الشعر كما يتجلَّى تشكيلياً: تأملات في ديوان «أشجار الكلمات»

«نستطيع أن نتحدث فقط من خلال لوحاتنا»
فان كوخ

كل شعر هو جمال في جوهره، وكل جمال هو شعر في كينونته، وهذا ما يسعى إليه الشاعر دائماً من خلال إلهامه وموهبته في جعل إبداعه وابتكاره يماثل ذلك كله، فيبَذَر الكلمات ويزرعها في القصيدة فتنبت جذراً في الفكرة، وجذعاً في القصيدة، وأغصاناً في الخيال تتدلى منها تراجيديا الحياة مع إحساسٍ كامنٍ بالدراما، ومن ثم تنمو لتصبح أشجاراً تماهي الطبيعة والحياة في مجازها الأمثل، هذا ما دونه الشاعر عدنان الصائغ؛ في المختارات الشعرية «أشجار الكلمات» التي اختارها وقدم لها ثلاثة من النقاد المميزين هم حاتم الصكر، حسن ناظم، ناظم عودة، وهذ أمر نادر الحدوث، والصادرة بطبعة أولى عن دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة، عام 2015، وبطبعة ثانية عن دار صوفيا للنشر والتوزيع في الكويت، عام 2022، فالشاعر يملك روحاً شاعرية وثَّابة، وكينونة خصبة من فضاءات الوعي، يرافقه هذا القلق الوجودي والفتنة الجمالية المندفعة في اتجاه الحياة، بين التراجيديا المؤلمة، والتعلق بالحرية بفعل فائض الرغبات، فتشرق روحه بالشعر.
تُفتتح مختاراته الشعرية بقصيدة «العراق» التي شكَّلها كخطى جلجامش، ليخبرنا أن جلجامش اختصر فكرة العراق منذ البدء، فهو المسافر الأبدي في التاريخ بحثاً عن الخلود، فكل الكلمات/ الخطى هي مفاتيح لقصيده في التكوين، ونشيد للعراق (أوروك) في امتداد الزمن:

العراق
عِنْدَما الأرضُ؛ كوّرها الربُّ، بين يديهِ
ووزّعَ فيها:
اللغاتِ
النباتَ
الطغاةَ
الغزاةَ
الحروبَ
الطيوبَ
الخطوطَ
الحظوظَ
اللقا…
والفراقْ
أثناء قراءتنا ومشاهدتنا لأشجار عدنان الصائغ سنجد أن القصيدة لديه تصبح فعل تشكيل ينتمي إلى أغصان الكلام في شجرة الكلمات التي بقيت على قيد الحياة، وعلى قيد الشعر الذي تجلى تشكيلياً، وسنجد أن الغواية لديه بفعل انبثاق الفعل الشعري، مفتوحة بين اللوحة والقصيدة، بين الشعر والتشكيل، وهذا الفعل الشعري/التشكيلي يحضر بقوة في قصائده، فيخفق به قلب القصيدة وتنبض به الكلمات، وسنجد أن كل صفة للقصيدة هي تماماً صفة الشاعر، في هيئتها وتقنيتها وابتكارها الجمالي، وقوة أدائها، وفرادتها، وسنجد أنها تعبير ذاتي عميق عن قلقه الوجودي، ومعادل رمزي للتشكيل المستخلص من اللحظة الشعرية فالشاعر يكتب قصائد على إيقاع الغربة، على إيقاع الوقت الذي يتداوله ويأسر زمنه المطلق، بينما إيقاعات الحياة الوجيزة تتخلل القصيدة عبر نقاط جذب متتالية، فالشعر لديه وسيلة قوية للتعبير عن رؤيته وتجربته الإنسانية فنقرأ في قصيدته تشكيل 3:
عزلتي..
اكتظاظٌ
داخليٌّ
لستُ وحيداً
وحدتي
معي
وحدتي
مليئةٌ بالنوافذ
أطلُّ منها عليَّ
تكراري
لا.. يُكرِّرُني

قراءة افتراضية للألوان

الشاعر يشكّل الأيام ويشاكلها، في عدة لوحات شعرية تتشكل عبر تكوينات تجريدية وتنتظم كأنها في لوحة تكعيبية، فهي بإيجاز بليغ تجسيد لحالة الشاعر عبر مسافة الزمن، وهو في البعد البعيد وانكسار الروح، الذي يتسع ويكتظ في متراكم الغربة عبر ديار غريبة، سنجد أن هناك ظلالاً في السواد، ثم يحضر بعد ذلك اللون الرمادي الذي توالد، في المسافة بين الغربة والاغتراب، هكذا تأتي الموسيقى كموجات في أثير الألوان، تجريد على اللون الرمادي، المفتوح على الأفق، الذي يطوي فيه كل احتمالات حضور الأزرق والأبيض، هذا ما انطوت عليه فيزياء الكلام ودوّنته كيمياء المشاعر، موسيقى رمادية بتدرجات الانبهار على مقامات الدهشة، في توليف لونيٍّ متناغم، مقياساً للزمن في الغربة الذي يجب أن يمر بين الحضور والغياب ثم الحضور. قد يشعر المتلقي أن قصائد الصائغ تلامس فيه حالة بعينها، فهي كالمرايا تعكس منا بقدر ما تعكس من الشاعر، وتخلق حواراً شعرياً رائعاً يكسر حاجز المكان والأبعاد، وسنجد أن الكلمات وحدها كانت تقول كل شيء في اللحظة ذاتها، بعد أن رسم الشاعر ملامحه على امتداد المرايا فنقرأ في نص مرآة 4: في الليلِ
أرى شخصاً آخرَ
لا أَعْرِفُـهُ
يَتَعَقَّبُني
فأغذُّ خطايَ،
وأسرعُ
أسمَعُهُ يتوسّلُ خلفي:
– اصحبْني ظلاً لاً لاً
فأنا أخشى أنْ أمشي منفرداً في الطُرُقاتْ

المشهد السينمائي في النص الشعري

إن التشكيل كما الموسيقى، فهما يختزلان الكثير من المفاهيم، ويشتركان معاً في مركز التكوين المتناظر في القصيدة، فابتكار تشكيل لوحة داخل قصيدة شعريه بتدافع صوري متدفق بحماس هو أقرب إلى حركة الفعل السينمائي، وما يؤديه من أفعال واستقدامات واسترجعات مليئة بموسيقى تراثية تنمو وتتصاعد في تكوين القصيدة، وتتجاوب مع يقينها وتحيله إلى فكره كفكرة الصوت وصداه، الذكرى والحاضر، ويؤيد ذلك حضور زمنها الذي ولدت فيه وتعضّدها حركة الزمن في القصيدة، فكأنما الشاعر يسترجع الحياة ويختزلها، في هذا القرب الواسع، فيكتب الحياة في قصيدة، فيقول الشاعر في كولاجه الشعري «صعاليك حسن عجمي أيضاً»:
تزحفُ أعمدةُ الكهرباءِ ورائي، مديرةً ظهرها
والمدينةُ تزحفُ أيضاً،
ومديريَّةُ الأمن،
والنصوصُ
والشتائمُ،
وأغاني وحيدة خليل:
«ماني صحت يمه أحا جاوين أهلنه
جاوين أهلنه..
جاوين»
يكمن سحر القصيدة لدى الشاعر عدنان الصائغ في التحول من الشائع في اللغة إلى النادر والمبتكر في التشكيل والدهشة من خلال عرض مفاهيم بصرية دراماتيكية مع تكوينات متقنة ومتوازنة للحظة الشعرية تضفي عمقاً وجمالاً على الصورة، من خلال سيناريو، بيد أنه مكثف جداً كثافة الحياة اليومية لتصبح أشبه بـ«المشهد السينمائي» على حد وصفه اللقطة / الصورة الشعرية من زوايا مختلفة تسلط الضوء على الجمال غير المرئي حتى تنبض الكلمات بالحياة، مع الحفاظ على عنصر المفارقة الشعرية فنقرأ في كولاجه أيضاً:
أَيَّةُ حياةٍ مرّةٍ!
نلوكها باشتهاءٍ أجوفٍ،
بعدَ كلِّ حَسْوَةٍ أو قصيدةٍ..
أُشعِلُ شموعَهم في ليلِ منفاي
سائراً؛ والحنين ينبضُ بين ذراعيّ
يستطيلُ شوارعَ تأخُذُني إلى هناك
مختنقاً بأجراسي المُبلَّلةِ كجيشٍ عائدٍ من الحربِ
وعلى كَتِفَيَّ الهزيلتين تَعْبُرُ الأممُ والأكياسُ والطبول..

موسيقى بصرية بألوان مائية

وفي قصيدة خيوط سنجد هذا التحول المدهش من الانطباعية الى السريالية، بعد أن شكل الشاعر مشهداً رائعاً عبر فيض الكلام، فهذه الكلمات أقرب للتعبير في توزيع مقاماتها بألوان مائية على موسيقى الكلام، ﻭﻫﻲ ﺗﺆﻛﺪ قدرته على جعل هذه الإيقاعات مرئية وناصعة في امتدادات إيحائية تسرد وتومئ، بإيجاز ناضج ومليء بالحيوية ومفعماً بالموسيقى في نسيجها النهائي والمكتمل، كفكرة قبل الكلمات، فالشاعر استطاع أن يدون فعل الطبيعة المنبثق من أشياء كثيرة، وبصيغة مبسطة للشعر:
خيوط
وحيدة تَجلِسُ أمامَ النافذةِ
تحوكُ الصوفَ
رجلٌ عابرٌ وحيدٌ
يسحبُ الخيطَ
يسحبُ النافذةَ
يسحبُ المرأةَ
يُدخِلُ سِنَّارتَهُ فيها
ويظلُّ يحوكُ
هكذا يَنسِجان أحلامَهما
كلَّ يومٍ
وبينهما خيطٌ مهموسٌ…
لا يصل
إنَّ الناظر إلى تجربة الشاعر عدنان الصايغ خلال تلك المختارات «أشجار الكلمات» سيجد أنه وبدافع الإبداعي في محاولةٍ لخلق استعارات مألوفة، لتدوين حركة روحه في الغربة، ابتكر تعابير بصرية لمشاهد تناظرية مليئة بالقلق وتماثل الحياة في اللوحة والقصيدة، إنها اللحظة الدراماتيكية تمنح ذاتها للشعر، وهذا يذكرنا بلوحة مارك شاغال (أينما تريد الابتعاد عن هذا العالم) الذي استعار عنوانها من قصيدة لبودلير، الذي استولى فيها شاغال، على الحركة السرية لروحه بأسلوب تكعيبي، وسيجد انعكاس روح الشاعر على الكلمات، كانعكاس صورة قارب في الماء عند الغروب، فالشاعر جعلنا نستوعب المعنى العميق للغربة، في تأثيرها العاطفي للكلمات وحضورها شعراً في تشكيل اللوحة وبما توحي إليه في الألوان، بينما الكلمات المضاءة في التشكيل على نوافذ التأويل المشرعة على شاطئ القصيدة البعيد تلقي انعكاساتها اللامعة على الماء، وتذهب بالسبب نحو الرؤيا، بحيث يظل المشهد شعرياً في تأثيره العاطفي. يأخذ كثافة غنية في الحضور المحض للشعر الحي الوفي للحياة والأشياء بلغته المتوهجة، فيبقى الشاعر على قيد تشكيل لحظته الشعرية، حتى إن دوّنها بالكلمات واكتسبت هويتها من الريح، متفكراً في الحياة، وكيف يدخل الشعر في تفاصيلها اليومية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية