القاهرة ـ ‘القدس العربي’ لم تشر الصحف الصادرة أمس الثلاثاء إلى أي خبر أو موضوع يجتذب الاهتمام، فقد سخرت من المشاكل التي أحدثها سقوط الأمطار في بعض مناطق القاهرة والسيول في سيناء والصعيد، وهي ردود الأفعال نفسها التي تحدث كل عام كلما سقطت أمطار تعطلت المواصلات، ويتم تعريف معظمها بالمقشات، وكذلك ما تحدثه السيول من دمار لمنازل أقامها الأهالي على مخيرات ومجاري السيول، وأشارت إلى لوقع موجة من الرياح والأتربة اليوم الأربعاء.
كما نشرت الصحف اخبار مواصلة الشرطة تفكيك مجموعات إرهابية عديدة تقوم بقتل رجال الشرطة والجيش وحرق السيارات بعد إلقاء القبض على بعضهم وإرشادهم عن باقي زملائهم. وكان قد تم قتل الطالب بالسنة الرابعة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع الزقازيق أحمد عبد الرحمن عبده أثناء قيامه بالهجوم مع اخر على اثنين من الشرطة وقتل أحدهما، لكن الثاني تمكن من الرد وقتل طالب الازهر اما زميله فقد هرب.
وفي سيناء تعرضت قافلة للجيش لإطلاق قذيفة آر بي جي على مدرعة ولكنها لم تصبها، وأطلقت القوات نيرانا كثيفة على المزارع التي انطلقت منها القذيفة وهناك احتمالات بمقتل اثنين.
وجاء في الصحف ان النائب العام المستشار هشام بركات أصدر قرارا بإخلاء سبيل مئة وأربعة طلاب من الذين شاركوا في أعمال العنف، حرصا على مستقبلهم وصحتهم، وذلك تطبيقا للاتفاق الذي تم بين وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم واتحاد طلاب الجامعات. واشارات الصحف إلى حضور المشير السيسي حفل تكريم أسر شهداء الجيش، والقائه كلمة أكد فيها ان الجيش قوي ومتماسك ولا ينسى الشهداء، وأن الإرهاب يتراجع وسيتم القضاء عليه. كما استقبل السيسي مبعوثا من جمهورية السنغال سلمه رسالة بحضور رئيس الأركان الفريق أول صدقي صبحي، سبقها استقباله مبعوثا من رئيس جنوب أفريقيا وتسليمه رسالة منه، وقبله مقابلات مع أعضاء من الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي، وهي إشارة إلى بدء التعامل مع الرئيس القادم.
كما واصل صديقنا وزميلنا حمدين صباحي المرشح المنافس للسيسي زياراته للأحزاب لعرض برنامجه وتأكيده على أنه لن ينسحب من المنافسة مع السيسي .
كما تواصل الاهتمام بالمشروع الهائل الذي سيتم تنفيذه لبناء مليون وحدة سكنية للشباب في ثلاث عشرة محافظة بمساعدة من دولة الإمارات، وستنفذها شركة أرابتك بالإمارات بالتعاون مع الجيش الذي قدم الأرض، وهي تشكل ربع التكلفة، وسيقوم أربعون بنكا أجنبيا ومحليا بمنح قروض ميسرة جدا للشباب والمحدودي الدخل وسيتم تسليم مئتي ألف وحدة في ظرف سنة والباقي على مدى أربع سنوات تالية، والمشروع بذلك ضمن للشركة الإماراتية الاستفادة من أموال بلادها، وضمن لمصر حل جزء من مشكلة خطيرة وتشغيل عشرات الألوف في المشروع وتنشيط عشرات المصانع المنتجة والمستوردة للمواد اللازمة للمشروع.
والى شيء قليل من أشياء كثيرة عندنا..
الإخوان ربما سيحاولون الدفع
بوجوه غير معروفة للبرلمان
ونبدأ من يوم السبت مع الأستاذ بجامعة أسيوط النائب الأول السابق لمرشد الإخوان المسلمين الدكتور حبيب، الذي نشرت له ‘أخبار اليوم’ حديثا أجراه معه زميلانا أحمد مراد وآلاء المصري، قال فيه عن الإخوان وتجربتهم وتصوراته لنتائج معركة الانتخابات القادمة: ‘جماعة الإخوان أتيحت لها فرصة تاريخية لم تكن تتاح لها عبر عشرات السنين، وللأسف فشلوا في اغتنام هذه الفرصة، وهم في الواقع أساتذة في إضاعة الفرص ففي السابق وعلى مدى 80 عاما كان الإخوان يعانون من تضييق وقمع الجماعة، ويقومون بالوظائف الأساسية كالتـــــربية والدعوة، بالإضـــافة إلى لجان نوعية وفنية وعمل المجالس الشمولية والإدارية للتنظيم، وكان كل ذلك يتم في الخفاء وتحت ملاحقة ومطاردة الأجــــهزة الأمنية، وعندما جاءت ثورة 25 يناير/كانون الثاني ونعم المصريون بمن فيهم الإخوان بالحرية، كنت أتوقع لهم، أي الإخوان، ان يغتنموا هذه الفــــرصة ويقـــوموا بإعادة ترتيب الأوراق وتغيير اللوائح والنظم والهياكل بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة، ولكن للأسف عندما أتيحت لهم فرصة الحكم لم يكن لديهم إعداد أو تهيـــئة أو تأهيل أو تدريب، ولم يكن لديهم الخبرة الكافية بإدارة شؤون الدولة وللأسف وضعوا أنفسهم في حارة مزنوقة والمصــيبة الأكبر أنهم كانوا يريـــدون السيطرة على كل مفاصل الدولة، وفقدوا التواصل مع كل القوى الباقية، وبالتالي كما صعدوا إلى قمة التل سريعا كان من المتوقع أن يسقطوا سريعــا، وكل ذلك بلا شك سيعكس أثره على مستقبل جماعة الإخوان بصفه عامة. أعتقد أن الإخوان سوف يحاولون الدفــــع بوجوه غير معروفة وحزب النور سيكون له جزء من مقاعد البرلمان، ولكن باقي التيارات الإسلامية لن يكون لها تأثير في مجلس النواب المقبل، لأنه لا توجد لدينـــا أحزاب قوية على الساحة السياسية، ولكن إذا استطاعت القوى الليبرالية تشكيل كتلة واحدة ونجح اليساريون في تشكيل كتلة واحدة وكذلك فعل الناصريون والإسلاميون وتنافس الجميع لتحقيق مصلحة الوطن فإن ذلك بلا شك سوف يساهم في تشكيل برلمان قوي’.
ترتيب البيت المصري
مقدمة للمصالحة الوطنية
ومن محمد حبيب إلى حبيب آخر في اليوم نفسه السبت، وهو الدكتور كمال حبيب، الكاتب وأبرز وجوه جماعة الجهاد وحديثه في مجلة ‘الإذاعة والتلفزيون’ الذي أجراه معه زميلنا مجدي دينار وأكد فيه على ما يلي: ‘ترتيب البيت المصري من الداخل يجب أن يكون على رأس أولويات الرئيس القادم كمقدمة للمصالحة الوطنية، وهذا يتطلب أيضا تغييرا في الإستراتيجية التي ينتهجها الإخوان بعد فشلها، والاقتراب أكثر من الدولة، فيجب أن يعرفوا أن موازين اللعبة السياسية ليست في صالحهم، وبالتالي يجب أن يعودوا كما كانوا من قبل إسلاما مشاركا وليسوا أساسا للإسلام المواجه، بعدها يبدأ الرئيس في تطبيق العدالة الانتقالية بشفافية حتى تلتئم جروح تيار الإسلام السياسي، وبعدها يبدأ الحديث عن إمكانية المصالحة.
تجربة الإخوان في الحكم كشفت عما نجهله عن التنظيم، فقد اكتشفنا أنهم لا يختلفون كثيرا عن الجماعة الإسلامية فهم يعالجون المشاكل من منظور صلب لا يعرف التفاوض، وهذا ما اتضح في خطاب رابعة المنفصل عن الواقع، الذي يؤكد على أن قياداتهم مستعدة للمواجهة والصدام مع الدولة أكثر من استعداهم للحوار والتعامل مع الوضع بقواعد اللعبة السياسية، وقد أخطأوا في فهم المحاولات الدولية للوساطة بينهم وبين الدولة وظلوا يتحدثون عن التضحية من أجل عودة الرئيس، وبدأوا يبشرون بقرب العودة للاتحادية كـ ‘مهدي منتظر’، هناك بعض الأصوات الشابة داخل الجماعة بدأت تتحدث بعقلانية ووجهت سهامها نحو قيادات الجماعة، باعتبارهم هم المسؤولين عما حدث، بعد أن رفضوا رؤيتهم كشباب للإصلاح وهؤلاء هم النواة لتيار إصلاحي قادم حين يزول غبار المعركة، وهذا لا يكفي للمصالحة فعلى الإخوان أن يقدموا وثيقة مكتوبة بنبذهم للعنف مشابهة لكتاب الهضيبي ‘دعاه لا قضاة’، فالجماعة دائما تترك الباب مواربا وهي تتعامل مع العنف انتظارا لقرب نهاية التاريخ بصعودهم إلى سدة الحكم’.
الفرقة الناجية الوحيدة
هي اللافرقة اللا تنظيم..
هذا عن يوم السبت أما يوم الأحد فقد شن زميلــــنا بـ’الجمــــهورية’ مدير عام تحريرها خفيف الظل محمد أبو كريشة هجوما على الجميــــع، منذ بدأ ظهور التطرف على أيدي الخوارج، فقال عن الأجداد والأبناء والأحفاد منهم:
‘آفة الخيرية التي أصابت الخوارج والمنافقين والمعالين والمتطرفين هي التي جعلتهم يكفرون الحاكم والمحكومين والمجتمع كله، ويعتزلون في جماعات وتنظيمات وحركات لها أسماء كثيرة، ما أنزل الله بها من سلطان، لمجرد التميز وادعاء الخيرية والفوقية.. هؤلاء جميعا هم الفرق الهالكة حيث تكون في الإسلام، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‘ثلاث وسبعون فرقة كلها هالكة، إلا فرقة واحدة هي الجماعة’، وقد ظن الحمقى وظنهم إثم أن الجماعة فرقة فكونوا ما سموه الجماعة الإسلامية على أساس أنها الفرقة الوحيدة الناجية، والجماعة التي تحدث عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عامة الناس هي أنا وأنت وهو وهي، الذين ليسوا فرقة ولا جماعة ولا تنظيما ولا حركة ولا حزبا ولا منظمة.. فالفرق الهالكة التي تسمي نفسها وتجعل لنفسها أسماء وعناوين وشارات وإشارات وشعارات ومقار، فمن تسموا تسمموا وكل وصف للمرء بعد ‘مسلم’ يضمه فورا إلى الفرق الهالكة مسلم حزب الله، مسلم جهادي، مسلم صوفي، مسلم من الأشراف، مسلم سني، وبعد وصف مسلم يضمك فورا إلى الفرق الهالكة كل تصنيف للمسلمين يضم أصحابه في لحظة إلى الفرق الهالكة، كل جماعة تطلق على نفسها اسما فرقة هالكة الفرقة الناجية الوحيدة هي اللافرقة هي اللا جماعة اللا تنظيم اللا حركة اللا منظمة اللا حزب ارتاحوا بقي وريحونا’.
ماذا قدمتم للوطن
في محنته التي تكاد تعصف به؟
وما أن قرأ القيادي في الجماعة الإسلامية عبود الزمر ذلك حتى أصابه الرعب واستغل مناسبة بلوغه سن الستين ليعلن توبته غير المباشرة عن السياسة وخصوماتها ليضمن الجنة فقال في اليوم التالي في ‘المصريون’ الأسبوعية المستقلة: ‘ومن يمد الله في عمره أكثر من ذلك هم أعداد قليلة وهنا كان لزاما علينا يا من أكرمه الله ببلوغ سن الستين أن يحمد الله على هذا العمر الطويل، ويتخفف من أحوال الدنيا ومتاعها ويستعد للقاء الله، ولكن الحاصل أن الإنسان يزداد حرصا على الدنيا وتمسكا بالبقاء. أكثر من ذلك أشير إلى بيت القصيد وهي النخبة التي تمثل قادة الفكر والرأي والجماعات والكيانات والمؤسسات والأحزاب، فعلى الرغم من أن معظمهم بين الستين والسبعين إلا أنه لا زال الخلاف محتدما بينهم، فهم لا يراجعون أوراق اعتمادهم للآخرة، بل هم منشغلون بغيرهم في النقد وتصيد الأخطاء والتحريض على استمرار الصراعات التي يترتب عليها الاضرار بالأجيال القادمة، وتحميلهم الكثير من الهموم والديون والجراحات التي لا تندمل.
فعلى النخبة أن تراجع نفسها وتفكر للوطن ومستقبله وليس لمستقبل أشخاص في خريف العمر، وأن تعالج بخبرتها وحكمتها ما يقع تحت بصرها من خلاف أو فساد، وعلى النخبة أيضا أن يستعدوا ومعظمهم الآن على أعتاب القبور للإجابة عن سؤال مهم ألا وهو ماذا قدمتم للوطن في محنته التي تكاد تعصف به؟’.
الجيش المصري يمارس
أعمالا ليست من اختصاصه
وإلى جريدة ‘التحرير’ اليومية المستقلة وزميلنا نبيل عمر الذي دافع عن الجيش المصري وتاريخه ووضعه، إلا أنه طالبه بالابتعاد عن ممارسة أعمال ليست من مهامه قال: ‘تعبير ‘العسكر’ وفق تاريخ الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وبعض دول آسيا لا يجرؤ على الاقتراب من تجربة المؤسسة العسكرية المصرية في احداث الانتفاضة المصرية في 30 يونيو/حزيران ولا في حكم ثورة يوليو/تموز، التي كانت انقلابا بالمفاهيم العلمية الحديثة، واندفعت في طريق الثورة بإرادتها لتقلب المراكز القانونية لطبقات المجتمع المصري رأسا على عقب، وتعيد توزيع الثروة والسلطة، وانتهت إلى أحوال اجتماعية واقتصادية وسياسية أكثر قسوة مما كانت عليه في مجتمع ما قبل يوليو 1952، أحوال أججت نيران ثورة 25 يناير فحرقت رئاسة حسني مبارك وبطانته، لكن قطعا لم تمض حركة جيش مصر في عام 1952 على غرار انقلاب فرانكو 1936 في اسبانيا، ولا حسني الزعيم في سوريا 1950، ولا خمسين انقلابا عسكريا في أمريكا اللاتينية من منتصف القرن التاسع عشر إلى الانقلاب على الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز قبل سنوات. افهم أن تكون للقوات المسلحة مشروعات اقتصادية في مصر المأزومة الظالمة لمواطنيها، فهي تدبر موارد لنفسها حتى تتجنب الحاجة إلى خزانة دولة خاوية، لكني لا أفهم ان تتوسع هذه المشروعات حتى تكاد تشغل حيزا مهما من نشاط القوات المسلحة، بينما نشاطها الأصلي هو القتال وليس إدارة قاعة أفراح أو محطة بنزين أو محل حلواني أو كافية أو… وكل هذا حدث في عصر حسني مبارك لا قبله، وهذا خلل نفسي ومادي في بنية المؤسسة ما بين مجند يسف التراب في التدريب، ومجند يخدم جرسونا في مطعم أو عاملا في محطة بنزين أو منظما في قاعة أفراح، وكذلك بين مقاتل في الصحراء يعيش ظروفا طبيعية ونفسية قاسية وموظف في فندق يعيش حياة مدنية خالصة. صحيح أن هذه الأنشطة تتيح لعموم المصريين أسعارا مخفضة للغاية تساعدهم في الحصول على هذه الخدمات، من دون التعرض إلى ابتزاز القطاع الخاص، وبالفعل حلت أزمات كثيرة لهم لكنه عمل لا يصلح قطعا مع المؤسسة العسكرية.
القطاع العام مسمار
في نعش المرحلة الساداتية والمباركية
وإلى الحكومة وتحركات رئيسها ووزرائها التي قال عنها يوم الاثنين زميلنا وصديقنا بـ’الأخبار’ ورئيس تحرير مجلة ‘آخر ساعة’ الأسبق رفعت رشاد: ‘المؤكد أن السنوات الثــــــلاث الماضية أعادت للزعـــــيم الخالد جمــــال عبد الناصر نسبة كبيرة من اعتباره، بعدما حاول الســادات والذين معه والذين جاءوا بعده أن يسيروا على خطاه بأستيكة. أدرك المواطنون بمن فيهم الشباب الذين لم يعاصروا عبد الــــناصر ولم يعــــرفوا الطــريق المباشر ماذا فعل للوطن، ولو صدق إبراهيم محلب في ما قاله خلال جولته بشركة المحلة الكبرى بشأن عودة القطاع العام وإنهاء ما يســـمى بالخصخصة، يكون المسار الأخير في نعش الحقبة الساداتية والمباركية قد تم دقه ليعود الزعيم افتراضيا إلى شعبه ويعود إليه شعبه بدون دخلاء. لفت الانتباه شدة غربال محلب ووزرائه الذين انطلقوا إلى المواقع المختلفة في البلاد لكي يكشفوا الفساد والإهمال ويعاينوا الخــــلل ويعيدوا تصحيح الأوضاع. الببلاوي ذهب إلى حال سبيله فهل كان الرجل يعوق حركتهم ويمنعهم من القيام بجولاتهم هذه، لا أعتقد أنه يمنعهم لكن الوزراء مثلهم مثل كل الشعب المصري لا يعملون إلا وهم تحت بصر رقيب مثلما يحدث في نقاوة دودة القطن تماما’.
نحتاج إلى هزة كبيرة
للنظام التعليمي والمنظومة الصحية
وإذا انتقلنا إلى ‘جمهورية’ اليوم نفسه سنجد زميلنا المحرر الاقتصادي الكبير عبد الله نصار يقدم نصائح للحكومة في عموده اليومي تساؤلات منها: ‘المنشآت الخاسرة أو التي أغلقت أبوابها يجب أن توضع في مقدمة الاهتمام بفتح الطريق أمام الإدارات المحترفة التي تستطيع النهوض بها، ولا ضرر على الإطلاق من الاستعانة بخبرات إدارية من الخارج، رغم أن لدينا خبرات وكفاءات لم تستثمر بعد، ولعل أخطر القضايا المتعلقة بالفقر هي قضية الدعم، وهي قضية متشابكة ومعقدة ولا تصلح معها الحلول الجزئية أو الصدمات، ولكن الحلول التي تفتح أبواب الأمل والعمل والانتماء للفقراء بتشجيعهم على الاعتماد على أنفسهم تدريجيا حتى يمكن خفض الدعم. أولى خطوات الإصلاح هي إعادة توزيع الأعباء بين فئات المجتمع بأكبر قد ممكن من العدالة وتكافؤ الفرص والإنصاف وإصلاح التعليم والصحة، وهما الطريق لقهر البطالة، ولهذا نحتاج إلى هزة كبيرة للنظام التعليمي والمنظومة الصحية التي أصبحت على حالة من التدهور والانهيار مما يهدد السلام الاجتماعي الذي يجب أن نحرص عليه، فهو أهم ضمانات الاستقرار السياسي والاجتماعي’.
تحقيق التنمية الاقتصادية
لا يتناقض مع العدالة الاجتماعية
اما زميلنا الخبير الاقتصادي البارز ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الدكتور أحمد السيد النجار فقال في ‘الأهرام’ الاثنين أيضا: ‘أثارت التصريحات المتعاقبة للمشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والإنتاج الحربي المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية، حول ضرورة الاحتشاد المجتمعي وإعطاء الأولوية للبذل والتضحيات من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية، بالاعتماد على الذات، الكثير من الجدل حول الجدول الزمني لتحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية للشعب وثورته، وبدا الأمر بصورة أو باخرى كأنه دعوة إلى تأجيل بعض المطالب الاقتصادية والاجتماعية من أجل تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمارات الحاسمة لتحقيق التنمية والاستجابة للمطالب المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية. الحقيقة أن الاحتشاد لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة التي تركز على القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الصناعية التحويلية، لا يتناقض مع الاستجابة لجزء مهم من مطالب المواطنين المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية، عبر إجراء الإصلاح الممكن لنظم الأجور والضرائب وأموال التأمينات والمعاشات والدعم والصحة والتعليم وحماية المستهلك ومنع مكافحة الاحتكار، بل أن غالبية هذه الإصلاحات تشكل جزءا أساسيا من أي عملية نهوض اقتصادي حقيقي، بما توفره من بيئة مناصرة للنمو إذا تم إنجازها بالتوازي مع إصلاح نظام العمل لاستعادة تقاليد العمل والكد والاجتهاد بصورة صارمة، أما نظرية التساقط التي يتبناها صندوق النقد والبنك الدوليان وطبقها نظام مبارك والقائمة على التركيز على حوافز النمو مع تجاهل إجراءات تحقيق العدالة الاجتماعية، على اعتبار أن ثمار هذا النمو سوف تتساقط على الجميع فهي نظرية ثبت فشلها وتسببت في إشعال احتقانات اجتماعية وفشلت حتى في تحقيق النمو المطلوب’ .
الحكومات المتعاقبة
وسياسة الاحتواء
وننتقل الى ‘الشروق’ عدد امس الثلاثاء ومقال للكاتبة سلمى حسين التي تتحدث لنا عن الحكومات المتعاقبة والوعود التي تقطعها على نفسها ولكن في النهاية ترحل من دون ان تحقق ايا منها تقول:’كلما اشتدت الاحتجاجات الاجتماعية، تقدم الحكومة وعدا بزيادة الحد الأدنى للأجر. وعد لا يمكنها أن تنفذه ليس بسبب نقص الموارد فقط ولكن أيضا بسبب نقص الإرادة. وعندما يكتشف العاملون بأجر ــ الفقراء ــ الخدعة، ترحل الحكومة. نجح هذا التكتيك خلال السنوات الثلاث الماضية جزئيا في احتواء الاحتجاجات. ترحل الحكومة ويبقى السؤال: هل ستفقد التعويذة سحرها هذه المرة، أم ما زالت فعالة؟ في فبراير/شباط الماضي، تزايدت الإضرابات والاعتصامات فى عدد من الصناعات امتدت جغرافيا في عدد كبير من المحافظات. وفشلت حكومة الببلاوي ــ مثل سابقاتها ــ في احتواء كرة الثلج، حيث يطالب المتظاهرون بأن تفي الحكومة بوعدها بحد أدنى للأجر، وعدوا به، ثم أخلفت الحكومة وعدها. ولكن.. لا تفهمني خطأ.. لا يعنى أبدا رحيل حكومة الببلاوي أن تأتي أخرى أكثر إيمانا بالحق في الكرامة والعدالة. فهذا الملف الذي تم اختزاله في الحد الأدنى للأجر، لن يعدو أن يظل الحظاظة التي نلهي بها الطفل عند البكاء. في عالم السياسة، يسمى هذا النوع من الانصياع الشكلي لرغبات الشعب فى الإصلاح ‘سياسة الاحتواء’.. لم تفعل حكومة الببلاوى أكثر من ذلك… حكومة الببلاوي، هي الحكومة الثالثة التي ترفع الحد الأدنى للأجر منذ حكومة نظيف (نعم، هو أيضا لجأ لنفس الحيلة لإخماد حركة احتجاجات متصاعدة). فلماذا لم يرضِ أصحاب الأجور الهزيلة؟ ولماذا لم نحس كشعب بالراحة ــ ولا هم كحكومات، لا هم لها إلا زيادة النمو ــ بالانتعاش الاقتصادي الناتج عن زيادة الاستهلاك الذي من المفترض أن يقوم به أولئك المنعمون الذين زادت دخولهم؟.. وهكذا، تكون الحكومة الجديدة معدومة الموارد وكذلك الإرادة، مجرد إسفنجة، تمتص الغضب الشعبي، لتهيئة جو مناسب للانتخابات. وليس أدل على ذلك من التصريح الأول لرئيس الوزراء، الذي أذاعته ونشرته كل قنوات الإعلام والصحافة، مطالبا فيه المحتجين بالهدوء والتوقف عن الاعتصامات والإضرابات. وبحسب خبرة السنوات القليلة الفائتة، ستقوم الحكومة بتلبية جزء صغير من الحقوق مع وعد بتلبية الباقي في أقرب فرصة. وتأتي الانتخابات بوجه جديد وأمل جديد للناس المنتظرة في ترقب هادئ أن يتحسن مستوى حياتهم، وهو ما لا يحدث، فتعود موجة من الاضطرابات، أعنف وأكثر اتساعا ــ خاصة في حالة رئيس منتخب، كما رأينا. أي ينقلب السحر على الساحر’.
‘أيهما أهم زيادة
الثروة أم حُسن توزيعها؟’
ونبقى في ‘الشروق’ عدد اليوم نفسه ومع مقال الكاتب جلال امين الذي يتحدث لنا في مقاله عن الفكرتين اللتين تتصارعان عند الاقتصاديين وهي هل المهم زيادة الثروة أم حسن توزيعها يقول:’ منذ أن ولد علم الاقتصاد (أى منذ قرنين ونصف القرن) ظلت فكرتان تتصارعان داخل عقول الاقتصاديين (بل وربما في قلوبهم أيضا)، فتنتصر إحداهما مرة، ثم تنتصر عليها الأخرى. والصراع هو حول الإجابة على السؤال الآتي: ‘أيهما أهم: زيادة الثروة أم حُسن توزيعها؟’.
من السهل أن نتبين أن وراء هذا الصراع في الفكر، صراعا طبقيا، فالمنتصرون للأغنياء يقولون عادة إن زيادة الثروة هي الأهم (إذ إن إعادة توزيع الثروة لابد أن يكون على حسابهم)، والمنتصرون للفقراء يقولون بالعكس إن المهم هو حُسن توزيع الثروة، ولكن الجميع يزعمون بأنهم لا يبغون في النهاية إلا مصلحة الفقراء. الفريق الأول يقول ان التركيز على زيادة الثروة هو الذي يحقق مصلحة الفقراء في النهاية، وان اللهفة على إعادة التوزيع لصالح الفقراء، ستنتهي بالإضرار بهم، فإذا بنا بدلا من أن نعيد توزيع الثروة نعيد في الواقع توزيع الفقر. أما الفريق الثاني، فيؤكد أن سوء توزيع الثروة لابد أن يؤدي في النهاية إلى تقليل حجم الثروة نفسها، ومن ثم فإن إعادة التوزيع تضمن تحقيق العدل والتنمية في نفس الوقت. المدهش فى هذا الخلاف الذي بدأ منذ آدم سميث (1776)، الذي يوصف عادة بأنه أبوعلم الاقتصاد، أن الحجج التي يستخدمها كل فريق لم تتغير كثيرا منذ ذلك اليوم…. ليس غريبا إذن ان نرى شعار العدالة الاجتماعية يرفع بقوة من جديد في مصر، مع قيام ثورة 25 يناير 2011. وليس غريبا أيضا ان يتردد اسم عبدالناصر من جديد، وان تعود ذكريات السياسة الاقتصادية الناصرية التي طبقت في الخمسينيات والستينيات إلى الأذهان، كلما رفع شعار العدالة الاجتماعية. ولكن من المهم ان نلاحظ أن ‘العدالة الاجتماعية’ المطلوبة الآن لا يمكن ان تعني نفس ما كانت تعنيه منذ نصف قرن، كما ان وسائل تحقيقها لم تعد هي الوسائل القديمة. لقد تغير العالم وتغيرت مصر في جوانب مهمة تجعل من الضروري إعادة تحديد مفهوم العدالة الاجتماعية حتى يصبح أكثر ملاءمة وواقعية، وإعادة النظر أيضا في وسائل تحقيقها’.
وعي النخبة السياسية الحاكمة
مؤسس على الفرز الطبقي
وننهي جولتنا لهذا اليوم مع مقال الكاتب محمود سلطان في جريدة ‘المصريون’ الذي عنونه بـ’دولا مين’ يقول:’ من كلمات أحمد فؤاد نجم وألحان كمال الطويل، غنت الفنانة سعاد حسني أغنية ‘دولا مين’.. تقول مطلعها: دولا مين ودولا مين..’ دولا عساكر مصريين
دولا مين ودولا مين..’ دولا ولاد الفلاحين
ولا أدري ما إذا كان ‘نجم’ ـ شاعر الأحياء الشعبية والعشوائيات ومدن الصفيح ـ شاء تكريم ‘ولاد الفلاحين ـ العساكر’ من خلال حس اجتماعي مناهض لـ’الطبقية الاجتماعية’ الاستعلائية في مصر. في العادة ينتمي العساكر إلى ‘طبقة الفلاحين’ بينما ينحدر’الضباط ـ الباشوات إلى الطبقات ذات الوجاهة والمنزلة الاجتماعية الرفيعة في القرى وفي المدن والمناطق الحضرية. وعي النخبة السياسية الحاكمة، مؤسس على الفرز الطبقي، وهذه مشكلة كبيرة ربما شعر بها نجم ـ رحمه الله ـ فالشهداء نوعان: عساكر يتحولون إلى مجرد ‘أرقام’ وللتوظيف الدعائي ضد ‘العدو ـ الخصم’.. بينما الضباط يحظون ‘بالتشريفة’ الرئاسية، لاحظ مثلا زيارة المشير السيسي لوالدة ضابط الأمن الوطني وانحنائه ليطبع قبلة ‘حنان’ أبوية على جبينها.. فيما لم يحظ شهيد واحد من الجنود بمثل هذا التكريم الحاني رفيع المستوى.
منذ سنوات كان الضحايا من الجنود يوارون الثرى في هدوء في جنازة يحضرها الفلاحون.. بينما جنازة الضابط، تشهد حشودا يتصدرها الجنرالات من ذوي الرتب الثقيلة، وتطلق المدفعية زخات من القذائف تحية لروح الفقيد.
نجم.. الذي قضى طفولة بائسة في ملاجئ الأيتام في محافظة الفلاحين ‘الشرقية’، كتب هذا ‘البروجي’ تحية لـ’العساكر ـ ولاد الفلاحين’.. المطحونين تحت عجلات الفرز الطبقي..’ يقاتلون ويستشهدون أو يرحلون من دون أن يشعر بهم أحد.. بل إن بعضهم يفتك بكبده فيروس ‘سي’ ولا يجد ثمن الدواء.. وقد يموت منسيا في ‘عشة’ نائية على أطراف قريته الفقيرة. نجم ـ رحمه الله ـ حاول تعويضهم من الحرمان .. وقدم لهم أرق التحية وبأعذب الكلمات.. يكمل قصيدته قائلا:
دولا الورد الحر البلدي .. يصحى يفتح اصحى يا بلدي
دولا خلاصة مصر يا ولدي .. دولا عيون المصريين
دولا مين ودولا مين
دولا القوة ودولا العز .. يهدوا الغالي مهما يعز
هز يا دفعه هلالك هز .. واحنا وراك ملايين جايين
ويوم أمس استشهد 25 مصريا في السويس.. في حادث مروري مروع، ورغم أنها مذبحة بكل المقاييس إلا أن الحادث مر بردا وسلاما على تجار الدم وأثرياء الحرب الذين يتجارون في ضحايا الإرهاب وحسب ويوزعون الاهتمام على الضحايا بحسب ‘الرتبة’ والانتماء الطبقي’.