الشكل والمضمون في السرد الروائي

تُعَدُّ قضية الشكل والمضمون إشكالية وجدلية قديمة وجديدة في آن، ومن المهم إثارتها ونحن بصدد مناقشة علاقة الرواية بالقضايا الإنسانية، أملا في تأسيس نقاش يراعي المستوى الفني والأبعاد الشكلانية: الأسلوبية والبنيوية وسيمياء اللغة والإشارات النصية، مع الجانب الفكري الذي قد يصرفنا عن الجماليات، وبذلك تُقرَأ الروايات ضمن رؤية نقدية شاملة، بعيدا عن الدراسات التي تقتصر على بعد واحد: شكلاني أو رؤيوي، دون النظر إلى أن النص الروائي وحدة واحدة، تتعدد أبعاده ومراميه.
لقد تخطى النقد الحديث هذه القضية، ذلك أن كل تيار أدبي، أو مذهب جديد له رؤيته الفكرية والجمالية في آن، التي يعمل على تحققها في النصوص أو الفنون المعبرة عنه. وعلى الجانب الآخر، لا يمكن فهم تطور الشكل الفني لأي نص أو عمل فني، دون دراسة الفلسفة والرؤية التي يعبر عنها، مثلما أنه لا يمكن الوعي بأي فلسفة أو تيار أدبي إلا بالاطلاع على النماذج المصاغ فيها، والمعبرة عنه. والأمر ينسحب على الاتجاهات المتعددة في الأدب، فاتجاه الواقعية مثلا، بما له من فلسفة عميقة، لا يمكن فهم تطبيقاته إلا بقراءة الروايات المعبرة عنه، فمن الخطأ تناول القضية في إطار الثنائية الفكرية المتضادة، التي تنظر للقضايا في بعدين، لا ثالث لهما، ولا سبيل للتلاقي بينهما، فهل الشكل لا يمكن أن يلتقي مع المضمون؟ وهل لا يمكن للمضمون أن ينعكس على الشكل؟ إن مشكلة هذه الثنائية المتضادة، أنها تجعل العقل مجبرا على السير في اتجاه أحادي. وفي القراءة النقدية، على الناقد الالتزام في دراساته بقراءة شكل الرواية، أو مضمونها، وبالتالي تترسخ اتجاهات أحادية في الدراسات النقدية، وتتشعب إلى فرعيات؛ تشتت العمل الأدبي.

فقراءة المضمون تغوص في الجوانب الفكرية، وقد تنتصر لما هو فكري، على حساب ما هو فني جمالي، وفي المقابل، فإن قراءة الشكل، تحتفي بالأبنية واللغة، وتنظر لبراعة الروائي في الصياغة، دون النظر إلى التجديد في الرؤية. فيجب أن يتصل التفكير في هذه القضية بالمنبع الأساسي وهو النص الروائي، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى المصب فقط. والمنبع يبدأ من طبيعة الإلهام؛ فهل يرنو المبدع إلى رؤية جديدة، تتبعها جمالية مختلفة؟ ومن ثم يكون النص المبدَع محققا لهما، وهما الرؤية الفكرية، والبنية الجمالية، فقد تكون الرؤية جديدة في الرواية، ولكن قصور الموهبة لدى المبدع، جعلها تخرج على الورق ضعيفة ركيكة. وقد تكون الرؤية ليست مبتكرة، ولكن الصياغة في الأسلوب، وروعة البناء، وجودة التشويق، تجعل النص جذابا فذا للقارئ، وبالطبع فإن الدراسة النقدية الرصينة تستبعد النصوص الضعيفة، ونعني بها تقليدية البنية والتشكيل ونمطية الرؤية، أي أن الحكم بالضعف ينطوي على النظر إلى الرؤية والبنية معا، وليس على أحدهما.
ونحو هذا، يشير رينيه ويلك إلى صحة النظرة الأساسية، التي جاءت بها النظرية العضوية، المتمثلة في وحدة الشكل والمضمون، مدعّما مفهوم الشكل كما رآه الشكلانيون الروس، حيث تطور على أيديهم فصار يعني كل ما يشمله العمل الفني، وذلك في إطار تمردهم على النقد الأيديولوجي (الماركسي) الشائع في عصرهم، وضد فكرة الشكل (التقليدية) بوصفه إناء يصمت فيه المحتوى الجاهز. وقد دافعوا عن الوحدة التي لا تنفصم بين الشكل والمحتوى، فالمحتوى يتضمن بعض عناصر الشكل، والأحداث التي ترويها الرواية جزء من المحتوى، بينما طريقة ترتيبها في ما يسمى بالحبكة جزءا من الشكل، وإذا أزيل هذا الترتيب، زال عنها كل أثر فني. كما أن لغة السطح الاستطيقي (الجمالي) تعدّ عادة جزءا من الشكل، فأصبح الشكل هو ما يحول التعبير اللغوي إلى عمل فني، وأن الطريقة الشكلية لا تنكر الأيديولوجية أو المحتوى في الفن، بل تجعلهما مظهرا من مظاهر الشكل، فحقائق المحتوى تصبح في الفن ظواهر شكلية وبذلك يتميز المفهوم الجديد للشكل عن المفهوم القديم. فالجديد يعني وحدة الشكل والمعنى، والرؤية والأسلوب، أما المفهوم القديم فهو الشكل المصمت، الجاف، الخاوي، أي يكون أشبه بالبيت؛ ظاهره البناء الكامل من الخارج، ولكن لا ندرك هل سكانه أبدعوا البناء، أم سكنوه وهم لا يعلمون علة بنائه؟ وعلى زائر البيت أن يفصل مشاهدته للجانب المعماري، بعيدا عن قاطني البيت، فإذا أراد سؤالهم عن شيء في البناء، تبين له أنهم جاهلون به.

وفي حالة ضعف الرؤية الفكرية/ المضمونية، فإن البيت يكون جميل المعمار، خاوي السكان، أما في حالة سمو الفكرة والمضمون، وضعف البناء، فإن قاطني البيت من المبدعين والفلاسفة، ولكن البيت قديم، آيل للسقوط، يخشى الزائر الولوج فيه، فلا شيء يجذبه له. وبين هذا وذاك؛ على القارئ والناقد طرح مختلف الأسئلة على النص الروائي، خاصة على صعيد القيم والقضايا الإنسانية التي تثيرها، فلا يكتفي بتتبع الأحداث، ولا الانغماس في جوانب الشخصيات، وإنما هناك المستتر الإنساني وراء كل الزخم الحكائي في الروايات، مثل قيم العدالة والحرية والخير والتفاني والتضحية، ضد نزعات الأنانية والبغض والظلم والشر والاستئثار، وتلك قيم مطلقة، لا تظهر بخطاب مباشر، وإنما يستقرؤها القارئ من الأحداث، عندما ينفعل متعاطفا مع المظلوم، أو ينفعل بالعكس عندما يرى ظالما يتفنن في تعذيب ضحاياه، وقد تتعاظم انفعالاته وتتحول إلى حزن، وهو يقرأ مثلا رواية «الجذور» للكاتب الأمريكي أليكس هيلي، التي تتناول مأساة استعباد العبيد الزنوج في أمريكا، فعندما يسقط إنسان في الرق، ولا يجد ملاذا إلا الاستسلام، ومع ذلك فإن السيد الأبيض لا يقنع بهذا الاستسلام، ويمعن في إذلال العبيد، واغتصاب نسائهم، وعندما يحاول أحدهم الفرار، يجد الرصاص يلاحقه، والقضاء مناصرا لسيده، ولا أمل في حياة كريمة أو حتى رحيمة. نعيش أحداث الرواية من خلال حياة الجد كونتا كينتي، حيث بدأت المأساة في منتصف القرن الثامن عشر، عندما قبض عليه مع مئة وأربعين شخصا في الأدغال، وبيعوا لتجار العبيد، الذين حملوهم في سفينة، في ظروف غاية في القسوة، أدت لموت ستين شخصا منهم، فتم إلقاء جثثهم لتكون طعاما للأسماك، ولم يكن الناجون يعلمون أي مصير ينتظرهم في الأرض الجديدة، حيث السخرة في المزارع الضخمة إلى نهاية العمر، وكلما حاول أحدهم الفكاك يكتشف أنه يدور في دائرة مغلقة، فالدولة والمجتمع والسادة كلهم يد واحدة، ومصالح مشتركة.
حتما سيسقط القارئ- أثناء القراءة – في حركة «الاستغراق الذاتي»، التي تجعله متعاطفا مع أبطال الرواية، ضد المستعبدين لهم، وذلك هو المستوى الأول في القراءة، فيما يسمى «القراءة العادية» للقصة، وما فيها من فهم عادي للزمن والمكان والشخصيات، خاصة في قصة واقعية قائمة على المحاكاة، تعبر عن واقع العالم الذي كان، ومعلوم أن الروائي أليكس هيلي، كان يقص حكاية عن بعض أجداده الزنوج الذين عاشوا القهر في أمريكا، قبل التحرر من العبودية. ولكن حتما هناك قضايا تفجرها هذه الرواية، تحتاج إلى المزيد من البحث لدى القارئ الحصيف، والناقد المتعمق، الذي يدفعه للعودة إلى التاريخ للوقوف على تجارة العبيد في فجر الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث، ومأساة الاتجار بالزنوج، وكيف لقى الملايين حتفهم، بسبب جشع المستعمر الأبيض، واحتقاره للأجناس البشرية الملونة، ونظرته العنصرية لشعوب العالم؛ ما يجعل القراءة النقدية تنفتح على آليات النقد الثقافي من أجل فهم أعمق للأفكار السائدة في الوعي الغربي إبان تلك الحقبة، التي لا تزال آثارها باقية، لدى اليمين الأمريكي المعتز بتراث الرجل الأبيض الاستعماري المتوارث، كما سيحضر النقد النفسي لتشريح نفسية الشخصيات، التي عاشت قدرها المحتوم في استسلام تام للغطرسة والذل والاستعباد، ومحاولة تفسير نفسيات الشخصيات الأمريكية – ذات الأصل الأوروبي- التي كانت تمعن في إذلال من يمتلكونه من العبيد، في مشاعر تلذذ أقرب إلى السادية.
إذن، لا يمكننا الاكتفاء بتوجيه الرواية في اتجاه فكري واحد، فيمكن أن نخرج من النص الروائي- حال تحليل خطابه – باتجاهات عديدة وبقضايا جمة، وهذا يتوقف على مهارة الناقد، وعلى الآليات النقدية الموظفة، والمداخل التي يعتمدها في الولوج إلى النص، وبين هذا وذاك، هناك الإثارة العاطفية التي يفجرها النص في أعماقنا.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية