باريس ـ من الطيب ولد العروسي: صدر في باريس، عن منشورات ‘لاروماتان’ الفرنسية، ديوان شعر بعنوان ‘الدوائر: عالم نجاة مكي’ ‘ Les sph’res، lUnivers de Najat Makki”، التقت على صفحاته كل من الفنانة الإماراتية نجاة مكي، والشاعر الفرنسي بول هنري ليرسون Paul Henri Lersen . يمتزج في هذا الديوان الشعر مع الرسم الذي يسمو بألوان زاهية تتجاوز الحدود الجغرافية للمكان لتعانق الكون، ليؤلفا معا لوحتين رائعتين تخترقان الحدود، تلجان في صدى الفنانة نجاة مكي الآتية من الإمارات العربية المتحدة المقيمة حاليا بمدينة الفنون الجميلة العالمية بباريس، حيث تنشد عن تواصل البحث عن ‘تحفة تشكيلية تغزوها رؤى دائرية ملبية عالم شعر بول هنري ليرسون الذي تميزه حيوية التبادل الثقافي’، هذا ما تؤكده الشاعرة والقاصة نيكولا باربار في تقديمها لهذا العمل.التقت الفنانة مع الشاعر، لأن كلا منهما ترجم للآخر، فهي راحت تواجه إغراءات الأضواء من خلال ‘أصداء الكون حيث نرى وجوه نسائية ذات أعمار مديدة تعطينا آمالا في نطاق لا نهائي للأجسام، إذ تنعكس في المرآة الأعمال والصور عبر توالد البراعم نفسها لإبداعات الشاعر بول هنري ليرسون المتمسك بقيم الكائنات وتنغيماتها وترديداتها لمعانيها التي ينتج عنها مناجاة غير معهودة’، فهذا التلاقي بين الشعر يلج بنا عالما يجعل من كل منهما يكمل الآخر ويزيده رونقا وجمالا.وجدت أعمال الفنانة نجاة مكي صدى كبيرا في الأوساط الباريسية، مما أثمر هذا الديوان الشعري الذي يسجّل احد اللقاءات التي أبى كل من الشاعر والفنانة الا أن يجسداها في عمل شعري فني، حيث رافقت كل قصيدة لوحة فنية، وهي تعبر عن تجاوز الحدود لتعانق الإنسانية، وتبين بأن الإبداع يجب أن لا يحصر في وطن أو في حيز جغرافي، فمن يرسم يعرف أن في الضفة الأخرى هناك من يكتب ليجسد أو يقترب من هذه الرسوم ومن رسالتها، وهذا ما وقع فعلا لدى التقاء الدكتورة نجاة مكي مع الشاعر ليرسون، فجسدا عملهما هذا في هذا الديوان الشعري المليء بدلالات ترتكز أساسا على العطاء والمراد منها خلق جسر للحوار، وهو فعلا يعكس جهدا كبيرا في تقديم رسالة بديلة تعطر بالصداقة وتعانق آمال الإنسانية للعيش الكريم معا وفي حوار دائم، حوار غني، لا متصلب يرى الآخر بأنه غير مرغوب فيه، وهذه اللقاءات يجسدها أناسا في مستوى كل من الشاعر والفنانة لأنهما مسكونان بالجمال وبحب الإنسانية.الجدير بالذكر أن الفنانة نجاة مكي ولدت في دبي، وهي أول فنانة إماراتية تحصل على منحة حكومية من أجل متابعة دراستها الفنية خارج الإمارات، حصلت على شهادة الدكتوراة من مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة، وهي تستقبل اليوم في الحي الجامعي للفنون الجميلة بباريس كبادرة طيبة، واعترافا بها من المؤسسة الوطنية لفناني الإمارات العربية المتحدة، وهي رسامة معروفة بفضل أعمالها الموجودة في متاحف العالم أو في المجموعات الخاصة.أما الشاعر بول هنري ليرسون فهو حاصل على دكتوراة دولة في المسرح، وهو الذي أسس فرقة الشعر لمدينة فوجير الفرنسية foug’res، يتفق أغلب النقاد على التأكيد بأن اهتمام الشاعر هو عبارة عن تساؤل متواصل عن معنى البعد الأساسي للإنسان،’أي ذلك الكائن الموجود في صمت داخل جسم، وهي نظرة رأسية ناطقة متناغمة مع الكون الذي نحن منه وهو عبارة عن جزيء عابر’.التقت أعمال نجاة مكي التي تعبر عنها قائلة: ‘طريق للقمر، طريق للنساءهل تستطيع يداك استقبال غير الهباء؟.لأنها تستقبل ‘هباء الأنجم لإبداع عالم في شكل سماوي مبني على ضجيج داخلي للكون، ومنه تبرز أطياف أنثوية، نساء آلهة، نساء غوغائيات، نساء لولبيات، نساء زيجات، نساء تقيات الخ’.يمكننا القول بأنها أبدعت نشيدا للنساء على أرضية قمرية، في شكل دعاء قوي ولكنه لا يخفي الهول الذي عاشته المرأة في عصرنا الحاضر. فهذه اللولبية تؤشر إلى الدوران الذي ينبغي على النساء أن يتحكمن فيه ليصلن إلى الكلمة الحق. إن هذه الكلمة الحق أعطيت ‘لهن بواسطة الفن الذي يحيي الجمال والطيبة والسلام’، كما تركز الفنانة على المرأة كنموذج والقمر كمظهر، مما يجعلنا نتأمل في كثافة الألوان الوحشية غير المتوقعة والتي يصعب لمسها..إنها معركة الفنانة ضد نفسها، ‘وضد العنف الصاخب الذي يعرفه العالم، فهي قبل أن تختم النقاش عن مكانة المرأة، تبرز مكانة الفنانين’، وهي رسامة في حركة لولبية تبين طاقة نجاة مكي في احتضان الضوء والموضوع، لأن ملامح الريشة تطرح السؤال التالي: ‘ إلى أي لون كوني ننتمي نحن ؟’.تلتقي الفنانة المرأة في كل مكان كما تؤكد على ذلك في لقاء أعطته للجزيرة ‘ المرأة في لوحاتي هي عالم قائم بذاته، أراها في كل شيء، عندما أقف امام البحر أرى المرأة كأنها تسبح في هذا البحر، المرأة بها قوة فتستمد قوتها من البحر، قديما كانت المرأة هي التي تقف مع الرجل في غيابه إلى البحر، فهنا ربطت المرأة بالبحر’ ثم تواصل قائلة: ‘ عندما أجلس امام البحر أنظر إلى الأمواج لأرى من خلالها موسيقى، في هذه الموسيقى أرى إيقاعا للمرأة في كل شيء، في البيت، في العمل في علاقتها بالآخر.. أهم شيء علاقة المرأة بالاخر سواء كان رجلا، سواء كانت امرأة، سوء كان طفلا، من هذه المصطلحات ومن هذه الرموز أكوّن الموضوع الفني في اللوحة’.نشطت الفنانة نجاة مكي العديد من الورش في باريس وضواحيها، سواء مع نساء مثقفات عربيات، أو مع مثقفين من جنسيات مختلفة في فضاء لارماتان الثقافي الكائن بالحي الخامس من باريس. أو في أمكنة أخرى، وهي تذهب بسهولة نحو الآخر الباحث عن السلام وطمأنينة العالم، تحمل ريشة وتجربة غنية. مما جعلها تشارك في تجسيد بعض من أعمالها إلى جانب الشاعر الذي يردد السلام والمحبة ويكتب للكائنات المتمردة عن النظم والأنساق التي تخنق حرية الإنسان وحرية الفكر وتحارب التحجر الذي يغزو عالمنا الذي فقد أو هزم الكثير من الحدود والمتخيلات التافهة التي تتعاطى مع انشغالات تبرّأ منها الإنسان منذ زمن، وعليه فإن رسالة ليرسون هي أن يبني علاقات ثقافية تمجد الإنسان وأعماله التي تقرب ما بين الناس إذ يترجم تلك الأحاسيس قائلا: ‘أرغب في اللمعان ومختفيا، أشير إلى العالم دون أن يراني أحد أحبّذ القول بأن العالم جميل، أن تفتح أعين الناس على ما نعمل، فيما يخص الإنسان وذكاءه، بحيث أن عظمة هذا الذكاء تخرجه أحيانا من إنسانيته’.