ثمة ما يشبه طقسا جنائزيا، يسود الحديث عن الوضعية «المأزومة» التي يوجد عليها الشعر. ومصدر هذا الطقس، تسليم المؤبنين، بتقلص حضوره الإبداعي على إثر الانقلابات العنيفة والحثيثة، التي تعصف بذائقة التلقي الجمالي، حيث أمست كتابة الشعر من وجهة نظر هؤلاء، ممارسة متقادمة، هي الآن في طريقها إلى الانقراض، ما دام «الشرط الحضاري» لم يعد، يسمح بالاستمرار في الاستجابة لغواية جنس أدبي، أمسى غير مؤهل للتفاعل مع زمن ملتبس، ومحاط بغيلان السرد. والحال أن الأمر يتعلق بخلط كبير، يشوب عناصر الفهم المتعلقة بهذه الإشكالية.. لعل أهمها مقاربة واقع الشعر على ضوء تلك القوانين التقليدية، التي هيمنت لعقود خلت على تلقي القصيدة. وهي باختصار شديد، قوانين تضرب بجذورها العميقة في تربة الشعرية العربية القديمة، حيث تحضر بقوة، السلطة الرمزية التي كان يتفرد بها الشاعر، بوصفه مؤهلا أكثر من غيره، لإسقاط خيام الأعداء على جماجمهم. وهي سلطة تستمد هيبتها من عامل تصعيد النبرة الخطابية، والاحتفاء المضاعف بمقوم الجزالة، وغنائية الإيقاع.
وهذه الرؤية التراثية، هي ذاتها التي تنادي بها التوجهات الشعرية، المتبنية لمقولات الانبعاث، بما هي محفزات لاستنهاض الهمم، واستعادة لقيم الهوية، الكفيلة بإحياء روح الثقافة العربية من جديد بعد مواتها، كي تتمكن شعوبها من التصدي لمختلف الانتكاسات التي منيت بها من الماء إلى الماء. وهي بهذا المعنى القناعات المكرسة من قبل الاختيارات الأيديولوجية المضادة، التي دأب اليسار العربي على اعتمادها في نضالاته الشرسة، ضد الأنظمة الشمولية، من منطلقات أممية وتحديثية. والمقاربتان معا تلتقيان في مبدأ المراهنة على البعد الجماهيري، الذي يفترض أن تضعه القصيدة أمامها، بوصفه أفقها الثابت الذي ليس لها أن تفرط فيه. وسيكون من الضروري في هذا السياق استحضار روزمانة المهرجانات الشعرية الكبرى، التي كانت العواصم العربية تتنافس في تنظيمها، كل من منطلقاتها الأيديولوجية، المنسجمة مع رؤيتها السياسية للواقع العربي.
ففي خضم هذه المهرجانات، كانت القاعات تزهو بظهرها وهي تغص بمختلف الشرائح الجماهيرية، حيث تتاح الفرصة للشاعر كي يتباهى بنجوميته، وقد انخرط في منافسة حقيقية مع ذاته، ومع باقي الشعراء المدعوين، معززا بتزكية حلفائه ومؤيديه. كما أن حظوة النجومية، تشمل إلى جانب الشعراء، فئة خاصة من الحضور، التي يعول عليها في مهمة تصنيف الشاعرات والشعراء، الذين تغص بهم منصة الإنشاد. ومباشرة، بعد اختتام طقس الإلقاء، يبادر المنشط بفتح النقاش حول ما تم إلقاؤه من قصائد، مفسحا المجال لهذه الفئة «من الخبراء!» كي تعلن عن قراراتها المصيرية. وهو تقليد مغربي، كان ساري المفعول طيلة سنوات السبعينيات، وبداية الثمانينيات من القرن الفارط. ولربما كانت الحصة المخصصة للنقاش، أكثر أهمية من الأمسية الشعرية، لأنها تتيح الفرصة للفصائل الموجودة في القاعة، كي تصفي حساباتها السياسية في ما بينها، وطبعا على حساب الشعر والشعراء، حيث يجاهد كل فصيل على حدة، من أجل الانتصار إلى شعرائه، عبر إمعانه المبرمج سلفا في نسف قصائد شعراء الفصيل المناوئ. وغالبا ما تتم عملية النسف، انطلاقا من التقاط بعض الوحدات المعجمية الواردة في القصائد المرفوضة، التي يرى فيها المتدخل /الناقد تجسيدا لرؤية انهزامية ومتخاذلة، جديرة بالفضح والتشهير. بمعنى أن الشاعر يكون مطالبا وضدا عليه، بالانتماء إلى هذا الفصيل أو ذاك، من أجل تأمين حمايته النقدية، سواء داخل القاعة، أو داخل المشهد الشعري ككل. وكانت الفرق/القوى المتدخلة، تعتبر امتدادا ضمنيا وعضويا، للتنظيمات الحزبية المتناحرة في الساحة السياسية، الرسمية منها والمحظورة.
ويتعلق الأمر هنا بحرب مفتوحة بين اليمين، واليسار، ثم بين اليسار واليسار. والشاعر مطالب خلال ذلك، بالإعلان عن موقعه، قبل إعلانه عن أي رؤية جمالية وفنية، لها علاقة من قريب أو بعيد بالجملة الشعرية. وكلما تضاعفت نسبة المحتشدين حول الشاعر بفعل عامل الانتماء الحزبي، على ضوء خبرته بآليات التجييش، إلا وازداد قربا من دائرة الضوء، ومن دائرة القرار النقدي، الذي كان هو أيضا يستمد مصداقيته من قلب هذه الأجواء. والطريف في الأمر، أن ضراوة هذه النقاشات، ساهمت بشكل كبير ليس فقط في تصنيف الشعراء من حيث الأهمية والجودة، بل أيضا في إسكات غير قليل من الشعراء، الذين تم نفيهم وإقصاؤهم تلقائيا، وإلى الأبد، خارج مدارات القول والإبداع. لا لشيء، إلا لأنهم لم يكونوا مهيئين مزاجيا للدخول في هذه اللعبة الشائكة، والغالية التكاليف على الأصعدة كافة، خاصة حينما يتم الأخذ بعين الاعتبار، أن مجرد حكم يتيم «نقدي» ومناوئ، ينتزع بشكل عشوائي ومجاني من مدونة أيديولوجية تحظى بسلطتها التداولية في القاعة، يكفي لنسف تجربة الشاعر المستهدف إلى الأبد.
وكما هو معلوم، فإن الفضل في تكريس غير قليل من الأسماء الشعرية والنقدية، يعود للشروط العجائبية التي كانت حاضرة بقوة في خلفية تنظيم هذه المهرجانات. والخطير في الأمر، أن عدوى الأحكام المبتسرة الصادرة عن أبواقها التصنيفية، عرفت امتدادها في الأطاريح الجامعية، التي دأبت على اعتمادها مرجعا أساسيا، في تأطير رؤيتها النقدية للمشهد الشعري، مساهمة بذلك وبشكل فعال، في إفساد الخطاب النقدي، الذي لم يشفع له في شيء، تهافته المدرسي على آخر ما تروج له التيارات الغربية من مناهج ومدارس. وهو إفساد كان من نتائجه المأساوية، وضع خرائط مشوهة وممسوخة، للشعر المغربي الحديث.
وبفضل الانهيارات الحثيثة والمتسارعة، التي شملت التنظيمات السياسية كافة، بمختلف أطيافها وانتماءاتها، كان من الضروري أن تنفض حشود هذه المهرجانات التي لم يعد لاستمرارها أي مبرر موضوعي، كي يستعيد الشعر جراء ذلك، ما أمكن من مقومات هويته، بعيدا عن تكالب الدخلاء. هكذا سينفض الحشد، وإلى غير رجعة، بعد أن كشفت اللعبة عن بؤس مستورها، وبعد أن تمكنت السلطة في نهاية المطاف وبكل سلاسة، من استدراج الفصائل المتناحرة إلى المأدبة، كي ينشغلوا بافتراس ما توزع عليها من غنائم، بدل الاحتشاد في القاعات بحثا عن طرائد المجاز، المتطايرة من قبعات الشعراء السحرة.
فأي حديث عساك تتوقعه إذن عن حاضر ومستقبل الشعر من قبل هذا الرهط الذي لا صلة لهم من قريب أو بعيد بما قل من صفاته ومن أسراره، وحيث المصادرة على تراجع الشعر، ليست في الواقع أكثر من مصادرة صريحة على تراجع أزمنتهم الهجينة، والمنخورة بأعطابها المعرفية التي تلزمهم بالبقاء هناك، حيث لا أثر لضوء الحرف، ولا أثر لأطياف شعرية الكلام.
شاعر وكاتب من المغرب