الشعريّة المعقّمة!

حجم الخط
0

خيري منصور

يؤخذ على الشعر العربي الكلاسيكي حتى في أفضل نماذجه تلك النزعة نحو التجريد بحيث تحذف تفاصيل التجربة، ورغم ان عملية التقطيرهذه تحلم بأن تصنع من الغابة كلها زجاجة عطر، الا ان لعطر الغابة الوحشي ايقاعه الخاص، لهذا سميّ المعرّي فيلسوف الشعراء بسبب افراطه في هذا التقطير، الذي يقابله تقتير في ذكر التفاصيل التي تتكون منها انساغ القصيدة، وما كان للمفاضلة النقدية الساذجة التي تبحث عن أفضل بيت شعر في المديح او الغزل او الرثاء ان تصبح موروثا جماليا مكرسا لولا ذلك القصور في فهم التجربة، فالشعر ليس تهريبا للواقع بكل شوائبه بحيث تصبح عملية التحكيك كما سميت في النقد الاتباعي أقرب الى الترشيق الشعري من خلال التعقيم او نزع دسم التجربة اليومية، وثمة قصائد لأبي الطيب تحديدا تصلح نموذجا لتقطير الحكمة من غابة النهار، فالاسبوع كله محذوف من القصيدة باستثناء العطلة، وهي المرادف الدقيق للحكمة المتعالية، وقد أدى الاستبعاد المتعمد للبعد السردي في الشعر العربي الكلاسيكي الى خسارة فادحة لمشاهد وصور تتألف من تفاصيل تبدو عابرة، لكنها جوهرية ومنها تنطلق خيوط النور التي توصلها بالابدية كما يقول الشاعر الالماني ريلكة. وما أعنيه بالشعر المعقم هو ذلك النمط من الكتابة الشعرية الذي يشبه اطعمة المستشفيات وشرابها، فهو نقي من الشوائب، لكنه عديم الطعم والرائحة، وقد لعبت الرقابة المزدوجة التي مارستها الاعراف وسلطة التقاليد اضافة الى الرقابة الذاتية للشاعر العربي دورا في اقصاء خلايا بالغة الحيوية في القصيدة باستثناء تلك المرحلة التي يطلق النقد عليها اسم الشعرء المُجّان. ويربطون هذا التحلل الاخلاقي وفق المعايير التي يحتكمون اليها بتحلل الدولة العباسية في خريفها، وفي نهايات القرن العشرين ومطالع هذا القرن الجديد صادر الرقيب نصوصا شعرية لأنها غير معقّمة، بمعنى ان الجوانب الانسانية وتفاصيل الحياة اليومية التي يمارسها البشر جميعا وليس الشعراء فقط ليست مستأصلة منها.

فلا تزال للقصيدة ايضا عورة يجب ان تحجب او تستتر، ولو قيّض للحيوانات ان تكتب شعرا لجاء محررا من كل هذه الارتهانات، لأنها لا تخجل من اجسادها ورغائبها ووظائفها العضوية، لكن الحيوان يمارس شعريته ولا يكتبها، ومن يستغربون ذلك هم هؤلاء الذين لا يرون من الحيوان الا فكرتهم الساذجة والموروثة عنه، ولو رأوه كما هو لخجلوا مما يكتبون.* * * * * * احيانا يصبح المحذوف من النصّ الشعري سواء كان بممحاة الشاعر الداجن او قلم الرقيب الأعمى هو القلب لأن الثقافة النقدية المدرسية قدمت للشعر تعريفات قد تكون مناسبة لما هو نقيض الشعر، ولعلّ الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور وهو من شعراء الحداثة الاكثر شغفا باليومي والتفاصيل أدرك هذه المسألة عندما عرض على قارئه وناقده معا مقايضة غريبة هي ان يعطيهما ما اعطته الدنيا من التجريب والمهارة لقاء يوم واحد من البكارة، فالبكارة بكل ما تعنيه من عذرية الاجتراح والكشف افتضّت منذ زمن بعيد، واصبح الوريث لكل تلك الحضارات يشعر بالضيق لأن من سبقوه قالوا اقواله وهذا ما عبّر عنه بدقّة دانتوس عندما قال: سحقا لمن سبقوني فقد قالوا اقوالي كلها! ما الذي تبقى اذن؟ انه التفاصيل بامتياز، فإذا كان الموت قد تكرر وتكررت الكتابة عنه آلاف المرات فإن ما تبقى منه هو وصف الطريقة إليه، أو بمعنى آخر توصيف الإحساس به، وهو حتما مختلف بين الكائنات فوقع كلمة الموت على قسيس ليس كوقعها على البير كامو الذي كانت عيناه تغمضان ويشعر بالقشعريرة إذا ذكرت على مسمع منه كلمه الموت ويقول: اشعر بفراغ اسود بارد وسحيق وجسدي يرتجف لانه يفهم اكثر مني معنى الموت.!!!* * * * * * * * تعقيم الشعر جزء من سياق ثقافي معقم ما دامت الثقافة برمتها هي فن تهريب الواقع والجسد بحيث تنتهي إلى شهادة زور بلاغية ومبذول فيها أقصى الجهد كي تحول الحياة إلى حفلة تنكرية دائمة، وقد فاضت كيمياء التعقيم ونزع الدسم عن الثقافة العربية فمنذ خمسينيات القرن الماضي ونحن نرى نقاطا أو فراغات محاصرة بأقواس نيابة وبديلا عن عبارات في النص الأصلي تولى الرقيبان الذاتي والسلطوي حذفها، اما هوامش المترجمين التي تراوح بين منطقين أحدهما اعتذاري والآخر استدراكي فهي بحد ذاتها تتحول إلى عورة في النص المترجم لكنها عورة من طراز اخر غير اخلاقي بقدر ما هو معرفي ولا نزال نتذكر أعمالا روائية وشعرية تم اخصاؤها وتدجينها كي يسمح بها الرقيب منها ‘ عشيق الليدي تشاترلي’ للورنس وبعض اعمال ميلر و’ أصول الدافع الجنسي’ لولسون وروايات مورافيا وآخرين!

لقد انتقلت عدوى الكذب والتستر من الحياة الى الثقافة، فكانت بالفعل المرايا العاكسة لكن ليس وفقا لما يعنيه هذا التعبير في الأدبيات المدرسية، بقدر ما ان المرآة لا تطيق الفراغ، وليس لها محتوى ذاتي.. انها في النهاية ما تعكسه فقط، وكم كان محقا ذلك الشاعر العربي الذي علّق بسخرية بالغة المرارة على عنوان مذكرات بابلو نيرودا وهو ‘ اشهد انني عشت’، فقد قال هذا الشاعر العربي: اشهد بأنني لم أعِش. فهل تصبح الكتابة مجرد مهارات في التهريب؟ او عادات علنية مشروعة ومسموح بها تخفي وراءها ما لا يقال؟ وقد يكون الأدب المعقّم صحيا ونافعا لكن لمن يضطرون الى هذا التعقيم لأسباب منها فقدان العافية، سواء كانت جسدية ام روحية، ويبدو ان ثقافتنا العربية الحديثة رغم وفرة المدعين واصحاب المزاعم العظيمة باجتراح معجزات الحداثة بحاجة الى طفل ذكي وبريّ كذلك الطفل الذي خلقه اندرسون في احدى حكاياته، وجعله وحده يكتشف حمق البالغين وعماهم عندما قال ان الامبراطور عارٍ، وكل ما وصف من صولجانه وأزيائه كان من ابتكار الخائفين المذعورين!

لقد بلغ الهلع عند روائيين بارزين حدّا جعلهم يقدمون لأعمالهم بدفاع استباقي وذلك احترازا من التّأويل الأخلاقي او الاجتماعي، ومن تلك المقدمات الاحترازية.. ان اي تشابه بين شخوص هذا العمل وأي شخوص في الواقع هو مجرد مصادفة… وحين سألت الصديق الراحل جبرا ابراهيم جبرا عن معنى وجدوى هذا الاحتراز أجابني بصراحة قائلا ان معظم القراء العرب يتعاملون مع الرواية كما لو انها سيرة ذاتية… بدءا من زوجة الكاتب وعائلته وأبنائه حتى تلاميذه وجيرانه!

كم خسرنا بسبب هذا التّعقيم! وكم كانت لغتنا حصيفة حين استبقتنا لتخلق قرابة من الدرجة الاولى بين العقم والتعقيم!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية