الشعر والمرض

حجم الخط
0

الشعر والمرض

أمجد ناصرالشعر والمرضلا نعرف اي مرض أصاب المتنبي عندما كتب قصيدته الشهيرة عن الحمي. فالحمي، بحد ذاتها، ليست مرضا، بل عرض لمرض آخر، قد يكون، في حالة المتنبي، الانفلونزا.لكن المتنبي الذي لا يوكل للزمان مهمة سوي رواية قصائده، يرفض اعتبار مرضه من طعام او شراب فاسد دخل جسده، كما يقول له الطبيب، بل من طول رقدة الجواد عن تغبير السريا والدخول من قتام في قتام. انه مرض النفس التي يضيق بها الدهر واهله وليس مرض الجسد الفاني.ليس المتنبي، في عين نفسه، امرءا عاديا يمرض ويسقم ويدركه التعب. تلك آفات الناس العاديين الذين ينال منهم اليومي العابر، اما هو، طائر الازمنة المحكي، فأمراضه تنشأ من اكراهات الدنيا للنفس المجلجلة في الاعالي علي مسايرة اليومي والخوض في وحوله. انه نكد الدنيا علي تلك النفس في مخالطة الذين لا يرون الا ما بين اقدامهم!طبعا ذلك تنفّج ما بعده تنفج.وذلك هو المتنبي الذي علينا ان نقبل تنفّجه هذا باعتباره ضريبة لا بد منها للهذيان العظامي والمركزية الذاتية والشعرية التي علي الدهر ان يستقيل من مهمامه كي يتفرغ لروايتها وانشادها، كلما ندَّ عن ذلك الفم الذهبي بيت او مقطع شعري.هكذا يترك لنا المتنبي، عربيا، قصيدته عن الحمي (الناتجة، اغلب الظن، عن انفلونزا او رشح) مرجعية لشعرية المرض. وهذا اول ما يخطر في بال جابر عصفور وهو ينحت مصطلح شعرية المرض في تقديمه ديوان حلمي سالم مدائح جلطة المخ .XXXهناك شعراء استطاعوا ان يكتبوا تحت ضربات المرض، او بعد الإبلال منه، وهناك من لم يستطع. المرض الوحيد الذي خبرته شخصيا، حتي الآن، هو الصداع النصفي. وعندما تأتي تلك النوبة التي تشل الرأس والجسد لا افكر الا بشيء واحد: كيف ومتي تنحسر. لا اتصور انني قادر علي كتابة شيء يشبه ما كتبه السياب عن مرضه، ولا اظنني املك (وهذا كلام المعافي وليس بالضرورة كلام المعتل والمبتلي) تلك الطاقة علي امتداح الرزء واعتبار الألم اعطية ينبغي ان تشكر.سعد الله ونوس ليس شاعرا، ولكن كتابته عن السرطان الذي كان يأكل جسده هزتني من الاعماق. لم تكن كتابة متفجعة ولا هاذية ولا متضرعة ولا متأسية، بل كتابة شجاعة ومكتومة الأنين عن مرض يعرف، حق المعرفة، انه قاتل لا محالة.اكثر ما هزني في كتاب ونوس هو تعامل الاخرين معه، النظرات المودعة، المشفقة، التي تلوح في عيونهم. معايشة شخص مصاب بالسرطان بدت، في كتابة ونوس، معايشة للموت، رؤيته بالعين المجردة. فمن منا يرغب في معايشة خاطف الارواح، مبدد الاجساد؟ممدوح عدوان كتب عن السرطان قصائد لا تقل شجاعة عما كتبه ونوس نثرا. كانت قصائد ممدوح تحتفي بما تبقي من حياة في جسد ذاهب الي الموت. قصائد تقول ان الحياة اقوي. وبما اني اعرف ممدوح شخصيا اصدق تغليبه الحياة علي الموت، رغم ان الموت كان اقرب اليه من حبل الوريد. ومن قبلهما واجه امل دنقل الموت شعرا، بل لعله ان يكون اول شاعر عربي يفرد عملا، بأكلمه، تحت ضربات ذلك الخبيث المتسلل الغادر الذي يسمي السرطان. ديوانه اوراق الغرفة 8 تؤسس لما يمكن ان نسميه، اقتداء بجابر عصفور، شعرية السرطان.XXXفي جدارية محمود درويش هناك (الكوما). جبل القطن الابيض. نفق البياض اللانهائي. هناك الذات والذات (آخر الشخص او قرينه) يتحاوران علي شرفات الميتافيزيقيا التي تطل علي السديم. هل هذا ما يتذكره الخارج من نفق النوم الابيض؟هل هذا ما يتركه الموت علي الذاكرة والجسد بعد ان يرينا وجهه، لمحا، ثم يتواري الي حين؟ الجدارية لا ألم فيها. انها رؤية الموت ورؤياه. محاولة لاستعادة وجهه الشبحي الذي اطل علي شكل نديف من الثلج.XXXجابر عصفور الذي نحت مصطلح شعرية المرض عرف جلطة الدماغ. لماذا الدماغ وليس القلب؟ هل لأنه ناقد، مثلا؟ كتب جابر نصا مؤثرا عن تلك الجلطة التي المت بمخه، وكيف اثرت علي حركة جسده وادائه وذكراته وقراءته وكتابته. ولكن حلمي سالم ليس ناقدا، وجاءته جلطة الدماغ. حلمي الذي نعرف، نحن اصدقاءه، ان المرض الوحيد المؤهل له هو في القلب الذي افرط في استخدامه. لكن حلمي الذي يجلط بلدا، بضحكه وصخبه وصوته المعتقد انه صوت عبد المطلب، التوي لسانه. ذلك اللسان الذي يقضي الليل كله، بحسب الشاعر نفسه، يقيس حوض انثاه. لعل ذلك، حقا، هو السبب يا حلمي!سيضحك حلمي وهو يقرأ هذه الكلمات ولعله قد يكرر ما قاله لي، ذات مساء في امستردام: يا خرابي كم انا خربان!(من قال ذلك؟ هو ام انا؟). ليست هناك رؤي في مدائح لجلطة المخ ، هناك ميتافيزيقيا خفيفة علي خلفية اليومي الذي يبسطه الشاعر بين يديه ويعدده بوصفه حساب ارباحه وخسائره. هناك درس، لا شك، لكنه ليس انتقالاً من حال الي حال. الدرس عند حلمي سالم هو مساءلة اليومي وتقليبه علي اكثر من وجه، لعل الاشارات (الالهية) تكمن في طواياه وتلافيفه. لعله يلقي القبض علي الرسالة الشاردة.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية