الشماش مملكة في وسط الخرطوم لها قادتها ولغتها وطبقاتها

حجم الخط
0

الشماش مملكة في وسط الخرطوم لها قادتها ولغتها وطبقاتها

الشماش مملكة في وسط الخرطوم لها قادتها ولغتها وطبقاتهاالخرطوم ـ القدس العربي ـ من كمال حسن بخيت: الشماش ومفردها (شماشي) اسم اطلقه السودانيون علي المشردين وأطفال الشوارع الذين فاق عددهم المئة الف طفل حسب احصائيات بعض المنظمات الطوعية وتتراوح اعمارهم ما بين 5 ـ 18 عاماً واتي الاسم من ان هؤلاء الاطفال يقضون جل وقتهم تحت اشعة الشمس الحارقة في الخرطوم وينتشر الشماش في عدد كبير من مدن السودان الرئيسة كودمدني وبورتسوان وعطبرة والابيض الا ان اكبر الاعداد تقيم في شوارع الخرطوم. القدس العربي اقتحمت مملكة الشماش بالخرطوم وغاصت في مجتمعهم الغريب وخرجت بنظام اجتماعي متكامل ومنظم يضم ابناء الشوارع الذين رمت بهم ظروف اسرهم في الشارع.. الحرب الاهلية في جنوب السودان كانت الرافد الرئيسي لابناء الشوارع بالاضافة للظروف الاقتصادية لبعض الاسر وخلال جولتنا في الخرطوم اتضح لنا بان (الشماش) ينقسمون الي ثلاث فئات من حيث سبب التشرد فالفئة الاولي وهي الرئيسية هم من فقدوا اسرتهم بكاملها في الحرب ووجدوا انفسهم بلا عائل فاتجهوا الي الشارع الفئة الثانية نزحت الي العاصمة من بعض الولايات التي تشهد ظروفا اقتصادية سيئة اما الفئة الثالثة فهم من تركوا اسرهم التي تقيم في اطراف الخرطوم وفضلوا العيش في الشارع وايضا يرجع ذلك لظروف الاسرة الاقتصادية وبعض المشاكل الاجتماعية التي تضرب العديد من تلك الاسر كما يشكل الاطفال اللقطاء اضافة اخري للشماش. وينقسم الشماش الي مجموعات معروفة ولكل مجموعة زعيم ونطاق محدد في العاصمة وتضم المجموعة اولادا وبناتا والاخيرات ازدادت اعدادهن في الاونة الاخيرة يقضون يومهم في البحث عن الطعام وسط مقالب القمامة او بالقرب من المطاعم حيث يأكلون ما يجود به مرتادو المطاعم أو بقية ما يأكلونه بعد ان يخطفونه نسبة للرقابة المشددة عليهم من عمال المطاعم وبعد ان يسدوا رمقهم ينتشرون في الشوارع حسب توزيع يحدده زعيمهم ويمارسون السرقة والنشل ويعودون به الي زعيمهم الذي يقسم الغنائم بينهم بعد ان يأخذ نصيب الاسد بالطبع وخلال هذه الجولة النهارية لا يخلو فم احدهم او احداهن من قطعة قماش مبللة بالبنزين الذي يغيبهم عن الوعي وفي حالة تحسن الظروف المادية يشترون (السليسيون) وهو المادة المستخدمة في اصلاح اطارات السيارات ويطلقون عليه اسم (السلس) والذي يستخدمونه كمخدر عبر الاستنشاق.. وينقسم مجتمع الشماش الي طبقات ويرأسهم اقدمهم في الشارع وأحياناً اكبرهم أو أقواهم اما الذين يدخلون الي هذه المملكة حديثا فهم في ادني الطبقات ويتم تعليمهم اساليب النشل وفنون السرقة.ومع مغيب الشمس يتجهون الي دور السينما ليشاهدوا الافلام المعروضة ويجمعون ثمن تذاكر الدخول مما جمعوه اثناء النهار وحتي دخول السينما يتم ترتيبه بواسطة الزعماء وفي الليل ينامون في مصارف الامطار ومظلات المحلات التجارية في الخرطوم. وللشماش لغتهم الخاصة والتي يسمونها (الرندوك) وتضم مصطلحات اصبحت معروفة للكثيرين من خارج مملكتهم مما اضطرهم الي ادخال تعديلات عليها حتي يتميزوا بالخصوصية وتسربت لغتهم الي المجتمع السوداني بجميع طبقاته حيث اصبحت مستخدمة في ارقي المجتمعات ومن هذه الكلمات (الجلك) وتعني الوالد و(شتت) وتعني اذهب و(داقس) وتعني مغفل أو لا يعلم شيئاً و(فردة) وتعني صديق وكلمات اخري كثيرة ذابت في اللغة العربية واصبحت معروفة علي نطاق السودان. هذا الاقتحام لخصوصية لغتهم جعلهم يبتدعون لغة اخري وهي ايضا بدأت تتسرب الي المجتمع وتعتمد علي تغيير مواضع الحروف في الكلمة فاذا اراد احدهم أن يقول أنا ماشي فيقول (نأ شامي) اما اذا ظهر رجل الشرطة فيقولون (السوليب) وهي تغيير لمواضع حروف كلمة (البوليس) واثناء متابعتنا لحديثهم فهم لا يتلعثمون ابدا وتجدهم يتحدثون بسرعة وبطلاقة ولا تفهم شيئاً مما يقولونه. ويتــــميز (الشماش) بذكاء حاد وقدرات ابداعية حيث يرسمون في براميل القمامة رســـوماً بالفحم والطباشير غالباً ما تعـــــكس بعضاً مما يشاهدونه في السينما كأبطال الافلام ودائــــماً ما تاتي هذه الرسومات دقيقة ومعبرة وكأنــــهم محترفون مما يجعل الكثير من المارة يتوقفون عندها ويتأملونها بشيء من الدهشة والاعجاب بينما يكون الفنان متكئاً بالقرب منها وفي فمه قطعة قماش مبللة بالبنزين. الحكومة السودانية ظلت تحارب ظاهرة اطفال الشوارع بشتي السبل واقامت لهم معسكرات ومراكز تقويمية وتدريبية في اطراف الخرطوم يتم مطاردتهم وجمعهم وادخالهم الي هذه المراكز الا ان الشماش نادراً ما يبقون في هذه المعسكرات وما يلبثون ان يعودوا الي الشارع مرة أخري.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية