الشعر الشعبي بالعاميات العربية أكثر طواعية: الإرتجال في الشِعر

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

الإرتجال في الشِعر مسألة تتطلّبُ حضور البديهة أوّلاً، مع البراعة في نظم الشِعر؛ وهذه من المسائل التي لا تتطلّب جدلاً ولا طول نقاش. ولكن النظر في أمثلة الإرتجال يجب أن يكون في إطار من الشك والتحقيق، عن طريق النظر في ظروف الزمان والمكان، في تعلّقهما بالشاعر وما يُنسَب إليه من أمثلة الإرتجال. وقد نبدأ بمثال من الشعر الجاهلي في معلّقة الحارث بن حلزّة اليَشكُري. تذكر كُتُب الأدب أن الحارث إرتجل بين يدي عمرو بن هند قصيدة من خمسة وثمانين بيتاً! أنا أجد هذا الكلام عصيّاً على التصديق، وأنظر إليه بطريقة الدكتور طه حسين في نظره إلى الشعر العربي القديم، وبخاصّة شعر العذريين. قصيدة الحارث التي صارت سابعة المعلّقات مثال من التركيب اللغوي السليم، والنحو المنضبط، والإشارات إلى العديد من الأحداث والشخصيّات في زمانه وقبل زمانه، بقافية صعبة المراس، وهي صفاتٌ في القصيدة أقنعت قضاة الحكم في سوق عكاظ بتتويجها معلّقةً تُكتب بماء الذهب وتُعلّق على أستار الكعبة، كما تذكر تواريخ الأدب. ولا أدري كم من عرب الجزيرة كان يُحسن الكتابة، وكم كان ماء الذهب ميسوراً لهم ليكتبوا به القصائد. أمّا أن يرتجل الشاعر قصيدة من خمسة وثمانين بيتاً، وهو بين يدي أمير أو كبير قوم فهو مثالٌ يصعب تصديقه اليوم، إلاّ إذا كان أهل الجاهلية يؤمنون بالمعجزات، حتى في مجال الشِعر.

وثمّة مثال آخر من إرتجال الشِعر، أقرب إلى التصديق، هو حكاية الشاعر العباسي أبو تمّام الطائي (ت 850م) شاعر المعتصم، الذي كان ينشِد قصيدة في مديح ابن الخليفة المعتصم، جاء فيها:

إقدام عمرٍو في سماحة حاتمٍ

في علم أحنفَ في ذكاء إياسِ

وكان في المجلس من الحضور فيلسوف العرب، الكندي، الذي كان معروفاً بمناكفة أبي تمّام، ربما غيرةً من حظوته لدى الخليفة، فحتى الفلاسفة ليسوا بمنأى عن الغيرة والحَسَد. وإذ كان أبو تمّام مسترسلاً في مديح ابن المعتصم بمقارنته برجالٍ أفذاذ قاطعه الكندي بقوله: أنت تُشَبّه ابن أمير المؤمنين بصعاليك العرب (استغلال الدين في السياسة!) فأطرق أبو تمّام هنيهة وأجاب مرتجلاً:

لا تُنكِروا ضربي له مَن دونَه

مثلاً شروداً في الندى والباسِ

فالله قد ضرَبَ الأقلّ لنورِه

مثلاً من المشكاة والنبراسِ

وهكذا انتصر الشِعر على الفلسفة، وبعد ذلك صمت الكندي دهراً ولم ينطق بعدها كُفراً.

وفي زمان أقرب إلى زماننا يُذكر مثالٌ من الإرتجال في الشِعر عند شاعر بارع معروف هو خليل مطران (1872-1949) شاعر القطرين مصر والشام. يُروى عن الشاعر أنه ارتَجَلَ مرّة هذين البيتين، ولا أدري في أية ظروف ارتجلَهما:

قالوا لنابليون ذات عشيّةٍ

إذ كان يرصُدُ في السماء الأنجما

من بعد فتح الأرض ماذا تبتغي

فأجاب أنظرُ كيف أفتتحُ السما

لكن ما يدعم الظن بصحة هذا الإرتجال أن الشاعر معروف بسعة اطّلاعه على الشعر العربي والثقافة الفرنسية. وأكاد المحُ في هذا الإرتجال نوعاً من خفّة الدم المصرية التي لم يكن الشاعر بمنأى عنها.

ومن أمثلة الإرتجال التي شَهِدتُها شخصيّاً عام 1990 يوم تكريم شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري بجائزة العويس في دُبَي.

والعويس، رحمه الله، كان يتعاطى القريض، ويحب الشعراء. وافتتح حفل التكريم بقصيدة يرحِّب فيها بالجواهري ويذكر منزلته في الشعر العربي الحديث، وكان الجواهري يجلس إلى جانبه. فقام الجواهري وارتجل هذه الأبيات على نفس الوزن والقافية والمستوى الفنّي في قصيدة العويس:

من الإمارات، من شُطآن شارقةٍ

على الخليج تعالى صاعداً قَمَرُ

يدور في فَلَكِ الآداب محوَرُهُ

فتى عُوَيسٍ وأندادٌ له غُرَرُ

سُمرُ الجباه، مصابيحٌ وجوهُهًمُ

يفاخِرونَ بما شادوا وما قَدَروا

وكلّما عندنا نحنُ الأُلى ادُّكِروا منّا

عليكَ سلام الله يا قَمَرُ

وأحسَبُ أن الشعر الشعبي، بعامّيّات العربية، أكثرُ طواعيّة للإرتجال، كما نجد في شعر العامية المصرية أو العراقية. ففي جنوب العراق أعدادٌ كبيرة من شعراء العاميّة الذين يرتجلون مقطّعات من الشعر بالعامّية وخصوصاً في قالب “الأبوذية”. وفي النجف نجد أمثلة كثيرة من الإرتجال في الشعر الشعبي، مع أن النجف منبت شعراء الفصحى، لأن الناشئة في النجف يبدأون بدراسة “نهج البلاغة” للإمام علي (رض) في أوّل عهدهم بالقراءة. وحتى النجفي من أصول غير عربية لا يقصِّر في ارتجال الشِعر العامّي. روى لي زميل نجفي أن جدّه الذي شَهِد ثورة 1920 ضد الإنكليز يذكُرُ مظاهرة قام بها جماعة من “الآخوندية” لغتُهم ذات لكنَةٍ شديدة غير عربية. وكان قائد المظاهرة يهتف:

 تژمّعوا  تَلَملَموا        مِسلِ خَلالة بالعِسِگ

نُشَگگ الإعلانات     نكسِّر الجامخانات

وما ننتي ڞريبات     تژمّعوا تَلَملَموا

كان زعيم المظاهرة يرى في ثورة العشرين احتجاجاً على الحكومة و”الضريبات” التي تدعو للتجمّع مثل خَلال التمر في عثوق النخل، لتمزيق إعلانات الحكومة وتكسير زجاج المكاتب !

وتكثُرُ الإرتجالات الشعرية بالعاميّة العراقية في المناسبات السياسية. ففي يوم الغزو الأمريكي للعراق وإنزال تمثال صدّام وسحله، تراكض بعض المبتهجين وراء التمثال طمعاً بالحصول على قطعة من “النحاس” المتكسِّر. وإذا بأحد الواقفين يصرخ حزيناً على ما يرى:

عنّك يا وَطَن مَگدَر أدير الراس

 لَن نص الشَعَب حبّ الوطَن شاله

ركضوا على الصنم لن بيه نْحاس

ومن طاح العَلَم مَحَّد ركَض شاله

ومن الشعر الشعبي المُرتَجَل “أبوذيّات” الشاعرة العراقية المبدعة لميعة عباس عمارة. فإلى جانب إبداعها في الشِعر الفصيح، وبخاصّة في موضوعات الحب والحنين للوطن، لديها مجموعة طيّبة من الشعر المرتَجَل بالعامية العراقية، بلهجة العمارة، تتّسم بالدعابة والظرف إلى جانب اللذعات التي تناسب الظروف.

وقد شَهِدتُ بعضاً من تلك “الأحداث”. مرّةً كان الحديث عن الكلمة الشعرية والكلمة غير الشِعرية. ولميعة ترى أن أية كلمة ممكن أن تكون شِعرية بيد الشاعر. وهذا رأي ووردز وورث زعيم الرومانسية الإنكليزية. تحدّاها أحد الحاضرين أن تكون كلمة “بصل” شعرية، فارتَجَلت لميعة:

وليفي من ورا الطوفة أبصله

أريده ولو على خُبزة وبصله

نَعنتَ الله على ابو الواشي وبَصله

فرگ روحين يالﭼانن سويّه

وجاء التحدّي الآخر: هذه الصبيّة اسمها شهرزاد. هل يصير الاسم الأعجمي شاعريّاً؟ الجواب:

سنة فراگك تحمَّلتَه وشهَر زاد

يَمَن حَﭼيَك عالمعنّى بشَهَر زاد

نذر لو لفَّت ذْراعي شهرزاد

تسِع ميّات أطشهن واهليّة ..

ميّات جمع ميّة أي مئة دينار، وأحسب أنها ورقة نقدية لم يَعُد لها وجود إلاّ في ذهن الأقدمين، ولكن المقصود أنها ستنثر النقود على الحاضرين ابتهاجاً بيوم العرس وتنطلق بالهلاهل والزغاريد.

ﭼا شلون! ﭼا وَحَد!

وهذا مثال آخر لا أستطيع نسيانه. في أحد مؤتمرات المربد الشعرية، في بغداد أيام الخير، كان يجلس معنا أحد المدعوّين “من وزن الريشة” ملأ صحنه ثلاث مرّات وراح ينظر إلى ما على المائدة الأخرى ليرى هل فيها أطعمة تختلف عن المائدة الأولى. ولما فقد الأمل من وجود أطعمة لم يَذُقها أخرج من جيبه علبة “سُكّرين” وطلب كوب شاي. فلما جاءه النادل قال له المحروس: هات لي “حليب لو فات”. لم يفهم المسكين معنى الطلب، وهو القادم حديثاً من العمارة، فسأل: ها، يعني عمّي تريد حليب مال قواطي؟ فانزعج المحروس وحرَمنا من رفقته وغاب. فبدأت لميعة تغرَّد:

ترِدّ الروح ريح الحلو لوفات

ومن يحﭼي يلوف العَگل لوفات

متين ويشرب الألبان لوفات

تفدّيه الجواميس الغبيّة…

أو هكذا التقطها ذهني وسط عاصفة الضحك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية