الشهبندر لهاشم غرايبة: قصة مدينة عمان
الشهبندر لهاشم غرايبة: قصة مدينة عمانعمان ـ القدس العربي : تزخر رواية (الشهبندر) للقاص الأردني هاشم غرايبة التي صدرت طبعتها الثانية مؤخرا بأفكار ومضامين جادة تحكي للاجيال قصة مدينة عمان ومكانتها عبر الازمنة، أخيراً، متناولا فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكانها في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي.وتبدأ احداث الرواية بالحديث المباشر لبطلها المعروف (الشهبندر) الذي يمثل النخبة من مواطني المنطقة الذين تيسر لهم العلم والحياة الرغدة والعقل المتقد، فيتداعي شريط الذكريات امامه.. كنا في مقهي حمدان اول طلعة الشابسوغ حيث نلتقي نحن الشباب المتعلمين شاعرين بالتميز علي من هم اقل منا حظا بالتعليم . ومن هنا تبرز اهمية كتابة هذه الرواية باعتبارها وفقا لمذهب الواقعية في الادب تصور مرحلة تاريخية ما لمنطقة محددة بمواطنيها واحداثها. كما تأتي اهمية الرواية كونها صورة بل مرآة عكست ظروف ومناخات حياة اهل عمان من جوانب متعددة، فعبرها ينقل القاص غرايبة المتلقي الي فضاءات عمان في عامي 1937 و1938 من حيث نمط الحياة والتعليم ومبانيها وشخوصها بعلاقاتهم الاجتماعية المختلفة. ويجسد غرايبة في روايته الاهمية التاريخية لمدينة عمان كونها تحتضن ذاكرة وابداعات حضارات خلت، كانت ذات يوم تسود وتميد علي ارض بلاد العرب، ففيلادلفيا احدي مدن الديكابولس العشر التي وقعت تحت سيطرة الامبراطورية الرومانية ليقسم الرومان الارض والروح، فتتسيد عمان المكان لتصبح ملتقي للقوافل التجارية القادمة من الغرب والشرق حيث يقول الكاتب غرايبة لنا ان نتخيل العمونيين والمؤابيين والجلعاديين والآدوميين والكنعانيين وهم يهرعون الي فيلادلفيا التي اعاد بناءها القائد اليوناني بطليموس الثاني (فيلادلفيوس) ومنحها اسمه للتعرف علي الحياة الجديدة التي حملها لهم الرومان .وتعرض الرواية قيم واخلاقيات مهنة التجارة والصناعة من جشع وطمع يولدها عالم المال (الغني)، فيصبح هم الانسان فقط الربح وتكديس الفلوس ومراقبة الناس والحسد. ويختار (الشهبندر) الاقامة في عمان لتميزها عن غيرها من مناطق امارة شرق الاردن فيقول الراوي علي لسان البطل لم اسكن في جبل عمان الا رغبة بالتنعم بمعطيات الحضارة: التلفون والكهرباء وصنبور الماء . وهنا تظهر صفات وملامح عمان المتطورة مقارنة مع غيرها من مناطق الامارة في تلك الفترة.وتظهر الرواية ازدهار تجارة السلاح في عمان مع المناطق المجاورة حيث نمت هذه التجارة في ظروف الاستعمار والاحتلال لدول المنطقة، اما شخصية المرأة ووضعها الاجتماعي والاقتصادي نجده في بنات البطل (سلمي وكلثوم وندي وهدي) وهن متعلمات وجامعيات درسن في عمان والقدس والشام وبيروت، ويعتبرن نماذج فريدة للمرأة العاملة في مطلع الاربعينيات من القرن الماضي.. وبالنسبة لشخصية سلمي فقد عكست قيمة العمل وما يمنحه للانسان من رؤية وفكر ورأي وثقة بالنفس. فتجالس سلمي رفيعي المقام من وزراء ومسؤولي الحكومة وتناقشهم بأفكار واراء متحررة وواعية، وتأخذ قرارها بنفسها في مسالة (الزواج) فترد عندما يفاتحها والدها بموضوع العريس الذي يطلب يدها قائلة لم اسكت مطرقة خجلا كما ينبغي للبنت ان تفعل ولم اطلب مهلة للتفكير كما تقتضي التقاليد بل قلت بالفم المليان موافقة . وبالنسبة لشخصية الزوجة فهي مطابقة لوضع المرأة في تلك الفترة، انها المرأة التي انجبت اربع بنات وتحلم بالمولود الذكر وتعرف ان زوجها يحب اخري (لوليتا) لكنها صبورة وصامتة. وفي الرواية صور خيالية واسعة مثل (الوتد) و(الدامر) و(القمردين) تنقلب الي صور حية تنبض بالحياة فتنبري تسرد واقعها بمرارة، وكأن الكاتب يريد ان يذكر بأهمية التراث والتقاليد وامكانية الاستفادة منها مهما مر عليها من زمان.ويجد القارئ لغة الراوي سلسة وجلية، ثرية وغنية بعشرات الأمثلة والحكم المتطابقة مع نسق وافكار ومضامين احداث الرواية. ويقول الكاتب غرايبة ان كتابة روايته (الشهبندر) استغرقت منه جهد عامين في البحث ومقابلة اهالي عمان (لمعمرين) والعودة الي المؤلفات التي كتبت حول مدينة عمان، اضافة الي دراسة وزيارة امكنتها المختلفة. تؤرخ وتوثق رواية الكاتب هاشم غرايبة التي وفق بتقديمها من خلال احداثها وشخوصها لذاكرة المكان (عمان)، من حيث آثارها المتألقة وعادات وتقاليد سكانها وتركيبة المكان السكانية ونشاطات المنطقة التجارية والصناعية في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين. (عن بترا).0