الشعب يريد No Fly Zone لقطاع غزة

حجم الخط
0

د. انيس فوزي قاسم حين قام النظام العراقي بارتكاب جريمة احتلال الكويت في العام 1990، رسم الرئيس جورج بوش خطاً في الرمل وقال لا أحد يتجاوز هذا الخط، وطبعاً كان يقصد المساس بالزيت (النفط)، وحشدت امريكا نصف مليون جندي في حفر الباطن لتحرير الكويت والزيت. في تلك الفترة، كان اصدقاؤنا القبارصة يتندرون ويقولون ان امريكا لم تهتم بشمال قبرص، الذي احتلته تركيا في العام 1974، لأن قبرص ليس لديها زيت بل لديها ‘زيت زيتون’، والامريكان قليلاً ما يستخدمونه.تحضرني هذه القصة بعد صدور قرار من مجلس الامن الدولي برقم 1973 تاريخ 17/3/2011، وقبل ذلك صدر قرار مجلس الامن الدولي رقم 1970 تاريخ 26/2/2011. وقد استند مجلس الامن في اصدار هذين القرارين الى ادانة كل من الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية والامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي لتصرفات الحكومة الليبية، حيث ابدى هؤلاء قلقهم من الخروقات الفاضحة التي يمارسها نظام العقيد معمر القذافي لحقوق الانسان ومبادئ القانون الدولي الانساني ضد المتظاهرين الليبيين، الذين يخوضون ـ ابتداء ـ عملية احتجاج سلمية ضد النظام الاستبدادي.ففي القرار 1970، ذهب مجلس الامن الدولي الى تبني قرار طويل ومفصل وصادر بموجب الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة، حيث طالب السلطات الليبية بوضع حد لاعمال العنف ‘فوراً’ والتجاوب مع المطالب الشرعية للجماهير الليبية، ثم أحال الامر، وهذا تطور خطير ومهم، في نفس الوقت الى المدعي العام الدولي التابع لمحكمة الجنايات الدولية، وطالبه بتقديم تقرير خلال شهرين من تاريخ صدور القرار، ومن ثمّ كل ستة أشهر، لبيان الخطوات التي اتخذها في التحقيق في تصرفات النظام الليبي، ثم فرض القرار حظراً على تزويد ليبيا بالسلاح وحظر انتقال المرتزقة الى ليبيا، وحظر السفر من والى ليبيا لاشخاص من اقارب العقيد القذافي وبعض مساعديه، وتجميد اصول ليبيا، وشكل لجنة من المجلس للمتابعة والتنفيذ.وبعد صدور ذلك القرار بثلاثة اسابيع، جاء القرار الثاني الخاص بليبيا، حيث صدر بموجب الفصل السابع كذلك، واشار مرة اخرى الى الادانة الصادرة عن كل من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية والسكرتير العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي، وراح يفصّل في كيفية فرض حظر جوي على ليبيا، حيث جاء القرار في 29 فقرة بعد مقدمة تمهيدية طويلة. والفقرة البارزة في القرار هي ‘حماية المدنيين’ والمناطق المدنيّة. واذ يؤكد القرار على ما ورد في القرار السابق من دور المدعي العام الدولي وتجميد اصول ليبيا فرض الحظر الجوي، ويشمل ذلك ان لا يسمح لطيران ان يذهب الى او يطير من ليبيا بغض النظر عن جنسية الطائرة، وذلك لحماية المدنيين. وبدأ الطيران الامريكي البريطاني – الفرنسي في ممارسة عملياته العسكريه ضد ليبيا ودفاعاتها الجوية، واحدث تدميراً منظماً في قدراتها الدفاعية. وهذه الصور التي نشاهدها على شاشات التلفاز تعكس درجة التخلّف الذي وصلنا اليه، حيث ان الدول الاستعمارية التي قسمتنا الى دويلات في سايكس بيكو وزرعت اسرائيل ولازالت ترضعها لبناّ وعسلاً وسلاحاً، هي التي نستنجد بها لمساعدة شعب ليبيا وتحرير الزيت فيه لصالح هذه القوى، الاّ ان هذا موضوع آخر.لا شك ان ممارسات النظام الليبي جلبت الخزي والعار ليس للشعب الليبي فقط، بل أيضاً للأمة العربية، حيث كان العقيد مثار سخرية وتندر في العالم، وكان فجّاً في تعامله مع العرب، الرسميين وغير الرسميين. ويذكر الاردنيون ـ على نحو خاص ـ ماذا فعل، اثناء زيارته الى الاردن، بالوفود الرسمية الاردنية التي انتظرته لأكثر من خمس ساعات من دون ان يأتي، وماذا قال حين دعته احدى الجامعات الأهلية لالقاء خطاب على الاساتذة والطلبة، حيث تندّر على ثقافتهم وتعليمهم. ويذكر العالم وهو يتنقل مع ناقته وخيمته في مختلف دول العالم، ونذكر، على سبيل الفكاهة، الالبسة التي يختارها، وعلى طريقة حديثة ومخاطبته للآخرين، ولاسيما من زائريه غير الاوروبيين. وسوف تظل حادثة لوكربي مأساة ليست مقصورة على الضحايا وأهاليهم، بل ستظل لعنة أبدية تطارده، حيث تواطأ مع المخابرات الامريكية على دفع ثلاثة بلايين دولار من اموال الشعب الليبي، وعلى اصطناع ادانة المواطن الليبي عبد الباسط المقراحي، وهو بريء منها براءة الحمل، وقد حجبت عن الجمهور الادانات القانونية التي صدرت عن اساتذه كبار في القانون الجنائي في سكوتلندا للقرار الصادر بادانة المقراحي، باعتبار أنه ادين استناداً الى ‘بيّنة ظرفية’ ولم تكن هناك أية بينات قطعية تدينه.ولا أحد يشك في ان القذافي وعائلته واولاده استباحوا المال العام الليبي. وليبيا، وهي بخلاف الدول النفطية الاخرى، ولاسيما الخليجية منها، لم تحظ باهتمام العقيد، فلم يبادر الى تطوير الصحة العامة والمستشفيات والتعليم والبنى التحتية الاخرى، ولم تشهد ليبيا حركة تنمية وتطوير، رغم المداخيل الهائلة التي تتدفق في خزائنها سنوياً. حتى انه في معارض الكتب العربية، بالكاد يلمح الزائر لجناح ليبيا كتاباً غير الكتاب الاخضر، الذي يعبر عن درجة التفاهة التي وصل اليها مؤلفوه وحارقو البخور بين يديه. حتى ان روايات المبدع الليبي ابراهيم الكوني، الذي حاز عدة جوائز ادبية عالمية لم تحظ برفٍ صغير في الجناح الليبي.وما نشاهده حالياً من مبتكرات الالفاظ والصفات وانه هو ‘المجد’، يفسر لنا درجة الارهاب التي يشعر انه يمارسها على شعبه من دون تواضع أو رحمة او شفقه او تقيّد بروح القتال وفروسية الضباط. إنه يتعالى على شعبه وينظر اليه من شرفة قصر بناه من كدِّه وتعبه ويخاطبه بلغة بذيئه وسوقية. انها صفات نموذجية لطاغية مستبد يعتقد انه ‘هبة الله’ للشعب الليبي.. انها غطرسة السفهاء.ومع كل هذه الموبقات التي يتصف بها النظام الليبي ومارسها لعقود طويلة، يأتي قرارا مجلس الامن الدولي رقم 1970 ورقم 1973 وكأنهما خشبة خلاص شعبنا في ليبيا، لاسيما وانهما يصدران بموجب الفصل السابع. وصدر القراران بناء على طلب من الجامعة العربية وامينها العام بالاضافه الى آخرين.واذا كان للجامعة العربية وامينها العام هذه الجرأة والحظوة في مجلس الامن الدولي في استصدار قرارين بموجب الفصل السابع لحماية المدنيين الليبيين (وهو حق وواجب)، ألم يخطر ببال مجلس الجامعة اياه، وببال الامين العام اياه، ان يحاولا استصدار قرار No Fly Zone يمنع الطيران الاسرائيلي من حرق اهلنا في قطاع غزة؟ان الطيران الاسرائيلي في آخر غزواته ذهب بتسعة ارواح بشرية بينها اطفال، ولا حاجة لسرد جرائم الطيران الاسرائيلي بمختلف انواعه في غزة، وقد أحال الارض الى قاع صفصف، وأحال الناس الى لحم مشوي. وكلما نضجت جلود اهل غزة، أغار الطيران الاسرائيلي في عملية شي جديدة. ألا تقع غزه في اطار اهتمام الامين العام لجامعة الدول العربية او في اطار مجلس وزراء الخارجية العرب؟ هل وصل حديث غزة ومجازر غزة ومسالخ غزة ومشاوي غزة الى اهتمام مجلس الامن الدولي والدول الكبرى فيه؟ ألم يقرأوا أو يسمعوا بتقرير غولدستون وكيف سجل بالتفصيل والتوثيق الكبائر التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في أهلنا العزّل في القطاع؟ وان لم يعتقدوا بصحة تقرير غولدستون (وهو يعترف بانه صهيوني) ألم يأتهم تقرير مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد) الذي قال ان الدمار الذي اصاب قطاع غزه دفع بسكانه الى ‘اغوار سحيقة من الفقر والتفتت لم يعرف لها نظير على مدى أجيال’. ألم يطلعوا على برنامج الامم المتحدة للبيـــــئة الذي طالب برصد مبالغ لمجرد تأمين ‘مياه شرب’، فضلاً عن اصلاح المجاري. هل نضيف الى ذلك تقارير العفو الدولية وهيومن رايتس واتش وبتسيلم شخصيات اعتبارية، مثل الرئيس جيمي كارتر والتقارير الصحافية، ولاسيما تقارير محطة الجزيرة؟ هل يُعقل ان جميع هذه الوثائق لم تحرك في عروق مــــــندوبي الدول المجتمعة في مجلس الامن او وزراء الخارجية العرب دماً يكفي للمطالبة بتكليف المدعي العام الدولي في محكمة الجنايات الدولية للتحقيق في ما جرى في القــــطاع؟ أم ان غزه لا تنتج ‘زيتاً من أي نوع كان بما في ذلك زيت الزيتون، وبالتالي لا تدخل في اهتمام أحد. وبالمناسبة، هل وصلت اخبار غزة الى القيادة الفلسطينية التي ربما لم تفرغ بعد من إدانة ‘جرائم الفلسطينيين’ الذين لا يحترمون ‘المستوطنين الاسرائيليين’؟ أم ان سماء غزة صافية ويحلو فيها الطيران المحمّل بكل اوزار الدماء والشواء؟هل كان هذا الحماس لاعلان No Fly Zone في سماء ليبيا بسبب الزيت؟ أم ان انعدام الشعور بالمسؤولية تجاه اهل غزة يجعل قنديل العرب خاليا من الزيت؟!واهتداء بالشعار الجماهيري الذي يتردد في جنبات العالم العربي الان، فلا بدّ من تحرك جماهيري ينادي: ‘الشعب يريد No Fly Zone لقطاع غزة’. نرددها بالانكليزية بعد ان فقدت العربية على ما يبدو التأثير اللازم في اسماع الرسميين العرب والامين العام للجامعة على نحو خاص. رجل قانون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية