‘ما يفوق الوصف’ للشاعرة سوزان عليوان:
بيروت ـ ‘القدس العربي’: لا تكتب الشاعرة اللبنانية سوزان عليوان قصيدة النثر من وجهة نظر نخبوية الألم أو من وجهة نظر خيبة الأمل أو حتى من منظور ‘الحزن النبوي’ الذي يتجول في عيون الشعراء بل تكتب الشعر من منطلق الغرابة تلك الغرابة التي تمنحنا الإقامة في حيز ما في اللغة وفي الوجود. حيز غامض وملتبس غير الحضور أو الغياب، غير النسيان أو الذاكرة، غير الحافة أو الهاوية. إنها الإقامة في اللحظة التي تخترقها الدهشة من أقصاها إلى أقصاها. ولا أقصد هنا باللحظة ما سينهار في النسيان بعد قليل. إنها اللحظة التي وصفها شارل بودلير يوما ما في ‘أزهار الشر’ قائلا ‘إني أحب تلك الغيوم تلك الغيوم الرائعة التي تعبر هناك هناك’ .. ففي ديوانها الأخير ‘ما يفوق الوصف’ تجسد سوزان عليوان دهشة هذا العبور كمغامرة انطولوجية إلى اللحظة الشعرية التي تستوعب الماضي والحاضر والمستقبل في آن. وتتوغل الشاعرة عميقا في الألم والحب، في النسيان والانكسار، في الشعر والاغتراب، كما لو يتعلق الأمر باقتفاء زرقة نهر يجري على نحو يفوق الوصف أو بتمجيد حياة منفلتة من عقالها. تقول الشاعرة:( قسوتي / لأقصى ما يحتمل القوس.) ( الحنان/ حتى أعمق قطرة / في بئري). ( فقط لأني كبحر/ أغرق وأنجو بمفردي). تنتقم سوزان من الخسارة بإغراق العالم في الغرابة والمحبة والهدايا. عالم لم يورثها غير خيبة الأمل وتلك العزلة المأهولة بالغرباء والتي تجعلك تبتسم للأحجار وتلامس الروح وتحمي الدهشة من الذوبان مع المطر. في مجموعتها الأخيرة تنحاز سوزان إلى الممحاة والمحو وإلى الكتابة على الكتابة، وتموجات التذكر والنسيان محاكاة الأثر والأصل واللعب بالضمائر، الشيء الذي يجعل الديوان يأخذ شكل أوبرا خافتة بعيدا عن أجراس اللغة وقريبا من الحب كخلفية تراجيدية لعطب الوجود. لذا أجدني لا أميل إلى ما ذهبت إليه الشاعرة والناقدة صباح الزوين، رغم الاحترام الذي أكنه لكتاباتها، حينما عاتبت الشاعرة في مقال بعنوان ‘لماذا يا سوزان؟’ بقولها: ‘بقيت على لغتها، على ثباتها في ما كانت تكتبه، ليتها لم تنقل إلى كتابها ما قرأته في قصائد من غير صنعها. أعرف أن الوعي اللاشعوري هو الذي يتحكم ببعض الشعراء أحيانا ً أثناء الكتابة، فيستخدمون محطات شعرية أحبوها لدى الغير، ورغم معرفتهم بما ( يرتكبون)، يصرّون على ما يقومون به، لكن أعرف أيضاً أن على النقد الصحافي أقله، وهذا ما يمارسه معظمنا، أن يكون شفافا وصريحا، أن يكون مكانا ً ثقافيا ً محضا، لا محطة بهلوانات ومقاولات منها من باب النكاية ومنها الآخر من باب الجهل’. أولا، إننا نعشق الكتابة من خلال كتابات الأصدقاء الأموات والأحياء.
ثانيا، الشعر لا يتقوى إلا بالردة الشعرية.
ثالثا، أجمل ما في اللغة الشعرية هي أنها تمنحنا امكانية التخلي عنها.
أظن أن هذا ما فعلته سوزان عليوان في ديوانها والذي يشكل انعطافة أساسية في تجربتها. لقد سلكت طريقا غير معتاد في غابة قصيدة النثر.