم سأم.. من ضغط الحديث المتواصل عن التعديلات الدستورية.. في كل وسيلة إعلامية تتطرق إلي الشأن المصري، الصحف.. مدونات الإنترنت.. الفضائيات والإذاعات المصرية وغير المصرية.. الجميع يتحدث عن (شيء يحدث في مصر) اسمه التعديلات الدستورية، يتحدث عن الشد والجذب بشأنها بين المعارضة والحكومة.. عن رفض تام وحماس تام.. عن موافقة طرف هنا علي بعضها وتحفظ طرف هناك علي بعضها الآخر.. عن شروح للكامن بين سطور بعض نصوص الدستور قبل وبعد التعديل.. عن تحذيرات طرفِ ما مما يُدبَر للشعب المصري في الخفاء وفي العلن.. وتطمينات طرف آخر بشأن مستقبل الشعب المصري و… الجميع يتحدث (نيابة عن) ذلك الذي يسمي (الشعب المصري)، لكن هذا (الجميع الذي يتحدث) مع أو ضد تلك التعديلات الدستورية (أو الهستورية).. لا يزيد كله عن بضع مئات، من ضمنهم رجال الحكومة ورجال المعارضة أحزابا كانت أو أفرادا مستقلين أو إخوانا مسلمين.. والسياسيون والقانونيون والحقوقيون ثم رجال البيزنيس الكبير.. أشخاص من تلك الفئات كانوا ضيوفا علي برامج حوارية شهيرة أو نصف شهيرة علي مختلف الفضائيات المصرية والعربية.. وضمنهم كان هذا (البضع من الرجال) الذي أضجر الناس.. ولا يزيد بالتقدير عن عشرات من الشخصيات يدور بينها (الأمر كله).. تهيئة ليوم سوف يتم فيه (استفتاء الشعب) علي تلك التعديلات.. يوم (يساق من يساق) من المواطنين المصريين إلي صناديق الاقتراع ليختار إحدي كلمتي (نعم أو لا) علي (شيء) ظل يسمع في وسائل الإعلام ـ إن سمع أصلا ـ أنه (تعديل 34 مادة دستورية)، هذا الشيء هو (حزمة تعديلات واحدة.. عليها نعم واحدة لها كلها أو لا واحدة لها كلها)!، وإذا تابعت مثلا الوسائل الإعلامية التي يشارك فيها الجمهور برأيه في النقاش (وذلك الجمهور هو أفراد من الشعب يمكنهم ماديا وتعليميا الاتصال ببرامج الفضائيات والإذاعات أو الكتابة إلي بريد قراء صحيفة ما أو كتابة التعليقات في مواقع الإنترنت) فإنك تحصل علي عينة معقولة تؤشر إلي أن (الناس) لم تصل إلي أيديهم مطبوعات ـ مثلا ـ توضح التعديلات نصاً نصاً قبل وبعد، ولم يعرفوا شيئا إلا عن أشهر تلك المواد وربما برقمها، فقط المواد التي تناولها الإعلام.. فالبعض يتحدث عن (المادة الثانية) الخاصة بموقع الشريعة الإسلامية في الدستور قبل وبعد.. ثم يبني موقفه من كامل التعديلات علي هذه المادة، والبعض الآخر يتساءل عن (المادة 88) وموقف الإشراف القضائي علي الانتخابات قبل وبعد، و(المادة 179) وتساؤلات عن نص جديد يمهد لقانون جديد يسمي قانون الإرهاب.. يحل محل قانون الطوارئ ويتحدثون عن مدي تقييده للحريات.. وفيما عدا تلك المواد (الشهيرة) لا يعرف الكثيرون عن باقي النصوص.. هذا من جهة، من جهة أخري فإنك هنا أمام (شريحة) من الناس ساعدها مستواها التعليمي علي التعرف ـ علي أقصي تقدير ـ علي تلك المواد الثلاث، أما هؤلاء الذين مثلتهم بحق تلك المواطنة التي اتصلت ببرنامج العاشرة مساء تسأل قائلة (يعني إيه أصلا دستور) فهؤلاء يمثلون الشريحة الأعظم من المقيدين بجداول الانتخابات إذا ما عرفنا ـ طبقا لتقارير الأمم المتحدة ـ أن ما يقرب من نصف الشعب المصري هو أمي، بل وليس هناك ما يؤكد أن حتي الناشطين مع أو ضد التعديلات هم علي (دراية كاملة بكامل التعديلات) الداخلة علي جميع المواد الأربع والثلاثين.. باستثناء فقهاء القانون.. وهؤلاء متخصصون وعددهم بالطبع قليل.. فقد كتب د. كمال أبو المجد مقالا في جريدة المصري اليوم يتساءل عن تلك التعديلات بعقلية المتخصص القانوني.. ومن ضمنها مثلا مادة (لم تنل شهرة في الإعلام) وهي الخاصة بوضع (المدعي العام الاشتراكي) في الدستور، أي أن (الدستور الجديد) لمصر سوف يمر باسم شعب لا يعرف شيئا عن هذا الدستور قبل وبعد ولا يهتم به أصلا، أي أن الصراع مع وضد تعديلات الدستور محصور بين بضع من المصريين.. أما بقية (الشعب) فهم (كتلة هائمة) برغبتها أو بدونها.. رغم أن تلك الكتلة الهائمة هي من توضع الدساتير لاحترامها أو لسحقها، ماذا يعني كل هذا؟ هذا معناه أننا نتعرض لما يمكن أن يكون من أكبر عمليات (النصب والاحتيال علي جماعة بشرية ضخمة) في أوائل القرن الحادي والعشرين! لأجل ماذا؟! لأجل رجل واحد لم تكفه خمس وعشرون سنة من السلطة المطلقة والتحكم في ثروات البلد فأراد المزيد ليس فقط لنفسه حتي تجمد آخر قطرة من دمه بل.. ولذريته من بعد؟! لا يمكن لوم نواب مجلس الشعب المعارضين فقد قاطعوا وانسحبوا وهذا أقصي ما استطاعوا.. ولا يمكنك لوم الكتلة الهائمة فقد نـُكل بها قمعا وإفقارا وتجهيلا وتغييبا حتي هامت.. ولا يمكن لوم المثقفين فهم يتأرجحون بين حافتي الكتلة الهائمة والبضع المعارض قليل الحيلة.. ولا يمكن الاكتفاء بلوم المنافقين والمنتفعين فهم لا ينبتون إلا في تربة هي بالأصل ملائمة لنموهم.. إذا انحصرت إذن دائرة مستحقي اللوم بهذا الشكل.. فإن أصابع الملامة تتجه نحو شخص واحد.. رجل واحد احتل موقع رأس السمكة.. رجل أفقد المصريين ألق صيحتهم الشعبية التاريخية الشهيرة (عمار يا مصر) فراحت تتحول أمام أعينهم من خراب إلي خراب! معارضين كانوا أو منتفعين أو كتلة هائمة أو مثقفين.. جميعهم في نفس (الخرابة)! فإذا كان (الملوم) علي أكبر عملية نصب واحتيال علي شعب بأكمله هو رجل واحد.. هل حقا كل ما يستحقه فقط.. فقط.. مجرد ملامة؟! قناة الحوار وسؤال عن التمويل:هموم الناس في الأخبار.. وفي البرامج أيضا عام 1996 توقفت قناة BBC الفضائية الإخبارية البريطانية التي كانت تبث باللغة العربية، حينها لم تكن توجد بالعالم العربي كله فضائية إخبارية متخصصة وتتميز باحترافية القنوات العالمية الإخبارية، لكن الجزيرة التقطت الخيط وما هي إلا سنوات قليلة حتي أصبحت القناة الإخبارية العربية الرائدة.. ثم بدأت تتلوها قنوات أخري عربية إخبارية متخصصة.. تقترب منها أو تبتعد حسب هوي الممولين، لكن كل تلك القنوات الإخبارية المتزايدة قدمت للمواطن العربي مادة إعلامية جديدة عليه.. وكانت ـ ومازالت بالطبع ـ تقدم بين نشرات الأخبار برامج للحوار والنقاش.. تتداوله أطراف متعارضة في أمر ما من الأمور التي تهم الناس.. سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وهذه نوعية من البرامج تميزت بدرجات متفاوتة من الجرأة لم يألفها المواطن العربي.. فمنذ دخول الإذاعة إلي المجتمعات العربية في أوائل القرن العشرين وحتي مئات الفضائيات الآن.. اعتاد المواطن العربي أن يستمع فقط لرأي واحد.. هو دائما رأي السلطة الممسكة برقابه في أي بلد عربي، الآن صار مألوفا أن تتنقل بالريموت كنترول بين عدة فضائيات لتجد عليها ضيوفا يتناقشون من منطلقات ومواقف أو مواقع أو مصالح متناقضة.. لكن هذه النوعية من البرامج التي أدخلتها القنوات الإخبارية المتخصصة إلي عالم الإعلام العربي كانت دائما تتحمل علي اللون الرئيسي للقناة.. وتبث بين فقراتها الرئيسية سواء كانت قناة إخبارية أو قناة منوعات، الآن هناك قناة فضائية جديدة تتخصص فقط في برامج المناقشات الحوارية في مواضيع سياسية بالدرجة الأولي وكذلك ثقافية واجتماعية، ليست قناة إخبارية وليست قناة منوعات.. قناة الحوار التي تبث من لندن، وربما لأن عالم الفضائيات هو عالم تماست فيه السياسة مع البيزنيس فإنك دائما تتساءل عندما تكتشف قناة جديدة.. من يمول هذه القناة؟ من صاحبها؟ إما أن تتوفر لك معلومات أكيدة أو.. تستنتج وحدك (هوي) مالكها من (لون القناة)، قناة الحوار تبث برامج معظمها جاد ويتوجه نحو رقعة كبيرة من العرب.. فهناك برنامج باسم كل العرب وبرنامج باسم أوراق مصرية والذي ظهرت في مقدمه خالد الشامي موهبة المحاور إلي جانب الصحافي.. وهناك برامج باسم حقوق الناس وغيرها من برامج.. تتناول كلها الشأن العربي السياسي والثقافي، (لون القناة) كما بدا من بعض الحلقات التي أمكن متابعتها هو لون إسلامي.. ليس بمعني ديني فقهي بحت.. وإنما لون الإسلام السياسي، لكن بعمومها القناة جادة وجيدة.. وإن كان بعض مذيعيها لا يبدون علي حرفية عالية. في برنامج حقوق الناس بُث شريط عن التعذيب.. كانت به شهادات لحالات إنسانية عانت وعائلاتها من تلك الجريمة القذرة.. إحدي تلك الشهادات كانت لمواطن يحتضر ومات أثناء التسجيل معه، الشريط قدمته لقناة الحوار الجمعية الدولية لمساعدة السجناء السياسيين ، القناة والشريط يلفتان النظر إلي مسألة دور الفضائيات ـ والمهم أي فضائيات ـ في فضح جرائم مثل جريمة التعذيب القذرة.. التي تقع في كافة البلدان العربية.. هذه الجريمة تستحق من وسائل الإعلام العربية التركيز عليها لفضح حكومات تتوحش علي مواطنيها.. ربما لابد أن تتفق الفضائيات العربية كلها علي تقديم برنامج ثابت في كل منها إلي أجل غير مسمي عن التعذيب في السجون العربية.. إلي أن تنتهي تلك الجريمة البشعة من مجتمعاتنا.. وربما نوغل في التفاؤل بدور الفضائيات فنزيد الاقتراح.. بأن تعقد الفضائيات العربية مؤتمرا تتفق فيه- لا فقط علي أن تبث كل منها برنامجا منتظما عن التعذيب في السجون العربية- بل تقسم علي أن تتحالف إعلاميا ضد الحكومات المتوحشة التي تعذب شعوبها!.. المشكلة التي تصد هذا الفيض من التفاؤل هو أن مؤتمرا كهذا.. لن تشارك فيه الفضائيات ذات الهوي أو التمويل السعودي.. والمصري.. والسوري.. والليبي.. وغيرها!.. ماذا بقي منها إذن؟!.. ربما علي الشعوب أن تكتتب ـ بقروشها القليلة ـ بعيدا عن تمويل الأمراء وأبناء الرؤساء ورجال الأعمال.. لإنشاء (فضائية مساهمة عربية) تتحدي كليتهما.. الحكومات المتوحشة و.. الفضائيات المتواطئة! هل تتخيلون الأمر؟ (فضائية مساهمة شعبية عربية) بعيدة عن.. شواربهم؟!كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية