الشعرُ وحاسّةُ معرفةِ الناس

حجم الخط
0

الشعرُ وحاسّةُ معرفةِ الناس

كمال سبتيالشعرُ وحاسّةُ معرفةِ الناسها نحن في شهر آذار من عام 2003.الحرب لم تبدأ بعد. تقول نشرات الأخبار بغير العربية. وهي ستبدأ في يوم قريبٍ..يقول الساسة الامريكان.أكتب شعراً كلَّ يوم..ضدَّ الحرب.أكتب مقالاتٍ كلَّ يوم أيضاً.السكر بقناني البيرة الهولندية والنبيذ الإسبانيّ تحوَّلَ إلي سكرٍ بقنينة عرقٍ إغريقيّ.الهاتف لا يسكت. وإن سكت أرفع سماعته وأدير أرقامَ هاتفِ عراقيٍّ مؤيدٍ الحربَ في لندن.أشمّ عفونةً في لندن يا صديقي القديم هاملت.ہہہالمذيعون كثر. بلغات أفهمها ولا أفهمها.لا قناة عربية عندي.حظٌّ حسن.ہہہالكتبة العراقيون في لندن ماضون إلي تحرير بغداد.مقالاتهم تقول هذا وشعرهم أيضاً.ہہہإنهم إخوة!والإخوة تعبير شائع في المافيا.ہہہسقط الصاروخ الأول علي بغداد.سقط علي قلبي.خفت.ہہہفي اليوم التالي:غضبتُ من الإغريق وعرقهم.حوَّلتُ سكري الإغريقيَّ إلي سكرٍ هولنديٍّ وإسبانيٍّ ثانيةً.ہہہلم أضرب رأسي بحائط بعدُ.ہہہأصدقاء كثر يبكون.ولندن العراقية فرحة بالحرب.ہہہفي السي أن أن:مشهدُ الطائرة الامريكية B52 تقلع من لندن إلي بغداد.سترمي قنابلها عليَّ.خفت.ہہہالبيرة ليست لحرب ولا النبيذ.البيرة لكسر شمس ظهيرةٍ ببردٍ مّا.لخداع فتاةٍ مسافرةٍ كي تستمعَ إلي كلامٍ ذي هدف مخفيّ.والنبيذُ لابتداء الطريقِ اليوميّ إلي السكر..ارجَعْ إلي الإغريق.ہہہالمشاهد المصوّرة من الحربِ تكثُر. هذه هي الناصرية. هذا جسرها والفرات النهرُ. تلك البيوت أعرفها، والشهداء.وهذه البصرة..مدينة مستشفيات محاصَرة ومشرَّدين.وهذه بغداد..قلبنا.مشهد ليليّ منار بالصواريخ، لكأنه مشهدُ لَعِبٍ اصطناعيّ حقّاً.ہہہكلّ هذا وأنا أعيش وحدي. قد يرن هاتف من صديقتي الهولندية أو من صديق آخَر..وقد لا يرن أي هاتف من غير عراقيّ. هذه هي الحرب الثانية عليَّ في المنفي. قبلها حرب واحدة في مدريد عبر راديو ترانسستور صغير.فلاتركْ شربَ الكحول قلت بعد أن مُنعتُ من زيارة مستشفي الطواريء مرةً قادمة..قالوا عَليَّ أن أراجع الطبيب الرأسيّ.أضحت المشكلة كيف أقضي يومَ حربٍ وحيداً بلا شرب كحول؟كان الكحول ممنوعاً عليّ كلَّ مرة بحرب أو بدون حرب. غير أني لا أتقيد بأوامر طبيب. أخذ الكحول يقسو عليّ أثناء الحرب كثيراً، ويؤجّج عاطفةً اتجّاهَ البلاد يصعب علي رجل وحيد مثلي تحملها.لكنني اتجهت إلي تأمل معرفيّ وقتَ الحرب والكتابة فيه. فبدأت مقالي الحرب والشعر بقسميه هو الآن فصل أساسيّ من كتابي في الأصل الشعري ورأيتني أعبر منطقة الخطر الحسيّ إلي منطقة اشتباك عقليّ معقد. كأن الأمر كان استجداء إنقاذ، بالمعرفة، من الغرق في ما هو يوميّ وحسيّ وقاسٍ.لا أستعيد هنا أجواء مقال الحرب والشعر ، كما أنني لست بصدد استعادة أية أجواء. ما أفعله الآن هو إعطاءُ الاستذكار شكلاً مّا.هل كانت المعرفة إنقاذاً حقاً؟ أم أنها لم تكن أكثرَ من خلاص مشوَّشٍ جَعَلَ الواضحَ غامضاً حتي لا يُفهَمَ فأزِلُّ به إلي العاطفة ثانيةً؟من الطريف الآن أن أتذكر كتابة أليوت عن هاملت وابتكاره مصطلحَ المعادل الموضوعي الذي يقدم العاطفة فنياً في فكرٍ ومواقفَ وأحداثٍ وما إلي ذلك.كان ذهابي إلي المعرفة من دون أن أدري هو خلق معادل موضوعي لعاطفة قاسية. كبح جماحها بخلق شكلها في الحياة قبل خلق شكلها الفني في الكتابة.صعب بعض الشيء. أعرف.لكن حياتنا تشبه قصائدنا. والتنظير الأدبيّ الصرف يُطبَّقُ عليها أيضاً.بدا الأمر، قدرياً، منظَّماً. من نظرٍ إليه بعد ثلاث سنوات. أي بدت المأساة منظمة. أن يُنتَهكَ الشاعر في عزلته بالعاطفة إلي أبعد حد حتي وهو يكتب مقالاته القصيرة، لكنَّ بدءه بكتابة الحرب والشعر كان محطة توقف في مسير قاس.أما كان الطريق اللاحق قاسياً ؟بلي، كان قاسياً أيضاً، ولكن عندما تُرمي في لجة ديدنك الفقهي والأدبي فعليك أن تعرف كيف تخرج سالماً. ليس ثمة عذر. هذا ما ألاحظه من هنا وبالعقل الآن وبالعاطفة الآن علي أيام صعبة سُمِّيت الحربَ في وسائل الإعلام آنذاك وسميتها الحربَ أيضاً بخوفي منها وكرهي إياها.عليك أن تخرج سالماً. جملة جديدة ابتُكِرَتْ تواً. هل خرجتُ سالماً؟ أنا أسأل هذا السؤال، لكنْ مؤكد أنني أخصّ به كل واحد عاني الحرب مثلي وتمزَّقَ وبكي ومؤكد أنني لا أخص به من رحّب بها. فالأخير كان موضع حسد مني قبل أن يكون موضع شتْم مني طبعاً.هل خرجتُ أو خرجتَ يا شبيهي سالماً؟أشكك في أي جواب بـ نعم .لقد خرجتُ حياً. والأخيرة لا تعني سالماً . كم نقص عمري عند من يملك عدّادَ الأيام والشهور والسنوات؟وكم علةً ابنةَ كلبٍ ازددتُ؟وكم.. وكم..لكن هذا كله يُسجَّلُ في سجّلِ طُهْرٍ لا أعرف مالكه إلي الآن. إلاّ أنني أعرف أنه ليس مدّاحَ دكتاتور أو رسّامَه أو مطبّلَه وليس بائعاً الشعرَ من أجل غنيمةٍ في حربٍ أو في سوق مخابرات الدول.ولنجعل الأواخرَ المداحَ والرسامَ والمطبّل والبائع واحداً -حتي إن اختلفوا بأكثر من عقد أو بأكثر من عقدين في وقت الخروج من العراق- وقد يضحك مني هذا الواحد الأواخر ومن فقري. فأقول له لا تسمّني غشيماً لأنني كنتُ سمَّيتُ نفسي بها منذ سنوات.وأمّا أن تحبَّ المالَ فهذا شأنك ولا أسعي فيه إلا من أجل نَزْر يسير منه يقيني العَوَزَ. ويا ما تَكرّرَ العوزُ في حياتي فكنت أرضي بسرير مؤجَّرٍ في غرفة ذات سريرين في فندق وأضحك من كل مداح دكتاتور ورسامه ومطبله علي أن أملك مالاً بخيانة الشعر فأبكي كلَّ عمري.ستقول وما هي خيانة الشعر والناس تخون بلاداً ؟والإجابة إجابةُ متصوفة. وأنا لست متصوّفاً تماماً..لكنْ فيَّ القليلُ مّما كان فيهم.خيانة البلاد لعبة لغوية.أنت تأخذ من المحتلّ أموالاً مقابلَ خدمتك إياه فتقول إنك تخدم بلادك.أنا أسميك خائناً.وأنا لا أخدم المحتلَّ فلا آخذ مالاً فتسمينني خائناً لأنني لا أخدم بلادي.لكن هذا الأمر لا يمشي في الشعر مهما لعبتَ باللغة.فالشعر لايروّجُ حرباً.والشعر لا يخدم محتلاًّ حتي إن كان ملاكاً.. ولا يقبض أموالاً من أيٍّ كان.وإن فعلتَها فلن يسمّي الذي تكتبه شعراً، بل ستنزل عليك لعنات من مقاهٍ أدبية فقيرة يرتادها شبان أدباء ومعذَّبون في هذه الأرض..ومن تعاليم محفوظة في كتب علي رفوف أيضاً.والشعر..والشعر..الشعر ذو حاسة عالية في معرفة الناس.ہہہفقل لي: أتعيش محنة راسكولينيكوف في الجريمة والعقاب ؟ومحنته محنتان في رأيي.معاقبة نفسه علي جريمته، فكان يتمزق وحده طوالَ الرواية.ومعاقبة نفسه بالتخوفِ من أن يُلقي القبضُ عليه والشكِّ في كل شيء والتوهمِ في أن أمره عُرِف.وأما المحنة الأولي فسأبعدها عنك. أو لأقل سأبعدك عنها. فأنت بعتَ البلاد علناً فهل يعقل أن أدرجك في خانة النادم علي ما فعل بينما يرن في أذني الآن إيقاع تلك الجملة من رواية الصخب والعنف”: عاهرة يوماً. عاهرة كلّ يوم ؟كلا. لن يعقل هذا.وأما المحنة الثانية وعلي الرغم من كونك أُسْنِدْتَ إلي قوي جبارة..فإنك خائف منا نحن البسطاءَ الفقراءَ. من كلمة نابية نقولها في حقك ومن نظرٍ إليك شَزْراً.ہہہوما دمتُ تذكرتُ هاملت عبر أليوت الناقد. فلأذكّرْكَ بأنها مسرحية عن خيانة أيضاً، دسيسةٍ مّا، وجريمةٍ مّا.درسناها عميقاً علي مقاعد الدرس. واشتغلها العالم كله في اللغات كلها وبالرؤي المتغيرة كل حين..حتي قام مخرج أخير بإعطاء دور هاملت الرجل إلي امرأة. وكان النقد بدأ يتحدث عن عقدة أوديب فيها هاملت وأمه منذ فرويد.وهي هذا وذاك وهي لا هذا ولا ذاك.ومهما اشتطَّ المؤوّلون بعيداً. فلن يحذفوا منها حكاية مقتل أبيه الملك ولا دورعمه في قتله ولا أمه.لأنها ستكون أيَّ شيء إلا مسرحية هاملت .طيف الملك ظهر لهاملت وأخبره بالمقتل بل وطالبَه بالثأر.ومهما اشتططتَ بعيداً في اخفاء جريمتك..فالطيف ظهر لنا وأخبرنا بمقتل البلد كله. هل طالَبَنا بالثأر ؟!! ..والقصة كلها معروفة الآن. كلها.والشعر..والشعر..الشعر ذو حاسة عالية في معرفة الناس.في كتاب أنا وبلاتيرو..يقول خوان رامون خيمينيث لبلاتيرو وهو حمار طيب بترجمتنا : واضح يا بلاتيرو أنك لست حماراً..لا بالمعني العامي للكلمة ولا بحسب تعريف معجم الأكاديمية الإسبانية. إنك هو بالمعني الذي أنا أعرفه والذي أنا أفهمه .ولا أظنك أيها الواحد الأواخر الحمارَ بلاتيرو الطيب.بل لا أظن استشهادي بمقطع خيمينيث جاء في محله تماماً حين نتذكر أنك وبلاتيرو تتضادان في جمال الروح كُلّيّةً.لكنه بغير هذا التأويل جاء في محله تماماً أيضاً.كيف خطر ببالي هذا المقطع ؟ ربما بسبب قوة إيقاع لغويٍّ ومعنويٍّ تضمنته جملته الأخيرة إنك هو بالمعني الذي أنا أعرفه والذي أنا أفهمه. أيْ أن الجملة الأخيرة هي التي شجَّعتني علي تذكّر المقطع كله.فلأعدْها عليك إذن منزوعة من روحها في اتجاه بلاتيرو.إنك هو بالمعني الذي أنا أعرفه والذي أنا أفهمه.وهذه قبل أن تكون نهاية الكلام فهي لكي تعرف حقاً أنَّ الشعر ذو حاسة عالية في معرفة الناس.ولكي تعرف أن الاستشهاد بمقطع خيمينيث جاء في محله تماماً أيضاً.هولندا /آذار….2006 جلسةٌ قبلَ الحَربجَلَسَ الجَميعُ علي الأريكَةِ مُتعَبينَ:الليلُ والأشجارُ والجُنديُّ والقمرُ الحزينُ،يقولُ أوَّلُهم: تَعِبْتُ مِنَ الظَّلامِ،فَتَضْحَكُ الأشجارُ مِنْ ضَوءِ القمرْ.لَكَأَنَّما تِلكَ الأَريكَةُ مِثْلُ تابوتٍ تَفَتَّحَ نِصفُهُ،لَكَأَنَّما كانَ القمرْيُلْقي علي الجُنديِّ نَظْرَتَهُ الأخيرَةْوَكَأَنَّما الجُنديُّ جُنديٌّ يَموتُ علي الأَريكَةِمِثْلَ تِمْثالٍ تَكَسَّرَ نِصفُهُ،وَكَأَنَّما الأَشجارُ تُخْفي مَأتَماًشَهِدَ الجَميعُ:الليلُ والأشجارُ والجُنديُّ والقمرُ الحَزينُعَزاءَ جَلْسَتِهِ الأخيرَةْ.بلادي ..بلادي التي سَوفَ تُذْبَحُ بِاسْمِ الجَميعْبلادي التي أَنْجَبَتْني، فَقالوا: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّابِلادي الَّتي شَرَّدَتْنيوَلَمْ تَكُ، قالوا، بَغِيّابِلادي الَّتي سَوفَ تُذْبَحُ بِاسْمِ الجَميعْبِلادي الَّتي تُشْبِهُ البَقَرَةْمُسَلَّمَةٌ، لا ذَلولٌ ولا فارِضٌ، لونُها كالذَّهبْبلادي الذَّهبْيَشعُّ بها في الظَّلامْبلادي التي لا تُجيدُ الكَلامْتَسُرُّ الجَميعْبِلادي التي سَوْفَ تُذْبَحُ بِاسْمِ الجَميعْہ في القصيدة استفادة واضحة من آيتين في سورة مريم ومن ثلاث أُخَر في سورة البقرة …المَجْزَرَة..هِيَ مَجْزَرَةْقُلْ إِي ورَبّي ہوَدَعِ السَّكينَةَ جانِباً،واِشْتِمْ كَتائِبَ كُلِّ حَرْبِ..قُلْ إِي ورَبّيواشْتِمْ عَبيدَ المالِ،بَلْ واشْتِمْ دُعاةَ المَوْتِمِنْ شُعَراءِ سَمْسَرَةٍ وَنَصْبِ..قُلْ إِي وَرَبّيہ الآية 53 من سورة يونس: (وَيَسـْتَنْبِئونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبّي..) إِلي آخِر الآية.أَمامَ القاضي ..لو كانَ في البلادِ لي مالٌبَكيتُهُ كَصَرّافٍ عجوزْلو كانَ في البِلادِ لي بَيْتٌبَكَيْتُهُ كَمالِكِ البِيوتْلكنَّما أنا فَقيرٌ كُلَّ عُمْري سَيِّدي القاضي،وإِذْ أَبْكي فَلا أَدري لماذا ؟يُعْقَلُ أَنْ أبكي أَمِ البلادُ لِلصَّرّافِوالمالِكِ يَحْصِيانها مالاً وأمْلاكاً ؟لهذا لايَبْكِيان الآن مِثْلي،لَنْ يَضيعَ منهما ما قد يَضيعْمِنّي وَمِنْ غَيْري، ولا أَدْري: لماذا؟ہ شاعر من العراق يقيم في هولنداہ كُتِبَتْ هذه القصائد في فترة متقاربة من وقت ما قبل الحرب من عام 2003.ہ يترجم الكاتب الكبير الراحل عباس محمود العقاد الكتابَ عن الإنكليزية باسم: بلاتيرو وأنا ..تماماً كما هو في الأصل الإسباني. لكنَّ اللغة العربية لا تستسيغ تأخير الأنا بين الأسماء. ملاحظة تعلمتُها في فتوتي من أستاذتي الفاضلة نازك الملائكة في كتابها قضايا الشعر المعاصر .ہ والفصل كله من كتاب جديد لم يُنشَرْ بعد بعنوان الشعر والتوثيق الشخصيّ .. وهو كتاب مذكرات تُؤرَّخ مرتين..مرة بالسرد وأخري بقصيدة مكتوبة منذ وقعت الحادثة المروية سواء كانت عن تاريخ شخصيّ تكوينيّ يؤرِّخ مدينةً أمّاً أيضاً أو عن مقتل صديق وانتحارِ آخَر أو عن الهرب من البلاد وعيش الحرب في المنفي ..إلخ0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية