خيري منصور
حاول بعض شعراء العالم وفلاسفته ومبدعيه تقطير تجاربهم من أجل تقديمها كخلاصات واحيانا كمواعظ للأجيال، وتعتبر رسائل رينر ماريا ريلكة الى شاعر شاب واحدة من تلك المحاولات، اما كتاب ‘فن الشعر’ للفرنسي بوالو ديبيرو والذي تشكل من اربع قصائد مجموعها الف ومئة وعشرة ابيات من الشعر نظمت على البحر السكندري، فهو العلامة الأبرز في هذا السياق، رغم ان الكتاب صدر في القرن السابع عشر والاهمية فيه لا تحتكرها المواعظ والخلاصات، بل ذلك المزج الجدلي بين العقل والقلب، فبوالو متأثر الى حد ما بديكارت وعقلانيته وشكّه المنهجي، لهذا يعتبره النقاد الناطق الرسمي باسم الكلاسيكية الفرنسية. وحين قرأت قصائده الاربع احسست بان الشاعر يجهد نفسه وعقله معا ليقدم تعريفا تقريبيا للشعر، هذا التعريف الذي طالما تسرب وراغ من اصابع من حاولوه، لأن تعريف الشعر هو بمثابة تابوت له، لهذا قال هاوسمان انه لا يعرفه بل يحزره كما يحزر القط الفأر ويثب اليه، او لأن هناك قشعريرة تسري في جسده فيشعر بأن ما يتلقاه هو شعر، وذلك يعكس محاولة ت. س. اليوت تعريف الشعر بأنه مجرد تسلية راقية، ونحن العرب قد نكون الادرى بما انتج تعريف الشعر من نظم وصناعة وكلام منسوب الى هذا الابداع لكنه ليس من صلبه، لأن الموزون المقفى ينتج الفيات على غرار الفية إبن مالك او مماحكات هجائية كالتي استغرقت شعراء النقائض، وهنا نتذكر بامتنان الشاعر الاسباني لوركا رغم عدم ادعائه الحكمة، فقد قال في محاضرة هي الأشهر في عمره الشعري ان الشكل والمضمون وحدهما لا يصنعان شعرا لأن الشكل هو اللحم والمضمون هو العظم اما الابداع فهو هاجع وراءهما في النخاع.* * * * * * * * *في قصيدته الاولى يدافع بوالو عن حصة العقل في الابداع يقول مثلا حتى تستطيع الكتابة عليك ان تعرف طريقها وهو كيف تفكر لهذا فإن قائدك الاول هو العقل، وهو كما يقول ناقدوه متأثر بهوراس وافكاره الجذرية وهذا ما مهد لاحقا لتأثره بديكارت وعقلانيته.
يقول بوالو ايضا في مفتتح قصيدته ان الشاعر سوف يخسر اكثر مما يتوقع اذا لم يكن مثقفا، وهذه بحد ذاتها رؤية مبكرة تكاد ان تكون لقاحا مضادا لضحايا الاولومب ووادي عبقر او لما كان يزهو به بعض شعرائنا القدامى على بعضهم لأن شيطان احدهم ذكرا وليس انثى، فالجنسوية فاضت في تلك الثقافة لتشمل الشياطين ومصادر الالهام الشعري. وحين يطلق النقد العربي لقبا محيرا على المعري هو فيلسوف الشعراء فكأنه يقيم فاصلا بين شعر القلب وشعر العقل، او يشطر الشعرية الى عاطفة وذهن.
وفي القصيدتين الثانية والثالثة ثمة عرض استذكاري لتاريخ الشعرية خصوصا بلغته الفرنسية وتفصيل عن مفهوم الملحمة والتراجيديا، وأهم ما يقوله ان الكوميديا ليست نقيضا حاسما للتراجيديا بحيث يتاح لها ان تسف وتتنازل عن شروط الرقي وتنأى عن شرطها المزدوج تاريخيا وطبيعيا، وبعد بوالو بعدة قرون يكتب احد احفاد احفاده وهو الشاعر المثقف بول فاليري عن الكوميديا عبارته الشهيرة وهي ان الحمقى وحدهم من يظنون انها ليست من الجدية في شيء او انها ملكوت آخر مضاد للتراجيديا.* * * * * * * *قصيدة بوالو الرابعة هي اشبه ببعد رابع لأطروحة جمالية وفيها يتحول من الشارح الى الواعظ حيث تتركز الموعظة في بعدين ابداعي جمالي وانساني اخلاقي، فالشاعر اضافة الى الابداع والاجتراحات التي تزاوج بين الحكمة والعاطفة يجب ان يصون كرامته ومنزلته بحيث لا يكون مجرد صدى او ظلّ لأنه صوت ومصدر ضوء.
والأرجح ان صورة الشاعر في مختلف الثقافات تعرّضت لتحولات عديدة، فبقدر ما كان الفاعل في زمن ما اصبح المفعول به وفيه ايضا في أزمنة اخرى، وقد يكون مثال الحطيئة الذي اوصى سلالته وذريّته الشعرية بالمسألة، اي الكدية، هو الارجح في مجال ما سمي التكسب بالشعر او تحويله الى نمط انتاج اجتماعي سواء تعلق الامر بالمديح او الهجاء، فهما احيانا وجهان لعملة واحدة لأن صفات الممدوح تُقلب راسا على عقب ويتشكل من مجمل نقائضها الهجاء، وقد رأينا مرارا كيف تمدد موروث هذه الثقافة ليصل الى عصرنا عندما تحولت حتى الثورة الى ممدوح آخر واحتل الجنرال مكان خليفة او سلطان.* * * * * * * * * * عندما يقول بوالو: لا ترهق نفسك في البحث عن اشعار جرداء، فإن اول ما يخطر ببال القارىء المعاصر هو التجريد بمفهومه الحديث سواء تعلق بالرسم او الكتابة، لكن الاجرد في هذا السياق ليس هو المجرد بالمعنى المنطقي فقد يكون التجريد اعلى مراحل التفكير، لأنه يتحرر من التباسات الشخصنة ويتعامل مع المفاهيم، لكن الأجرد شعريا هو ذلك الذي وصفه البلغاء العرب القدامى بأنه شحيح الماء والماء هنا دلالة حياة، لأن النظم يخلو من هذا الماء، ويكتفي بذاته وبمفرداته بدلالاتها القاموسية وبالتالي فهو ليس نصا متعددا كما يقول برادلي، اي نص قابل للتأويل بحيث يشارك متلقيه فيه ولا يكون مجرد اسفنجة تتوقف عند حدود الامتصاص.
ان مواعظ بوالو يمكن ان تتلخص في تلك المنظومة الكلاسيكية من جماليات الابداع، فهو يحذر الشاعر من اوهام السرعة في الانجاز خضوعا لعوامل غير ذاتية، يقول:
حتى من يرى انه بارع في الشعرفهو من افشل الكتاب لرداءة لغتهاعملوا في هدوء حتى لو كنتم مسرعيناذا اسرع القلم في الشعر فلن ينمّ هذاالاعن عجز في الادراكانني افضل الجدول الهادىءالذي يتداعى وسط حقول مزهرةاكثر من الهدير العاصفالذي يجرف وراءه الطيناعيدوا نسيجكم عشرين مرةواعكفوا على صقله وتهذيبهواشطبوا كثيراان الجهل وحده يجعلكم معجبين بأنفسكم!* * * * * *هكذا كتب بوالو نصائحه لاحفاده من الشعراء في القرن السابع عشر، وبالطبع وجد من يتمردون عليه ويعلنون العصيان، لكن هؤلاء الاحفاد نوعان، نوع عاق ومنكفىء داخل شرنقته يتلذذ بما يفرز من رائحة، ونوع يتغذى من الجذور ذاتها ليعلو بأغصانها ويمتد، وعلى سبيل المثال، عندما ظهرت المستقبلية كتيار شعري متمرد على ما سبقه، كان هناك من طالب بحذف بوشكين من التراث الروسي والشعر كله، مقابل آخرين مثل ماياكوفسكي احتفظوا بشيء من التوازن وواصلوا الابداع حتى الموت.
النوع الاول، المفرط في العصيان وقتل الاب واعدام شعراء العالم الذين ولدوا قبله انتهى الى تأليف كتب في فن الطبخ وتسلية ربات البيوت من طراز بريكيلوف!!!