ليس من شك في أن الشعر كان، وما زال، سبيل التربية الحقة منذ الأزل. منذ أن عبر الإنسان عن كينونته الأنطولوجية بالشعر أول مرة. الشيء الذي يجعلنا نقر، دونما تردد، بأن الشعر والتربية صنوان لا يفترقان. أحدهما يلج في الآخر مثلما يلج الليل في النهار والنهار في الليل، تواصلا وتفاصلا. تواصلا بالتأثير إيجابا على النشء. وتفاصلا بالزج به في أتون القبح والعنف بشتى مظاهرهما.
إن الشعر إبداع. والإبداع هو السبيل الأوحد إلى سلسبيل، أي إلى تنشئة سوية قادرة على الخلق والابتكار والاختراع، بل إن الشعر هو سمو بالنفس وتهذيب للذوق، وتخليق للعقل المبدع، ودعوة للتسامح والاعتراف بالآخر في غيريته، بعيدا عن الأحقاد عدوة الفكر والإبداع والتحرر. حاجتنا اليوم إلى الشعر حاجة ماسة، أكثر من أي وقت آخر، كحاجتنا إلى الخبز كما قال تروتسكي. والشعر الذي نقصده هو الشعر الذي يخترق المعايير باعتبارها الحارس الوفي للتقليد، نقيض الإبداع. إذ لا نتصور شعرا يربي على الإبداع والابتداع وهو يتحصن بقلاع المعايير التقليدية الرافضة لكل اختلاف أو مغايرة، والداعية للتكرار والاتباع وجواراتهما. معايير تجعل الزمن يتوقف في ماض مضى.
ثمة أدلة عديدة يمكن الاعتماد عليها للتأكد من مدى أهمية الشعر في مجال التربية وصناعة المستقبل. يكفي أن نشير إلى بعض منها كالإبداعية، والتخييل، والجمال، والاختلاف، والتسامح، والمحبة… إننا نتصور أن الشعر يمنح المتعلمين قدرة كبيرة على استيعاب طاقة الخيال وحيويته. فالشعر خيال. والخيال دعوة صريحة للإبداع، إذا ما تحرر من قيود العقل وصرامته. إن من الخيال ما هو اختراعي، وما هو استرجاعي/ اتباعي. والشعر الذي يروم الابتداع ويراهن على الخيال كطاقة خلاقة، هو وحده القادر على تنشئة جيل قادر على العطاء والابتكار والإضافة. إن المراهنة على الشعر (الخيال) في تربية النشء، سيساهم، لا محالة في تنمية قدرات وكفايات المتعلمين على إنضاج الوعي بالموضوع لديهم وتعميقه، بما يجعلهم قادرين على حل الوضعيات/المشكلات بسهولة وإيجابية. والوضع هذا من شأنه أن يخلق لدى الأجيال الصاعدة قدرة على المشاركة في الحداثة ومستلزماتها، فعلا ووعيا بها.
الشعرية العربية الجديدة، في بعض مآلاتها، حداثية بامتياز، لذلك علينا أن نوليها اهتماما واسعا في مقرراتنا وبرامجنا التربوية.
ولما كان الشعر، بالنظر إليه كقيمة جمالية، يتميز بكونه خبرة جمالية، حسب تعبير جون ديوي، وأنه خبرة تامة أو كاملة من ضمن الخبرات الأخرى، لأنها تتحرر من «كل المعوقات التي تعرقل تطورها»، فإنه لا يمكننا أن نتصور شعرا راكدا ومسيجا بسياج معايير التنميط، التي هي من وضع الإنسان ذاته، والتي لا تُفضي إلا إلى التحنيط. شعرا لا يتطور ولا يشاكس، لأن وضعا كهذا يربي في النشء وعيا ارتكاسيا، وميولا نكوصية، بما يحفز على الانكماش والتحصن بالماضي مثلما القطيع الذي يخاف من أي طارئ أو جديد، وينشط ذاكرة العنف وثقافة الإقصاء والرفض، أقصد ثقافة التطرف.
والحق أن الشعرية العربية الجديدة، في بعض مآلاتها، شعرية حداثية بامتياز، لذلك علينا كمربين، أو مسؤولين عن الشأن التربوي، أن نوليها اهتماما واسعا في مقرراتنا وبرامجنا التربوية، بما يخدم القدرة على استيعاب اللحظة الحداثية العربية الحقة (جماليا) عند المتعلمين، إذ من الواجب علينا أن نضعهم أمام تاريخهم الشعري الآخر المختلف تماما عما هو سائد ورائج من تسطيح وتكرار، العلة في فداحة مجتمعاتنا العربية.
إن انفتاح الأجيال الصاعدة على هذا الأفق الشعري الحداثي، بعدما بينا أهمية الشعر في مجال التربية والحياة ككل، بالشكل اللائق والمطلوب، من شأنه أن يؤسس لزمن مغربي/ عربي حداثي وقد تخلص من كل شوائب الشفاهة وأضرارها. فما أحوج ناشئتنا لمثل هذه الشعريات الحداثية التي أحرجت العقليات المحافظة، تلك التي أوقفت الزمن في ماض مضى لا في ماض آت. شعريات تتشوف إلى المستقبل باعتباره مصير المتعلمين والإنسان العربي ككل.
أخيرا نقترح عليكم بعض المقترحات التي من شأنها أن ترقى بمستوى تدريس الشعر وتلقيه في مؤسساتنا التعليمية إلى مستويات رفيعة بمكنتها أن تجعل الشعر يحظى بأدوار طلائعية في التربية التعليم:
- ضرورة الإيمان بأهمية الشعر في مجال التربية من طرف المسؤولين وكل المتدخلين في العملية التعليمية.
- برمجة الشعر في جميع المقررات والبرامج والكتب المدرسية منذ المستويات الأساسية/ الابتدائية.
- برمجة الشعر كمادة مستقلة، مع الرفع من معاملها، مما قد يزيد من درجة الاهتمام بها.
- اعتماد وسائل جديدة في تدريسها كالوسائل السمعية والبصرية مما قد يخلق متعة لدى التلميذ والأستاذ معا.
- التركيز على الشعر الحداثي الحامل لقيم الحداثة ورهاناتها.
- استضافة شعراء، وتنظيم أمسيات شعرية، وندوات في الشعر، ومسابقات شعرية من طــــرف التـــلاميذ داخل مؤسساتهم التعليمية، بشكل منتظم، مع تحفيزهم بمختلف الوسائل من أجل خلق جو مناسب للتنافس.
٭ شاعر وناقد من المغرب