أمجد ناصركتاب خالدة سعيد ‘يوتوبيا المدينة المثقفة’ (الساقي، بيروت 2012) يغري بأكثر من قراءة وعلى أكثر من صعيد. يمكن اعتباره تأريخاً لمرحلة تأسيسية في مسيرة ‘الحداثة’ الأدبية العربية، كما يمكن اعتباره شهادة من اسمٍ عضويٍّ في تلك المسيرة. إنه كتاب يضع بين أيدينا محتوى سمعنا عنه أو وقفنا على شذرات متفرقة منه ولكنه لا يترك هذا المحتوى من دون تحليل أو نقد أو مراجعة، فلسنا حيال مادة أرشيفية في أي حال من الأحوال.المولعون بالتصنيف سيجدون صعوبة في تصنيفه لأنه يتأرجح، برشاقة، بين الشهادة والبحث الأكاديمي، التأريخ والنقد الثقافي، وهذه ‘الهجنة’، بالذات، هي التي تجعله مقروءاً أكثر، ربما، من أي باب من الأبواب المذكورة. ورغم الحضور البحثي الواضح فيه فإني أميل الى اعتباره شهادة ‘موثقة’ على زمن تأسيسي، ولحظة فارقة في الحياة الثقافية العربية كانت خالدة سعيد، إلى جانب كوكبة من الشعراء والنقاد، من رموزهما. يعلمنا كتاب خالدة أن القطيعة التامة، الناجزة بين الأزمنة البشرية غير ممكنة، وأن الطفرات قد تحدث في الطبيعة ولكن ليس في الثقافة والاجتماع. هكذا، وفي الوقت الذي تتحدث فيه عن ريادة مجلة ‘شعر’، مثلاً، على صعيد تحديث القصيدة العربية لا تنسى تعقّب لحظات سابقة على المجلة أسهمت في تهيئة المناخ لتقبل النص الجديد وتجذره شيئاً فشيئاً في تربة الثقافة العربية. فمجلة ‘شعر’ لم تولد من فراغ. ولم تولد في فراغ. كانت هناك نذر، بروق، ووعود تلوح في أفق الحياة العربية التي تحاول الخروج من استنقاع حضاري مديد. كان الجو مهيئاً لحدوث التغيير، لاستقبال ما يبدو أنه ليس من لدن الذات وصلبها.. خصوصاً في الفن الذي يُنْظَرُ إليه، جمعيِّاً، على أنه فن العرب وحدهم وابن لسانهم الشرعي: الشعر.ومن العجب، بل من اليوتوبيا، أن تكون معركة التحديث في الشعر العربي واحدة من أكبر المعارك الاجتماعية كذلك. كأنَّ في تحديث الشعر تحديثاً للمجتمع. كأنَّ المعركة في الشعر، وعلى الشعر، هي معركة تحدث في قلب الاجتماع العربي لا في شأنٍ أدبيٍّ نخبويّ. لا أعرف، وأنا المهتم بالشعر وقضاياه، ثقافة شهدت صراعاً على صورة القصيدة، شكلاً وموضوعاً وموقعاً في الحياة العامة، كما حصل في العالم العربي على مدار أربعة، أو خمسة عقود متواصلة الاحتدام. يبدو لي أنَّ السرَّ المعلن في تلك اليوتوبيا التي تتحدث عنها خالدة سعيد يكمن في الشعر، والشعر وحده. فلا القصة ولا الرواية ولا اللوحة التشكيلية ولا الأغنية ولا المسرحية عرفت الصراع والانقسام والمداد الغزير الذي أريق في قضية الشعر العربي التي لا تزال منظورةً في ثقافات عربية وصلتها، متأخرة جداً، أصداء معارك الخمسينات والستينات والسبعينات.فها هي خالدة سعيدة تقول عن الصراع الذي دار حول القصيدة العربية من قِبَل الذين اعتبروها عنواناً للهوية القومية وسلاحاً في معركة التحرر الوطني وبين الذين رأوا فيها تعبيراً فردياً عن وجود الانسان في العالم، ها هي تقول: ‘ المدهش في ذلك كله، وأياً كانت الجهة التي نظرنا منها، هو ضخامة الرهان على الشعر كعامل فاعل، بل خارق، لانقاذ الهوية الوطنية أو العروبة أو الشعب أو الوطن من جهة العروبيين واليساريين وفي المقدمة مجلة ‘الآداب’، الرهان على الشعر كوسيط للتأمل في الوجود وتحدي القدر والانبعاث وتحرير الانسان من جهة مجلة شعر’.الأمر يتجاوز قضية شكل القصيدة وأوزان الخليل والتفعيلة وقصيدة النثر الى صياغة معنى جديد للحياة العربية. إلى هذا الحدّ كان الرهان العربي على الشعر، كما يعكسه كتاب خالدة سعيد، والى هذا الحدّ بلغت يوتوبياه التي لم يكن كاتب هذه السطور بعيداً عن مساعي نقضها وإخراجها من استقطابي ‘الآداب’ من جهة و’شعر’ من جهة ثانية، وتلك معركة أخرى من معارك الثقافة العربية ليس هذا مجالها.