أكتب هذه الكلمات على ضوء شمعتين، ذلك لأن التيار الكهربائي مقطوع عن منطقتنا منذ عشر ساعات، وأسمع في الوقت نفسه دوي القذائف وأزيز الرصاص فأتوقع سقوط قنبلة ولو بالخطأ فوق بنايتنا فأقول لنفسي من ينقذنا من هذا الهلاك الذي يهددنا منذ ثلاثة أعوام، هل هو مانديلا آخر أم هو تيمورلنك جديد ؟ وهل هناك حقاً فسحةُ أخلاقية لدينا لفضيلة التسامح التي أنقذ مانديلا بفضلها بلاده في جنوب أفريقيا من حرب أهلية بين البيض والسود لا تسمح بنشوء دولة متطورة يسودها السلام ؟
هل هذا ممكن في بلدنا بعد الفظائع التي ارتكبت والتي لم يتجرأ حتى النظام العنصري هناك على ارتكابها ؟ أم أن تيمورلنك آخر باسم مستعار سوف يتسيد بمنطقه وأسلوبه في تحقيق أطماعه، مع العلم أن تيمورلنك الأصلي لم يمكث في دمشق أكثر من أربعين يوماً ؟! وهل من الممكن حقاً التفاوض بين الحاكم والمحكوم حول طاولة ملطخةً بالوحل والدم وصولاً إلى سلام عادل ؟!
أنا لا اصدق أني حيٌ أو ميت، فالإنسان الحيّ حتى الحياة يحلم ويتفاءل ويؤمن أنه قادر على المشاركة الفعالة في عملية الوصول إلى حلّ يوافق عليه الطرفان، في حين أنني عاجز عن هذه المشاركة إذ لا رأي لمن لا يطاع، ولأنه كما يبدو أن طابع الصراع لدى الطرفين لا يبشر بإمكان الوصول إلى خلاص عادل قريب ولو نسينا ثمة سلطة لا تتنازل منذ نصف قرن ولن تتنازل كما يبدو عن قلامة ظفر من قبضتها التي تحكم بها البلد، وثمة معارضة صبرت طويلاً ثم كسرت جدار الخوف حين تجرأت أخيراً على رفع صوتها مطالبةً بالحرية والكرامة والعدالة بأسلوب سلميّ تحوٌل شيئاً فشيئاً مع ردود الفعل العنيفة إلى طوفان آخر من العنف والهلاك فهل الحرية ممكنة التحقيق بعد كل هذه البشاعة ؟
لقد تغير طرفا النزاع بعد هذه السنوات المميتة الثلاث، فالمعارضة بدأت تخرج عن شعارها السلمي الذي بدأت به ألى شعارات آخرى لا تذكر فيها الحرية بقدر ما يذكر شعار الخلافة والدين الأوحد، والنظام الحاكم بالمقابل قد شرع يغوص في متاهات التجاذب والمصالح الإقليمية والدولية العجيبة التي باتت وكأنها وحدها تملك صلاحية اتخاذ القرار، وإن لا فماذا يُنتظر من المؤتمر الموعد في جنيف 2 سوى تراشق الاتهامات والانسحابات والقطيعة وبالتالي العودة إلى ساحة القتال التي نخشى أن تتحوّل إلى ساحة إبادة لا ثورة شعب يطالب بالحرّية والعدالة أو دولة تدافع كما تقول عن حقها القانوني الذي صنعته منذ نصف قرن .
الآن …..!!
تائه لا لأنني أبالغ في التوجس والتشاؤم وإنما لأنني منذ أكثر من ستين عاماً وقد تجاوزت الثمانين، وأنا أحلم بالحرّية والعدالة وأعمل بكل طاقة في الحيوية والإبداعية في سبيل تقريب هذا الحلم من أرض الواقع الحيّ .. ستون عاماً .. رقمٌ ليس سهلاً تجاهله عندما نحاول تفسير مغزى الأعمار، فإلى أين وصلت أو وصلنا وماذا ينتظرنا بعد هذه المحطة المربعة التي نتخّبطُ في أوحالها وبحيرات دمائها الآن ؟ ….
يحق لي إذن أكثر من الآخرين الذين لم يحلموا ولم يعملوا وليس سوى أنهم كانوا يأكلون ويشربون وينعمون بأنهم أحياء يرزقون فحسب، الحياة بلا حرّية ولا عدالة ولا كرامة ليست حياةً بحق حتى ولو كان صاحبها يملك الدنيا التي حوله بالطول والعرض .. فماذا يطلب الناس الأصحاء جسداً وروحاً سوى أن يتخلصوا من عادة التكلم همساً والتلفت حولهم بحذر حين يودون الحديث عن الحرّية ؟ ….
ماذا يحدث لهولاء البشر لو ظلوا في بلد من البلاد خمسين عاماً مثلاً مرغمين على الصمت والحذر والتردّد والنفاق .. ماذا يحصل لأرواحهم من مسخٍ وتشويه ؟ ..! المشكلة في مثل هذه الحالة الصعبة ليس هو خراب الصناعة أو الزراعة أو السياحة مثلاً بل هو خراب النفوس، فحين تغيب الحرّية تغيب الشمس فلا يبقى أمام البشر عندئذ سوى أن يتخبطوا في الظلام !
فهل سأموت وقد طعنت في السن والبؤس والخيبة قبل أن ترفرف فوق رأسي راية الحرية والكرامة البشرية في أقطار عربية تستحقها وتنتظرها منذ قرون ؟ .. تُرى هل ما حدث في تونس وليبيا واليمن ومصر وسوريا يستحق أن يسمى ربيعاً، أم هو صيف خانق مستمر يغير ملابسه فقط ؟ صحيح أن الثورة الفرنسية مثلاً أعقبها زمن مديد من التخبط والفوضى والعنف قبل أن تستقر على نظام جمهوري ديمقراطي غير أن ما يحدث في أقطار ما يسمى بالربيع العربي لا يشبه إطلاقاً ما حدث في فرنسا ذلك لأن عوامل التخلف ما تزال تشد الخناق على أعناق وعقول البشر في الأقطار المذكورة في حين كانت فرنسا تمور بعوامل التقدم الحضاري قبل اندلاع ثورتها الشهيرة عام 1789 وليس بعدها فقط .
تنجح الثورة إذن حين تعلن عوامل التقدم عن حضورها القوّي في معظم مرافق الحياة كالصناعة والزراعة والتعليم وغيرها من المؤسسات المدنية الصاعدة فتفجّر ثورتها ضد نظام ٍ لم يعد ملائماً لمسيرتها الجديدة، ذلك هو العلاج إذن علاج الوباء المزمن الذي يعرقل ثورتنا ألا وهو التحضر للثورة قبل انفجار الثورة تحضيراً فكرياً واقتصادياً تنموياً ولو بشكل أولي .. وعلى الأخص في ميادين التربية والتعليم بتغييرها من أسلوب التلقين والحفظ الغيبي والجمود الفكري إلى أسلوب تحرير الفكر وتدريب العقل الفردي على الابتكار والاختراع والاكتشاف والتجديد .
إننا نعيش في الواقع خارج التاريخ إذ نكتفي باستهلاك الأجهزة الحديثة المتطورة من دون أن نسهم في صنعها وإنتاجها وتطويرها وهكذا سوف نبقى خارج التاريخ مهما قرعنا على أبوابه الموصدة في وجوهنا بقبضاتنا الدامية كما يقول أحمد شوقي في قصيدته المعروفة عن دمشق … وخاصة حين يقول :
وللحرية الحمراء بابٌ … بكل يد مضرجةٍ يدقُ فهيهات .. هيهات أن ينفتح هذا الباب إلا لأصحاب العقول المتفتحة على أضواء التطور الحضاري بعيداً عن التعصب والعنف .
هاهم المسلمون يطرحون الحل الاسلامي والمسيحيون يرقعون شعار المحبة التي دعا إليها المسيح واليهود ينادون بالحق التاريخي لهم في أرض فلسطين ودين واحد لإسرائيل وجميع هؤلاء لا يعلمون حقاً بشعاراتهم فالمسلمون أبعد ما يكونوا عن جوهر الاسلام ومثلهم المسيحيون الذين احلوا المصالح المادية محل المحبة واليهود فرضوا بالقوة حقوقاً ليست لهم على الاطلاق لا تاريخياً ولا عدلاً ولا قانوناً وفي بلادنا العربية ما يزال الناس ينتمون في الأزمات إلى عشائرهم وقبائلهم أو إلى مذاهبهم وأديانهم بدلاً من أن ينتموا إلى وطنهم الأوحد والأجدر بحق الانتماء إليه . ونقول هذا لا لكي نسدّ الطريق على من يدعون إلى الحرّية وإنما لكي نذكر جميع المتصارعين على أرضنا المنكوبة أن الحل كما يبدو لم يعد ملك أحد وأن الوطن الذي يدُمّر أمام العالم أجمع لا يمكن إعادته بنائه إذا ما استمر هذا الخراب المريع للحجر والبشر يكتسح كل شيء في وطن نتغنى بحبه ونتنافس في تدميره. ثمة تنازلات على الطرفين المتصارعين لا بد من تقديمها وصولاً إلى خلاص حقيقي، تنازلات يجب ألا يحسبها مقدموها إعلاناً عن هزيمة بل هي تعبير عن رقي فكري وسموّ روحي وصدق فعّال في عملية الخلاص .
الشمعة الأولى تنطفئ
انطفأت عند هذه الأسطر الشمعة الأولى بعد أن ذابت كلها وأنا ما ازال أتخبط فوق أوراقي على ضوء الشمعة الثانية الموشكة على الذوبان . دوي القذائف ما يزال يهزني وأزيز طلقات الرصاص يثقب في أذني والظلام يتحدى الضوء الباقي وأنا ما زلت أخطّ على الضوء الذي يشع في قصر العدل الجديد المواجه لبيتي مباشرة على الرصيف المقابل في حيّ المزة غرب دمشق. ثمة نور آخر يتسلل إلى قلبي ولا أدري من أين، نور خافت ناءٍ في أقصى الأفق أراه وأميزه بوضوح وأشعر معه بنوع من السكينة أن هذه القذائف وهذه الطلقات سوف تصمت بعد قليل وها هي قد صمتت فعلاً .. وساد الظلام إلا من تلك الشمعة في أقصى الأفق كما هي في قلبي وأمامي، شمعة تقول لي : انهض يا رجل لقد هدكَ الاعياء والانتظار وآن لك أن تستريح … في وسعك الآن أن تنام ما دامت الشمعة الثانية قد باتت قريبة منك إلى هذا الحد .
ليست هي شمس الفجر ولا قمر الغروب .. إنه قلبك نفسه يا رجل يخفق منذ ثمانين عاماً كي يقول لك إن الشمعة التي ترى لم تنطفئ ما دام قلبك ينبض وان الحرية التي نحتاج لها تقترب وانها هي التي تبقي شمعتك التي تذوب مضيئة حتى الان، وهنا توقفت عن الكتابة ونهضت كي أنام غير أني لم أنم حتى الآن …………..
‘ اديب سوري