الشمس ممددة جثة هامدة

حجم الخط
0

الشمس ممددة جثة هامدة

عناية جابرالشمس ممددة جثة هامدة في يوم كسوف الشمس، كان النهار عاديا. شمس وسماء زرقاء، ثم حدث الامر بسرعة، كما لو مناورة ماهرة للكواكب، كما لو العالم اوشك علي ما يمكنه ان يسليه. أحنيث رأسي واغمضت عينيّ. عندما فتحتهما ثانية وانا في الوحشة البالغة، داهمني الشعور بأن علاقتي بالسماء التي أتوجه اليها الان، ليست غامضة وحديثة كما اعتقدت، بل علاقة واضحة، قديمة ومضمونة.كنت وافرة الحظ ليتسني لي هذا الكسوف الجم في بيروت، في مكتبي، مع زميلين نشهد اسوداد الظهر، وفي طوابق الجريدة كافة، بعد ان كانوا تحضروا للحدث، كانت الهمسات مسموعة، مثلها مثل صلوات غير مفهومة. ففي حين امتلكت الشمس الان قابلية استثنائية علي ان تكون الفصل بين النهار العادي والنهار الطهري ازاء كم الضلالات الارضية، كنت انا حانقة علي كل الناس، من طاقتهم المفرطة علي الاذي. حنق مؤلم ومقلق. فالشمس التي تمددت جثة هامدة في السماء اخافتهم كثيرا، وهو امر اطربني.انكسفت بسرعة استثنائية لنستوعب مفهوما اخيرا، ولقد فكرت انا في كسوفها انها قد ارتكبت خطأ ما، وتعاقب الان، وتحرمها السماء من عدالتها. لم يحقق سحرها مكسوفة، الا بمقدار ما اردته انا ان يتحقق. سحر اسوداد وجهها والعتمة التي سالت من شفتيها.وكما لو في مستشفي المجانين كنا نبحلق زملائي وانا في الارض. كان اكبرنا يبحلق بشدة.. وكنت بدوري ابحلق. كنت اشعر مثل احد سقطت منه حاجة تحت الطاولة ولا يستطيع العثور عليها. صارت الغرفة والزوايا والمكاتب رمادية نهارية وناقمة، ولا يبزغ من النافذة شيء يعزّي.استجمع زميلي كامل منطقه. كان عليه في تلك اللحظة العمياء الهائجة من كسوف الشمس ان يتذكر فقط انها لحظة.. وتنقضي. كان عليه ان يعدّ اللحظة كثيرة علي اصابعه.حدث ذلك في المكتب. لا في الشارع ولا علي شاطيء البحر او في اعلي قمة جبل، حدث ذلك في المكتب ورأينا نهاية مؤقتة حصلت امامنا بوضوح لا تمتلكه النهايات عادة.وحين استمر ذلك لاكثر مما قدرت (لحظة)اصابني ذعر اللون. حاولت ان انظر من النافذة بعينين مقيدتين لكن زميلي منعني. انعقدت في حلقي شمس مكسوفة مغلولة بالطين ثم جاءتني دفعة واحدة شكوكا حادة بلا صوت.وفجأة كان ثمة هواء بارد، وهو حمل حياتي ككرة ضخمة وطوّح بها عاليا، وعلي شفتي وعضلات وجهي ارتعاش لا يرتخي. لم يستمر زعل الشمس اكثر من دقائق ثم انتهي. كان ذلك في الواقع عرضا اول Avant Premier عن الشيء الذي اريد ان اعرف عنه شيئا، ولا يكفّ الناس عن الحديث عنه. الفناء! لان هذه اللحظة كانت هي المعني كله. لحظة كما قال زميلي، وهكذا كانت الشمس قد ضحكت علي وسخرت مني.بدأت تشرق في السماء مرة اخري. وعدنا نتكلم زملائي وانا ليس بكلمات فالتة جدا وجمل قصيرة كما عند حصول الكسوف، بل نروي قصصا طويلة تضمر الشر ثانية للسماء. هكذا مررنا في فترة دقائق بغياب افتراضي عن النظام الازلي فارقتنا معه شجاعة الثرثرة وجهلها البديهي، حيث في كل كلمة اعتراف، ورغبة الي التشابكات العاطفية، وقدرة علي نقضها في آن، ذلك اننا في الحياة في ظل شمس غير مكسوفة.. مترددون.في اللحظة الهزيلة التي غابتها الشمس، شممت ترابا وتناقضا وعبثا، ومع ذلك لا ينبغي لي في الواقع ان اسميها هزيلة، او غير قابلة علي الحياة والاستمرار، اذ كان بامكان القمر ان يحرد طويلا في وجه الشمس، يحرد لاكثر من لحظة ويوم وسنة. كان بامكانه ان يعاند طويلا، القمر ذاك ثم عليك ان تتخيل لو فعل، الحلول السري لموت كل الكائنات والاشياء، الكلمات خصوصا التي كتبناها بجد.قرأت الصحف في اليوم التالي وتتحدث عن الكسوف وتأرجحت مشاعري بين القرف والاغراء.ان شعور الناس تجاه ما حدث هو مزيج الطاعة تحت تأثير الهوي الشمسي. انا لا احب الشمس. لكن ان تغيب هكذا وتقلقني؟ إن ما شعرت به لم يكن غيابها، بل المنطقة التي اجهلها والتي اقحمتني فيها. اللون ايضا. أقصي ما يمكن ان ارويه لنفسي هو انني نكست رأسي في غيابها. ننكس الرؤوس في غياب الشمس القادرة ولا يجدر التحديق بشيء دونها.0ّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية