يبدو الخوض في موضوع التجييل مهماً، تاريخيا ونقديا، في التأشير إلى التجارب وبيان ما فيها من منعطفات أو عثرات، أو التعجيل ببلورة التجارب الجيدة كي تجد مكانها الذي يليق بموهبتها. وهو ما كان شعراء الستينيات قد مارسوه فوضعوا خبراتهم في متناول الشبان.
وقد يجد النقاد في الحوار بين الأجيال أهمية، بيد أن الغرض من وراء التحاور لا يكون إيجابيا دوما، فشعراء الستينيات المهتمون بالتجييل دخلوا في نقاشات حامية من أجل تثبيت مقولة إنهم (جيل ستيني) وإذا وجد حوار هادئ ونافع فإنه حصل بشكل عرضي، ولو كان حصل فعلا وقصدا لما كان المجال متاحا لشعراء الستينيات أن يتقاطعوا مع شعراء الخمسينيات في علنية ومباهاة.
وما من شك في أن مراد شعراء التجييل كان المراهنة على التنافر، سعيا إلى إثبات اللانسجام في ما بينهم وبين من سبقوهم، رافضين أي حوار ممكن أو تحاور مفترض معهم، متصورين أنهم بتكبرهم على الرواد وتنابذهم معهم سيكونون مفصولين عنهم شكلا ومضمونا، وكأن لا قيم ورثوها عنهم ولا تقاليد عليهم تمثلها كي يتجاوروا معها أو يتجاوزوها.
ولعل التدليل على القول بالانقطاع، تلفيقا وافتعالا في فهم مقولة (الجيل الستيني) سنجدها ظاهرة في عنونة كتاب الشاعر سامي مهدي بـ»الموجة الصاخبة: شعر الستينيات في العراق) والعنونة عتبة وبتجاور مفردتي الصخب والستينيات تكون دالة على أن في هذه السنوات اصطخابا حركيا غير اعتيادي، وكأن سنوات الخمسينيات والأربعينيات لم تكن هي الأخرى مصطخبة إلى درجة أن بعض دارسي الشعرية العراقية وانطلاقا من باب المقارنة بين العقدين الخمسيني والستيني، ذهبوا إلى أن الستينيات مرحلة انهزام وفوضى وتراجع وركود، كانعكاس لوضع عام شمل العالم العربي كله. ومعلوم أن الصخب دال على الاضطراب هرجا ومرجا ولا اضطراب دون مؤثر أو مسبب يؤدي إلى تأثير هو نتيجة أو عاقبة.
ولأن الأسباب تسبق النتائج حتما، يكون التواصل أمرا متحققا وتحصيلا منطقيا يدلل على أن أي صخب في الشعرية الستينية هو نتيجة متوقعة للتأثر بصخب سابق شهدته الشعرية الخمسينية. وهذا التعمد في اختيار العنونة بقصد توكيد الانقطاع الذي فيه إعلاء لشأن شعر الستينيات، اعتمده أيضا الشاعر فاضل العزاوي معنونا كتابه بـ»الروح الحية جيل الستينات في العراق» وواصل الدارسون اقتفاء أثرهما في التدليل على الجيلية الستينية. لكن لو كان شعر الستينيات متفردا فعلا بالروح الحية والموجة الصاخبة، فلماذا إذن لم يتصد لكشف ذلك الآخرون من شعراء الستينيات، ومن ثم اقتصر الأمر على الشاعرين سامي مهدي وفاضل العزاوي اللذين كانا وحدهما المهمومين بحمل صخرة سيزيف على كتفيهما في سبيل (جيل الستينيات)؟
لا مناص من القول إن مجهودات الشاعرين انصبت على استرجاع تجربتيهما الشخصية مع الصحافة الثقافية، وما تقلداه من مواقع حتى غدت هويتهما كصحافيين مثقفين موازية لهويتهما كشاعرين مميزين آنذاك. أما تجربتهما مع الشعر من قبيل أول نص كتباه، وكيف نشراه ومخاضات العملية الشعرية فلم يكن أمر التعبير عنها ممكنا؛ أولا لأن التوفيق في الاسترجاع بين العمل الصحافي والعمل الشعري ليس سهلا، فالمساحة التي أفردت للتعبير عن الكيفية التي تشكلت بها هوية الشاعرين الصحافية أرحب، وظلت لها الأولوية على طول الكت. وثانيا أن العمل الصحافي نفسه له مشاقه ومكابداته بشكل لا يتيح للمبدع أياً كان، شاعرا أو قاصاً فرصة التحرر التي هي ضرورية للتحليق بالخيال والتجول في حدائق الإلهام الشعري وفيوضه الروحية.
ومهما كانت مخيلة الشاعر ـ الناجح والمتميز في عالم الصحافة ـ كبيرة والإلهام وافرا، فإن الصحافة تأخذ من جرف إلهامه كثيرا، وتبقى مؤثرة فيه بسلبية قوتها التي تجره ليكون مبدعا فيها. وشتان بين النجاح في الصحافة والنجاح في الإبداع، لأن الأول يتحقق بالمتابعة والغوص في التفاصيل، بينما يقتضي الثاني تأملا وهياما في ما هو كلي ولا نهائي.
وعموما فإن الناقد الذي اكتسب خبرته من جراء ممارسته سابقا العملية الشعرية هو غير الناقد الذي يأتي من ميدان البحث والدراسة الصرفة دون أي مران إبداعي شعري أو قصصي. فالأول أدرى بالشعاب والدهاليز والخصوصيات، وربما يكون صاحب مشروع إبداعي خاص أو رؤى فنية خاصة، لكنه لم يقتنع بقدراته، أو لم تؤهله أن يتميز فيها فعافها وعرج إلى النقد متحريا التميز في نصوص الشعراء الآخرين.
ولعل الفضيلة الوحيدة في هذا التنازع بين الصحافة والشعر هو، أن صاحبهما سيكون على قدر من الاحتراف في كتابة التاريخ الأدبي، أي أن يوثق تفاصيل المشهد الأدبي بيومياته وشخوصه وتحولاته مفيدا من الأمرين معا، أعني الصحافة كمهنة والشاعرية كموهبة، والنتيجة طبعا تصب في صالح كتابة التاريخ الأدبي بمقصدية تأرخة ذاته، وإبراز مفاضلها أولا ثم التأرخة لمن يوافقه المبادئ ويشاركه الرؤى آخرا. وهل يكون للذات التي أرهقت سنوات عمرها ـ بحسب تصورها ـ في توطيد مكانتها في الصحافة الثقافية أن تتراجع عن توطيد مكانتها في عالم الشعر، الذي تحارب في سبيل أن يكون لها فيه موطئ حضور وتميز بين الشعريات المجايلة لها والمحسوبة معها ضمن الستينيات؟ هذا بالضبط هو ما جعل الشعرية العراقية تشهد ظاهرة جديرة بالفحص تتمثل في الشعراء المنظّرين، الذين جمعوا الشعر بالصحافة فكانوا نقادا يتقدمهم سامي مهدي وفاضل العزاوي ومن بعدهما فوزي كريم وخالد علي مصطفى وخزعل الماجدي وعبد الزهرة زكي ومحمد مظلوم وغيرهم من الذين كان تاريخ الأدب هاجسا لديهم يدفعهم إلى تدوين صفحاته، مفيدين مما لديهم من حس ناقد وذوق جمالي.. بينما لم يتسن ذلك لشعراء مثل سعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر وياسين طه حافظ ومن جيل تال كاظم الحجاج وموفق محمد وغيرهم. فهؤلاء كان الشعر ميدانهم الأوحد والأرحب. والملاحظة التي يجدر أخذها بنظر الاعتبار هي أن الشاعر المنظر غالبا ما يضيع في لجج التنظير، ويتحول إلى ناقد محترف وتصبح شاعريته طللا لا ينشغل حتى بالبكاء عليه، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. وهذا يصح في المجال القصصي أيضا، وقد يذهب بعضهم إلى صياغة ذلك بمعادلة ذات طرفين واضحين (أن الناقد الناجح شاعر أو قاص فاشل)
وعموما فإن الناقد الذي اكتسب خبرته من جراء ممارسته سابقا العملية الشعرية هو غير الناقد الذي يأتي من ميدان البحث والدراسة الصرفة دون أي مران إبداعي شعري أو قصصي. فالأول أدرى بالشعاب والدهاليز والخصوصيات، وربما يكون صاحب مشروع إبداعي خاص أو رؤى فنية خاصة، لكنه لم يقتنع بقدراته، أو لم تؤهله أن يتميز فيها فعافها وعرج إلى النقد متحريا التميز في نصوص الشعراء الآخرين. ولا ينجو من هذه المصيدة سوى من كانت شاعريته أكبر من تنظيره، كما هو الحال في تجربة نازك الملائكة وأدونيس، وكذلك من أنصب تنظيره على مشروعه الإبداعي والترويج له مثل سامي مهدي وفاضل العزاوي. ويظل الشاعر سامي مهدي رائد الشعراء المنظرين الستينيين، ليس لأنه السابق زمنيا في تدوين تاريخ الشعر الستيني حسب، وإنما أيضا لالتفاتته المبكرة إلى أهمية تأليف كتاب مستقل يضع فيه تصوراته للشعر ونقده ويؤرخ الأسماء والأحداث ويؤشر إلى فاعلياتهم الشعرية.
ومن هذا الباب لفت كتابه «الموجة الصاخبة» أنظار الأوساط الأدبية وكان وقعه على الشعراء خاصة كبيرا، كونه أعطى للستينيات زخما وهو يجيّلها لوحدها ويقطعها عما سبقها، فضلا عن تحفيزه الآخرين ـ وهذا هو الأخطر ـ على السير في دروب التجييل العقدي الذي كان لتعميمه منافع جمة وآثار حسنة على مستوى الشعراء طبعا، لكن كانت له مغالطاته على مستوى النقد وفاعلية النقاد أيضا. ولم يكن الأمر بالعرضي أو الطارئ بالنسبة لشاعر مثل سامي مهدي وهو يؤلف كتابا قال إنه استغرق من جهده زمنا طويلا فأنجز جزءه الأول وهو سرد سيري عام 1978، ثم أتم جزءه الثاني الذي هو أقرب إلى التحليل النقدي عام 1989 حتى نشره في عام 1994، ثم أعاد طبع الكتاب مرتين ووضع في الطبعة المنقحة زيادات في الحواشي كان في غالبيتها يرد على آراء الشاعر فاضل العزاوي في كتابه «الروح الحية» الذي ألفه أصلا للرد على آراء الشاعر سامي مهدي في كتابه «الموجة الصاخبة». ويخيل إليّ أن هذا الكتاب لو بقي بجزئه الأول لكان أقرب إلى توكيد الغاية التاريخية، أي أن الشاعر ألفه كجزء من تاريخ شخصي أرشف فيه مسيرته المهنية وهو فيها حر في أن يُفصح هنا ويداري هناك، ويتقول على هذا ويماري في ذاك، بيد أن إضافة الجزء الثاني إلى الكتاب وجهه وجهة أخرى، فلم يعد التاريخ الشخصي هو المقصود حسب، بل اتسع إلى التاريخ الأدبي لشعر الستينيات لا في كل سنواتها العشر، وإنما في بعض منها، هي ليست عهدا ولا هي مرحلة، كما أسلفنا، فما كان من المؤلف إلا أن انتدب نفسه لتمثيل هذه السنوات، ساردا أحداثها بلسان المجموع ومؤرخا ينبغي أن تكون الأمانة والموضوعية أهم مقتضيات أداء هذا الدور، كي لا تؤخذ عليه مثالب ولا يقع في مطبات هو في غنى عنها إن التزم بكتابة تاريخه الشخصي.
وتظل الأسبقية للشاعر سامي مهدي في محاولته كتابة تاريخ الشعر في الستينيات، نائبا عن شعراء هذا العقد. وهو ما حدا بالشاعر فاضل العزاوي إلى الدخول في خط كتابة التاريخ مجيلا أيضا شعر الستينيات، وصار التجييل العقدي ـ بسبب همة الشاعرين وحماستهما ـ شائعا وطبيعيا في النقدية العراقية.
كاتبة عراقية