الشعوب أرادت فسقط رئيسان وفر الثالث

حجم الخط
0

أبو بكر خليفة الفاخريقال الأستاذ فرج أبو العشة في صرخته الشهيرة، والتي دوت وجلجلت: سيبقى القذافي هو من جمد ليبيا ما يربو على الثلاثين عاماً ”في حلقة من الاتجاه المعاكس قبل سنوات”، وجه القذافي كلمته أو لكمته إلى التونسيين وأثنى على ”بن علي” تلميذه في الفرعنة والنمردة، وقال أنه يستحق حكم تونس مدى الحياة، فكرهه الثوار التونسيون أيما كره، وفاض بهم الغضب والكره حتى أغرقوا بهذا الحنق صفحات الفيسبوك والمنتديات، أما الليبيون فإن مرجل ثورتهم المتوثبة كان يغلي.. ويغلي استعدادا للحظة للانفجار… وكان صديقي اللدود ”حامد سعيد” والذي يفيض ثقافةً وظرفاً وينضح عشقاً للوطن يفتح يديه للسماء ويظل يهتف ”هبي يا نسائم تونس.. هبي يا نسائم تونس” واتفقنا أيضا على أن الجيش الذي كان ضامناً وحامياً للثورة في تونس ومصر لن يكون كذلك بالنسبة لليبيا، لأن القذافي قد قام مبكراً بحل الجيش التقليدي، ربما استباقاً لهذه الساعة وأحل محله مجموعة من الكتائب والميلشيات ليس شغلها حماية الدولة، بل هدفها والغاية من تأسيسها حماية نظام. ان بوادر الثورة في ليبيا كثيرة وتتمثل في ما يمكن حصره في صنوف الغبن الآتية:

الغبن الاقتصادي: ويتمثل في حرمان الليبيين وليبيا من بنية تحتية قوية تليق بدولة بها أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، وفي المقابل نجد الكثير من الاستثمارات للنظام والمقربين منه في جميع أنحاء العالم. وتفاقم الفساد، فالكثير من المليارات لم تعرف وجهتها، وعدم معاقبة الفاسدين بعد ثبوت فسادهم، بل وتكريمهم بتبوؤ مناصب أعلى، وبالتالي نشر القيم الفاسدة كالرشوة واستباحة سرقة المال العام، باعتباره غنيمة لمن يحظى بها.

هذه الفوضى الاقتصادية أدت بالتالي إلى: ضعف الدخل الفردي نسبةً إلى الناتج الإجمالي، والبطالة، وتأخر سن الزواج. نظرا للارتفاع المفجع لأسعار العقار، وللمحسوبية في منح القروض والتسهيلات أضف إلى ذلك تدني مستوى التعليم، والذي يرتبط أيضا بالإلغاء المبكر لتدريس اللغات في المستويات العلمية الأساسية والمتوسطة والعليا، في ظل منهجية مدروسة لتهميش المتعلمين، ألم يقل عبد السلام أحمد جلود، بأن القذافي قالها بكل وضوح، أن الطلاب والعمال ألد أعدائي. وأيضا تدني مستوى الخدمات الصحية، حتى صار الليبيون يخشون من العلاج داخل ليبيا فيتجهون للخارج.

الغبن السياسي: انعدام الحريات والذي يتمثل في: الحرمان من التعددية بإلغاء الأحزاب والانتخابات، وبالتالي القضاء على التنوع والذي يؤدي إلى الوعي والتنافس والتطور.

بدعوى أن لدينا كتيبا به الحل النهائي لكل المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأيضا غياب المجتمع المدني والنشاط الأهلي، والمحصور فقط في ”جمعية واعتصموا”، و”مؤسسة القذافي الخيرية” وهما مؤسستان حكوميتان عملياً وأهليتان شكلياً، وغياب الصحافة الحرة والمعارضة، نظرا لأن حرية التعبير مكفولة فقط في المؤتمر الشعبي، وتحت حراب اللجان الثورية.

الغبن الاجتماعي: ويتمثل في تبجيل القبيلة على حساب الدولة، وبالتالي تقزيم دور القانون، فالمشاكل أغلبها تحل وفق الأعراف القبلية لا وفق القانون، كأننا في القرون الغابرة، مما يحد من سلطة القضاء، وبالتالي تضعف ثقة المواطن بالدولة، وأيضا فإن النظام البائد عمد إلى سياسة فرق تسد، فقرب إليه قبائل معينة إلى جانب أنه قوى شوكة قبيلة النظام الرئيسية بالمال والامتيازات والحصانة في حال ارتكاب أفرادها للجرائم مهما عظمت، وأيضا عمد النظام إلى تلغيم العلاقة بين القبائل عن طريق زرع الفتنة فيما بينها بواسطة أشخاص معنيين حتى يسهل السيطرة على الجميع.

لذا فإن الغبن والمرارة اللذين عاشها الليبيون طوال هذه العقود الأربعة كان لا بد أن تعقبهما ثورة، وهذا ما حدث باندلاع ثورة 17 فبراير المجيدة.

وأيضا لأننا كنا نعيش ولا نعيش في هذا العالم، في (غيتو)، فرض علينا، وكأننا قوم منسيون في فج بعيد، نتكلم لغة غير لغة العالم، ونحيا بطريقة غير التي يحيا بها البشر، فإذا سألنا عن الديمقراطية، نظل نتلعثم، ونتأتئ. وعندما قامت ثورة 25 يناير في مصر، توالت الرسائل والاتصالات من القذافي إلى حسني مبارك، يؤكد فيها أنه واثق من استقرار مصر والمجتمع المصري، وكان يحاول دائما في تلفزيونه الرسمي إظهار ما يحدث في مصر كما هو الحال لرؤيته المشوشة لثورة تونس، بأنه فعل عصابات مسلحة وجرذان… وما هي إلا أسابيع قليلة حتى سقط فرعون مصر، سقوطاً مذوياً، وانتصر ثورة الشباب في مصر.

وفي تلك اللحظة يبلغ الشوق للثورة في ليبيا ذروته ويظل صديقي ”حامد سعيد” رافعا يديه وهو يهتف ”بركاتك يا مبارك.. بركاتك يا مبارك” ينطوي يناير ويقبل فبراير، ويكون الموعد على صفحات الفيسبوك يوم 17 فبراير توقيت لاندلاع الثورة المباركة، ورغم محاولة النظام لإفشال وإخماد هذه الجذوة، وذلك بإلقاء القبض على بعض المدونين، وإعلان القذافي نفسه أنه سيقوم بمظاهرة ضد الحكومة ”اللجنة الشعبية العامة” (أي ضد نفسه) في اليوم ذاته… إلا إن الثورة الليبية كانت قد اندلعت، ودوت في كل أرجاء ليبيا.

ورغم رمزية كل من البوعزيزي (تونس) ووائل غنيم (مصر) وتربل (ليبيا) في هذه الثورات، إلا أنه زخمها الشعبي والشبابي هو البطل الحقيقي، وكأننا نشهد مفهوماً جديداً للثورات يتجاوز المفهوم التقليدي، والذي كثيراً ما يحيلنا إلى صورة البطل الواحد، ويجرنا رويداً إلى خلع التبجيل على هذا الواحد وبالتالي إعادة إنتاج الديكتاتوريات، إلا أن ربيع الثورات العربية أعطانا بعداً جديداً في الثورات الحقيقية الغنية برموزها، وبالذات الخصوصية والتفرد الذي أعطته تجربة ثورة 17 فبراير المجيدة، هذه الثورة التي تعددت جبهاتها، وبالتالي تعددت قياداتها بتعدد أبطالها حتى صاروا بالمئات على مختلف الجبهات، والتي تتمثل في: الجبهة العسكرية، والجبهة الإعلامية، والجبهة السياسية، والجبهة الفقهية.. لذلك أنا ضد مفهوم سرقة الثورة، والذي هو فخ للفتنة والتشظي، فمن الذي سوف يسرقها من من؟ فلن نستطيع أن ننكر الدور الذي يلعبه المقاتل في الجبهة العسكرية، التوقيت مع المقاتل في الجبهة الإعلامية، أو ذلك الفارس الذي يحارب على الجبهة الدبلوماسية والسياسية، وذلك الفقيه الذي يحارب باليقين في الجبهة الفقهية، نعم إن ثورة 17 فبراير المجيدة غنية بتجلياتها وثرية كل الثراء بما أفرزته من قيادات على مختلف الجبهات، فكما نحن معتزون أيما اعتزاز بالقيادات السياسية وعلى رأسهم المستشار مصطفى عبد الجليل بوقاره وحكمته وهو يدير دقة المعركة، وأيضا د. محمود جبريل برصانته وعمق تجربته ووطنيته، وأيضا شلقم والدباشي واللذان كانا نبض الشعب في المنتظم الدولي، ومحمود شمام الذي لطالما أمدنا بالزخم، كلما شح الغيم، أيضاً نحن فخورون بالقيادة العسكرية وعلى رأسهم العقيد أحمد باني بقوته وحسمه وبيانه، وبرجال الدين الأتقياء، وعلى رأسهم الغرياني والصلابي، واللذين تحديا الطغيان بيقينهما وسعة علمهما.

حقا إن ثورة 17 فبراير هي ثورة شعب، بكل ما تحيل إليه هذه الكلمة من معنى، شعب لطالما تقلب على لظى الديكتاتورية المجحفة، حتى ظنه العالم احترق وخبا وانطفأ واستحال رماداً وهباء. ‘ كاتب ليبي مختص في القانون العام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية