رحاب أبو هوشرفتحت الثورة الشعبية الليبية أمام أعيننا حدود ليبيا التي سُوّرت بالأكاذيب والتعتيم والاضطهاد، طوال ما يزيد على واحد وأربعين عاما. يروعنا أننا لم نكن نعرف عنها شيئا، إلا رسوخ صورة نمطية سلبية أو غامضة في أحسن الأحوال، عن شعب ما زالت البداوة تسكن ذهنيته وأسلوب حياته، كسول لا يعمل، وغوغائي لا يجيد إلا الهتاف والتصفيق لزعيم مختل الأفكار والأطوار. ولعله كان من الصعب إطلاق وصف شعب عليه، لأنه لم يتخلص، وفق تلك الصورة المصدّرة عنه، ولا يريد التخلص، من تركيبة قبلية تاريخية، تعيق وتعاند إمكانيات صهر مكوناتها في شعب متجانس متحضر، يتطلع إلى أهداف وطموحات وطنية مشتركة، ويحقق منجزات في مجالات الحياة المختلفة، كأي شعب آخر، تجاوز عتبة القرن الحادي والعشرين.
ربما كانت الصورة أقل تفصيلية أو أكثر، لكنها في كل الأحوال لم تخرج عن الإطار السلبي. في العالم العربي، كما في العالم كله، لم تكن تذكر ليبيا، إلا عندما يذكر ‘زعيمها’ معمر القذافي، هو الحاضر دائما وأبدا في وسائل الإعلام، ولم يسمح إلا بظهور خارطة صماء لليبيا، ينطقها بما يشاء، ويتحدث عنها وعن شعبها كما يشاء أيضا.
الصورة التي يعرفها العالم عن القذافي لم تكن مجرد تعبير عن نزعات شخصية، هي تشويه مدروس لشخصية الشعب الليبي ومكوناتها الثقافية والحضارية، واشتغال على تكريس تلك الصورة السلبية. وخلال أيام الثورة المشتعلة في ليبيا، اكتشفنا شعبا مخالفا تماما لتلك الصورة الهزيلة.
خلف افتتانه بأزياء هجينة مختلطة الهويات، ومغرقة في فوضى أزمانها ومواطنها، وشذوذ ذوقها وافتقارها إلى الجمال، وضرورة تثبيت أكبر قدر ممكن من النياشين والأوسمة، والميداليات والخرائط أيضا عليها، وولعه بالاستعراض المسرحي المثير للتندر، وحرصه على الظهور الإعلامي، مقيما في خيمة صحراوية، ترابط على مدخلها الجمال، أينما حل وسافر، ومظاهر جنون العظمة في تصريحاته وسلوكه، واتضاح عدم الاتزان النفسي والعقلي، واللغة الركيكة والألفاظ السوقية، والأفكار الساذجة غير المترابطة، هناك شعب ليبي عملاق، يطعم الثورة من لحم أبنائه، دون تراجع أو خوف، ليكسر أغلال الطغيان، ويحيا حرا.
للمرة الأولى، نرى رجالا من الشعب الليبي، سواه، رجالا أنيقين متحضرين، ينتمون إلى مفردات العصر الحديث، ويتمتعون بقدر كبير من الوسامة والوعي السياسي والانتماء إلى تاريخهم وهويتهم الممتدة على طوال سواحل ليبيا، واتساع صحاريها، وليس كما كان هو يروج بأن الشعب الليبي لا يستحق قائده!
خلال الثورة وبفضلها فقط، أدركنا هول مأساة الليبيين طوال سني ذلك السفاح، الشعب الذي لم يتعرض بلده لاحتلال أجنبي، ليجبره على الرحيل، كان مشتتا في أرجاء الأرض، هربا من الملاحقات والسجون والإعدامات. امتلأت الشاشات ‘فجأة’ بناشطين سياسيين ومعارضين من مختلف الاتجاهات السياسية، فروا إلى دول أوروبا وأمريكا، بكرامتهم وحريتهم الفكرية.
البلد الذي لطالما أثار تساؤلي عن عدم بروز أسماء منه، أدهشني بحجم ما فيه من مثقفين وكفاءات علمية ومهنية، وخبراء في الاقتصاد والسياسة والقانون. كانوا أهدافا للسفاح، وكان لا بد من ملاحقتهم وتضييق العيش عليهم، كي يفرغ البلاد من عقولها بهجرتهم، ليبقى هو منجز ليبيا الوحيد!
إنجازه ‘الثوري’ لثورة الفاتح من أيلول (سبتمبر) عام 1969، يجب أن يبقى منجز الليبيين الوحيد والأعظم حتى اليوم. وعليهم شكره على نعمة وجوده وبقائه! ولا يترك لأحد فضل إسباغ الألقاب عليه، ويتولى المهمة بنفسه، كما قال مؤخرا في أحد خطاباته الهستيرية: أنا المجد، أنا التاريخ!
إنه يسطو على إرث الشعب النضالي، الذي قارع المستعمرين الإيطاليين وطردهم، وخلد في الموروث التاريخي والثقافي العربي كله، شخصية”المناضل الشهيد عمر المختار، الثائر الليبي الذي أعدمه الإيطاليون وهو يقول: نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت. وانتزع احترام أعدائه قبل شعبه.
السفاح الذي يشن حرب بقائه في السلطة على الشعب الليبي هذه الأيام، لا يختلف عن غيره من الطغاة، إلا بهلاوسه المعلنة وفرط جنون عظمته، وخطابه الفج غير المتزن، ممن اغتصبوا تاريخ بلدان وحطموا كبرياءها، واتخذوا من شعوبها رهائن لديهم، طوال سنين حكمهم، لتحقيق ‘أمجادهم’ الخاصة، وترجمة سلطتهم الفردية المطلقة.
كشفت لنا الثورات الشعبية العربية كذلك، أن الطغاة جاهزون لإحراق البلاد وإبادة الشعوب، مقابل احتفاظهم بالسلطة، لكن سفاح ليبيا أيضا تفوق عليهم بالهستيريا وعدم القدرة على ضبط مشاعره المضطربة، فوصف الشعب الليبي بالجراثيم والقطط والجرذان والكلاب الضالة، بينما أولئك يمتلكون بعض الكياسة والحذر في خطاباتهم. هكذا يمزق الطغاة كل الصفحات في تاريخ الشعوب، ويؤلفون كتابهم الوحيد بالقمع والإرهاب. كتاب هم فيه العنوان والموضوع، والمقدمة والخاتمة. لم تكن البلاد قبلهم موجودة على خارطة العالم، لا بد أن تذهب إلى الجحيم!
تقزيم الشعوب وقص رؤوسها ليتواءم حجمها، مع رؤوس الطغاة الصغيرة الضامرة، واحدة مما أثبتته الثورات. في خطاباته يكرر القذافي الإهانة لشعب عريق الوجود والتاريخ، من العرب والبربر المتجذرين في الأرض الليبية، بالقول بأن ليبيا ليست إلا هو، وأنها لم تكن قبله شيئا يذكر، يقول: لم يكن أحد يعرف أن هناك بلداً اسمها ليبيا، وكان من الصعب على الآخرين، التفريق بينها وبين لبنان وليبيريا! حتى أرسلته العناية الإلهية لينقذ ليبيا من النسيان!