لستُ أدري لماذا تدوم التسمية الخطأ على حساب التسمية الصحيحة. فنحن جميعاً نعرف تعريف الشعر في التراث العربي بأنه الكلام الموزون المقفّى الذي يفيد معنى، فإن لم يُفد معنى فهو ليس بشعر وإن التزم بالوزن والقافية. هكذا كان حال الشعر في تراثنا العربي منذ الشنفرى وجميع الشعراء ممن سبقوا امرؤ القيس، ولم تسَجّل شعرَهم كتبُ التراث.
لكن امرؤ القيس ومن سَبَقه ومن جاء بعده كانوا يعرفون أولئك الشعراء، فلو كانوا خلاف ما حدّده اللاحقون في تعريف الشعر لما تردّد شعراء التراث الأوائل عن كشفهم.
وبقي الشعر العربي في حدود هذا المفهوم على امتداد الزمن، ولو أن بعض التغيير جرى في شكل القصيدة التراثية ذات الشطرين؛ وأبرز الأمثلة على ذلك هو نظام الموشّح، ولكن الموشّح بقي محتفظاً بالوزن والقافية ولو بالنظام المطوَّر.
لكن أوّل تغيير جريء في تعريف الشعر قد حدث، كما هو معلوم، على يد الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة في عام 1947، عندما نظمت قصيدة «الكوليرا» وطوّرت فيها، كما يَعرف الجميع، في ترتيب الأبيات بأشطر قصيرة، مخالفةً بذلك نظام الشطرين التراثي وعدد التفعيلات في الأشطر في قصيدتها الجديدة. ودعت ذلك النظام الجديد باسم الشعر الحُر. وهنا بدأت المشكلة، لأن تعريف الشعر الحُر، كما تعرف الشاعرة قبل غيرها، هو مصطلح مُستورَد من خارج تراث الشعر العربي، وتحديداً من الشاعر الأمريكي والت ويتمان الذي نشر عام 1850 كتاباً من الكلام الجميل والصور والتشبيهات البارعة بعنوان «أوراق العشب» وقال إن هذا شعر حر. لكن قصيدة نازك بما فيها من أوزان وقوافي لا تشبه ما ورد في كتاب ويتمان الذي يخلو من الوزن والقافية. لذا كانت التسمية التي أطلقتها الشاعرة العراقية تسميةً غير دقيقة.
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية تزايد انفتاح بعض البلاد العربية على ثقافة الغرب، فظهرت بعض الكتابات بأسلوب الشعر الحُر وبخاصة في لبنان. ولم يكن تقبّل الشعر الحُر الذي يخلو من الوزن والقافية مقبولاً للمثقف العربي ألاّ على مضض. وفي بلاد المغرب العربي بثقافته الفرنسية كان ظهور الشعر الحُر بالعربية يُنظر إليه على أنّه ترجمةٌ من بودلير أو رامبو وبقية شعراء الرمزية الفرنسيين من نهايات القرن التاسع عشر. لكن ظهور أدباء عرب من أصحاب الثقافه العربية الرصينة والاطّلاع الواسع على الشعر الغربي الأنكلوساكسوني والفرنسي جعل كتاباتهم في الشعر الحُر بالعربية أمراً أكثر قبولاً، واستمر هذا القبول حتى أصبح اعترافاً كاملاً تُمنح لكاتبه الجوائز الأدبية، حتى إذا كان الشاعر من غير أصحاب اللغات أو الثقافة الأجنبية، مثل الشاعر السوري محمد الماغوط الذي كرّمته مؤسسة العويس في دبي اعترافاً بإبداعه الشعري في العربية، مع أنه لم يكتب بالوزن والقافية على الإطلاق. وفي بلاد المغرب العربي ظهرت كتابات بالشعر الحُر، بعضها دون المستوى المقبول، بسبب ضعف ثقافة الكاتب أو ضعف موهبته في كتابة الشعر. لكن مثال الشاعر المغربي محمد بنّيس بثقافته العربية الرصينة وسعة اطّلاعه على الشعر الفرنسي أوصَلَته إلى الاحتفاء بشعره، بنظام التفعيلة الذي يحترم الوزن والقافية، إلى جانب شعره بالأسلوب الحُر الذي يخلو تماما من الوزن والقافية، لكنه غنيٌّ جدّاً بالإيقاع الموسيقي والصور والأفكار بارعة التعبير، ويكشف عن اطّلاع واسع على الشعر الفرنسي، وبعض الشعر العالمي المترجم إلى الفرنسية. لذلك كرّمته الأكاديمية المغربية حديثاً وأصدرت له كتاباً غنيّاً بدراسات النُقاد العرب والأجانب إلى جانب كتاب صغير مرافق لكتاب التكريم، يضُم مختارات من شعر بنّيس بالتفعيلة وبأسلوب الشعر الحُر. وبذلك يغدو الشعر الحُر معترفاً به في المشرق العربي وفي المغرب العربي على السواء.
ومن أبرز من كتب بأسلوب الشعر الحُر في عقد الخمسينات فصاعداً الفلسطيني-اللبناني توفيق صايغ. فقد نشر «مُعَلّقة توفيق صائغ» و «القصيدة كاف» و «بضعة أسئلةٍ لأ طرحها على الكركدن». وكان تأثّره بالشعر الإنكَليزي وبخاصة شعر جون دَن وشعراء القرن السابع عشر واضحاً في أسلوبه في كتابة الشعر الحُر، هذا إلى جانب تأثّره بشعر ت. إس. إليوت من المعاصرين كما تشير ترجماته: «رباعيات أربع» وغيرها. وممن كتب الشعر الحُر، بشكله الدقيق، الفلسطيني- العراقي جبرا إبراهيم جبرا، كما نجد في «تمّوز في المدينة» و»متواليات شعرية». ولا شك أن أبرز كُتّاب الشعر الحُر من المعاصرين هو السوري محمد الماغوط، الذي تَمتد قصائدُه من الشعر الحُر وتتوسّع لتغدو قصائد نثر، بالشكل الذي عرَضَه وطوّره بودلير ورامبو وشعراء الرمزية الفرنسيّون. الجدير بالذِكر أن محمد الماغوط لا يقرأ بأية لغةٍ أجنبيةٍ، فرنسية كانت أو إنكَليزية. لذا يمكن القول بكثير من الاطمئنان أنه قد طوّر أسلوبه في كتابة الشعر الحُر اعتماداً على الموهبة الخاصة، دون الاعتماد على أمثلة من الشعر الأجنبي. والعجيب أنه لم يكتب أية قصيدةٍ فيها أي أثرٍ للتفعيلة العربية التراثية، لكن قصائده تمتاز بإيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية التي تخلو من التفعيلة التراثية أو الأوزان الخليلية.
كان لأحاديث نازك الملائكة عن تحرير عدد التفعيلات في البيت الشعري وتحرير طول الأشطار حسب ما تقتضيه الفكرة أو الصورة أن تجرّأ بعض أصحاب المواهب الضعيفة أن يكتبوا قصائد بالتفعيلة هي دون المستوى الذي يستدعي الإعجاب. والمؤسف أن بعض الشعراء المعروفين قد سلكوا هذا المسلك. في قصيدةٍ لأحد المعاصرين نقرأ:
«وشربتُ شاياً في الطريق/ ولَعِبتُ بالنَردِ المُوَزّع بين كفّي والصديق/ ورَتَقتُ نَعلي» .وفي قصيدةٍ «شَنْقُ زَهران» نقرأ: «قَضى قَضى/ وعن زماننا مَضى/ وعن سريرأمِّه وأختِه ما صَعدا/ إلى السماء صَعَدا». أين كان هذا البطل القاتل قبل أن يصعد إلى السماء، كالمسيح مثلا؟ وما نوع التفعيلة التي حرّرها هذا الشاعر الحداثي؟ وفي غواية كتابة الشعر الحُر نجد «شاعراً» من بلد مغاربي يكتب «وأنا قد ضَيّعتُ لعبتي ودفاتري وملابسي في البحر…» ترى كيف عاد هذا الشاعر المُلهم إلى داره «من غير هدوم» على رأي عادل إمام؟
ولكن على الجانب الآخر نجد قصائد بنظام التفعيلة مُتحرِّراً من القافية في الغالب، لا تجعل القارئ يسأل عن الشطرين في هذه الصور الموحية كما في قصيده «طُرُقات-شجرة» لمحمد بنّيس:
«الأرض تَبتكِرُ العُروق
جِذعٌ يضيء بوَحدةٍ في بَردِ أغباشٍ
غُصونٌ ميّتاتٌ
تدفع الأفُقَ الأخيرَ إلى اضطراب بُزوغِه
فصرختُ فيكَ ارحَل معي
… وكتبتُ في صَمتِ الكتاب اقرأ معي»
وهذا مثال من قصيده التفعيلة التي تخلو من القافية وهو التطوير الأحدث، لكونها تلتزم الوزن العروضي، لكن خلوّها من القافية يجعلها أشبه بالمعبَر إلى قصيدة النثر التي تخلو من الوزن والقافية معا:
بيت
دخلتُ البيتَ أوّلَ مرّةٍ من بابِ
فُقدانٍ ومَرثيةٍ
تفيض عليّ آيتُها
مع الطرقاتِ كان الليلُ
يَمزجُ
خشيتي
بتوافِد الأشباح
وهذه قصيده نثر في شكلُها الخارجي، لانها تَستمرُّ أسطراً وراء بعضها صفحةً من النثر، لكنّها تقوم على تفعيلةٍ عروضيةٍ بشكل واضح:
مسار
ينساقُ من غَسَقٍ إلى غَسَقٍ كأنّ يَديهِ هاويتانِ هاربتانِ
تقتحِمان ذاكرةَ الوُشومِ هنا هُتافُ سُلالةٍ خضراء يَرسخُ
في السديم هُناك رائحةٌ توسِّع هجرةَ الأشياءِ كلُّ دَمٍ يُفتشُ
عن أخٍ في الصمتِ أيّةُ صرخةٍ اودعتُ وجهي عندها
لتتوهَ أحلامٌ وَحيداتٌ لتختطفَ اليدان تبعثراً في الموتْ.
وهذا مثالٌ أخير من قصيدة النثر التي تخلو من الوزن والقافية:
إليكِ
إصطدمنا في زقاقٍ لعلّهُ ارتعاشَةُ الكلام. لم يكن بيننا عِطرٌ. هدّدني الغناءُ.
نسيجٌ مُبَللٌ بهُجومِهِ. غفوةٌ على كتفي تنأى بأعضائي. معابرُ انحَفرت
في زُرقةٍ وحيدةٍ لنا معاً. أو ليَ وحدي. صباح الخير يا مَوجَ السفينة.
وهكذا نرى من أمثلة الشعر الحر هذه أنها لا تُشبه ما وصِفت به قصيدة الكوليرا بأنها من الشعر الحر.