الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ اغتيال الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في الحادي عشر من أيار/مايو الجاري، تدير إسرائيل معركة على الوعي والرواية في العالم بعد اتهامات لها بقتل الصحافية مرتين، مرة برصاصة في الرأس ومرة بالاعتداء على موكب تشييعها في طريقها الأخير. بعد الاغتيال في مخيم جنين الذي تمر منه الطريق للقدس ولطل فلسطين، كما قالت شيرين بنفسها عدة مرات، تعجلت إسرائيل نفي تورط جنودها بالقتل نفيا جارفا وقاطعا. وأمام التساؤلات عادت بعد ساعات لتغيير روايتها بأخرى أكثر منطقية مفادها أن هناك احتمالا بأن الرصاصة القاتلة كانت إسرائيلية مثلما أن هناك احتمالا بأنها أطلقت من قبل مسلحين فلسطينيين من من يستخدمون هم أيضا بندقية الـ إم 16 الأمريكية والمعتمدة في جيش الاحتلال. في إطار هذا الصراع على الرواية والوعي، تخشى إسرائيل من ردود فعل الرأي العام والشعوب في العالم أكثر مما تخشى من ردود فعل الحكومات والدول التي تبين أنها تعتمد في حسابتها منظومة المصالح أولا قبل منظومة الأخلاق، وهناك بعض الأوساط الإسرائيلية المناصرة للسلام والتسوية أو المعادية للصهيونية التي تعرب عن خيبة أملها من نفاق العالم الرسمي ومن اكتفاء الغرب بضريبة شفوية بدون أي خطوات فعلية ضد الاحتلال رغم صور الاعتداء الوحشي وغير المسبوق عالميا على التابوت. ولذا تواصل حكومة الاحتلال التنكر لمسؤوليتها عن قتل أبو عاقلة المباشرة وغير المباشرة رغم أنها دولة محتلة وهي صاحبة السيادة طبقا للقانون الدولي وهي بذلك تحاول ألا تكرر «غلطتها» حينما اضطرت للاعتراف بقتل الطفل محمد الدرّة في غزة في بداية الانتفاضة الثانية.
بندقية جندي
قد تكون قتلت شيرين
في تفاعلات القضية يرفض الجيش الإسرائيلي فتح تحقيق في مقتل شيرين أبو عاقلة، والسلطة تعدّ القرار جريمة جديدة بحق الفقيدة، فيما قال مسؤول عسكري إن الجيش الإسرائيلي حدد بندقية جندي ربما تكون قد قتلت صحافية «الجزيرة» شيرين أبو عاقلة، وفقا لما نقلت عنه وكالة «أسوشييتد برس» لكنه أكد أنه لا يمكن التأكد من هذه الفرضية ما لم يقم الفلسطينيون بتسليم الرصاصة التي قتلتها لتحليلها، وتبدو هذه محاولة جديدة ومتذاكية لإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني، وسط استغلال حقيقة أن التحقيق الجاد في مثل هذه الحالات بنظر العالم يحتاج أيضا لفحص مخبري ومعاينة الرصاصة للتثبت رسميا من هوية مطلقها خاصة أن القانون الدولي يقضي بتحاشي مقاضاتها في محكمة الجنايات الدولية بحال قامت هي بنفسها بالتحقيق في الجريمة. في مثل هذا المطلب المتكرر باستلام الرصاصة يسعى الاحتلال لوضع السلطة الفلسطينية في خانة الاتهام كمن يعرقل عملية تحقيق مجدية. وطالبت إسرائيل بعد مقتل أبو عاقلة، السلطة الفلسطينية بتسليم الرصاصة التي أصابتها في وجهها لاستكمال التحقيقات، لكن السلطة رفضت. وكان الجيش الإسرائيلي أعلن منذ أسبوع عن نتائج تحقيق مرحلي بشأن مقتل الصحافية الفلسطينية صاحبة الجنسية الأمريكية، وخلص إلى أنه «لا يمكن تحديد مصدر إطلاق النار» الذي تعرضت له أبو عاقلة. وأشار بيان للجيش الإسرائيلي إلى أن التحقيق الأولي يظهر أن هناك احتمالين لمصدر إطلاق النار الذي تسبب بمقتل شيرين أبو عاقلة. وحسب البيان فإن الاحتمال الأول: إطلاق نار كثيف لمسلحين فلسطينيين تجاه قوات جيش الدفاع، بما في ذلك إطلاق مئات الرصاصات من عدة نقاط بالقرب من تواجد المراسلة، وقد يكون هذا هو مصدر إطلاق النار الذي أصابها وهذا ما تفنده «الجزيرة» استنادا لقرائن وأشرطة فيديو جديدة من موقع الجريمة. وأوضح البيان، الاحتمال الثاني: هو أنه خلال تبادل إطلاق النار أطلق أحد مقاتلي جيش الدفاع النار من شق في الجيب، ومن خلال عدسة تلسكوبية على إرهابي كان يطلق النار على السيارة التي كان المقاتل داخلها. أطلق الإرهابي النار على المقاتل عدة مرات، وهناك احتمال أن تكون الصحافية التي كانت تقف بالقرب من الإرهابي المسلح وخلفه قد أصيبت بهذا الرصاص، وتبلغ المسافة بين الآلية العسكرية والمراسلة حوالي 200 متر، طبقا للبيان.
تسويغ عدم فتح التحقيق
في المقابل، كانت النيابة العامة الفلسطينية في رام الله، قد أعلنت مساء الجمعة، في بيان، أن «التحقيقات الأولية خلصت إلى أن مصدر إطلاق النار الوحيد في مكان الجريمة» كان من القوات الإسرائيلية لحظة إصابة أبو عاقلة. وفي رد على مراسل «الجزيرة» في القدس بشأن ما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بهذا الخصوص، أكد الناطق بلسان جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي أن القرار بعدم فتح التحقيق اتخذ وفق سياسة التحقيقات التي تم التصديق عليها بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، والتي تنص على عدم فتح تحقيق جنائي فوري في عمليات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. وحمّلت وزارة الخارجية الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن جريمة اغتيال شيرين أبو عاقلة، محذرة من مغبّة المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى إغلاق الملف، إذ عدّت ذلك جريمة جديدة تُرتكب بحق أبو عاقلة. وأكدت الوزارة أن إسرائيل ستفشل هذه المرة في التهرب من تحمل المسؤولية والإفلات من العقاب، لا سيما أن القضية أصبحت تحظى باهتمام دولي، وإسرائيل ليست اللاعب الوحيد فيها، وإن كانت سابقا دفنت مئات من جرائمها من دون أي تحقيقات من جانبها.
شبهات جنائية
وكان المحلل العسكري لصحيفة «هآرتس» عاموس هرئيل قال إن الجيش الإسرائيلي لا ينوي فتح تحقيق في ملابسات مقتل شيرين أبو عاقلة بدعوى عدم وجود شبهات جنائية، ولكي لا تنشب خلافات في المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي. وأشار تقرير الصحيفة إلى أن النائب العسكري الإسرائيلي كان قد أصدر في أواخر الانتفاضة الفلسطينية الثانية تعليمات بشأن ضرورة فتح تحقيق في ظروف مقتل مدنيين فلسطينيين بنيران إسرائيلية إذا لم يكونوا مسلحين. بيد أنه ورغم التعليمات الإسرائيلية المريبة هذه فإن الحادثة هذه المرة مختلفة حتى طبقا للمزاعم الإسرائيلية، فالحديث يدور عن قتل صحافية خلال تغطيتها الأحداث في منطقة جنين. غير أن النائب الحالي يمتنع عن ذلك – كما يبدو- لتفادي أي انتقادات من جانب اليمين أو إثارة خلافات داخل الجيش، وفق ما جاء في صحيفة «هآرتس».
تأثير التفاعلات
في العالم على إسرائيل
في سياق مواز، قال وزير الخارجية الهولندي فوبكه هويكسترا بعد لقائه نظيره الإسرائيلي يائير لبيد في القدس المحتلة، إن مقتل شيرين أبو عاقلة وهي تزاول مهنتها مقلق جدا، ودعا إلى تحقيق كامل وشامل وشفاف. كما طلب وزير خارجية هولندا خلال لقائه نظيره الفلسطيني رياض المالكي برام الله من الإسرائيليين والفلسطينيين العمل معا للتدقيق في كل الملابسات المتعلقة باغتيال صحافية «الجزيرة» مضيفا أن التحقيق المدقق هو الوحيد الذي سيكتب له النجاح.
وقال هويكسترا «أظهرت الوفاة المأساوية لصحافية الجزيرة شيرين أبو عاقلة الأسبوع الماضي أن الصحافة نفسها قد تقع ضحية العنف، وهذا أمر يدمي القلب وغير مقبول، ومن الطبيعي أن يقود إلى تولّد انفعالات وردود وأفعال قوية». وتابع بالقول «وفي هذا الإطار، أود أن أطلب من الطرفين أن يدرسا بجد الظروف التي تسمح بنوع من التعاون وفق هدف مشترك هو تجلية الحقيقة والتدقيق في كل الزوايا». في الواقع يعكس هذا الموقف الهولندي الموقف الغربي من جريمة اغتيال أبو عاقلة والمتميز بالردود الإنشائية أو التصريحات المنزوعة من أي إدانة واضحة ومن خطوات عملية كما هو الحال مع مجمل مواقف العالم الغربي من الاحتلال.
الخصم والحكم
وطالب المفوض الأوروبي المكلف بسياسة الجوار والتوسع أوليفر فارهيليي بتحقيق مستقل وشامل في ملابسات مقتل الزميلة شيرين أبو عاقلة. ورأى فارهيليي أن من غير المقبول استهداف الصحافيين أثناء تأديتهم عملهم، مطالبا بوجوب «تأمين السلامة والحماية للصحافيين الذين يغطون حالات النزاع في جميع الأوقات». كما تابع بالقول إن «الاتحاد الأوروبي متأثر بالأحداث التي وقعت خلال موكب الجنازة، وهو يدين هذا الاستخدام غير المتناسب للقوة وهذا السلوك غير اللائق». وقد وصل وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس إلى الولايات المتحدة حيث يلتقي عددا من المسؤولين، بينهم وزير الدفاع لويد أوستن، وتشمل مباحثاته ملابسات اغتيال شيرين أبو عاقلة وقمعُ قوات الشرطة الإسرائيلية لتشييع جنازتها في القدس المحتلة. وكانت الإذاعة الإسرائيلية أكدت أن المسؤولين الأمريكيين يطالبون الحكومة الإسرائيلية بتوضيحات بشأن قضية صحافية «الجزيرة». وفي العاصمة الأمريكية واشنطن، نظم ناشطون ومتضامنون الثلاثاء وقفة أمام مقر نادي الصحافة الوطني لإضاءة الشموع تكريما لروح أبو عاقلة. وكانت منظمات فلسطينية وعربية دعت إلى هذه الفعالية التي رُفعت فيها لافتات وشعارات تطالب بتحقيق العدالة ومحاسبة قتلة شيرين أبو عاقلة.
عقاب مفقود منذ عقود
وفي وقت سابق، قالت عضوة مجلس النواب الأمريكي رشيدة طليب إن 10 من أعضاء الكونغرس على الأقل وقعوا رسالة لمطالبة السلطات الأمريكية بالتحقيق في مقتل مراسلة «الجزيرة» بفلسطين شيرين أبو عاقلة، في حين جدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعوته إسرائيل للإسراع في إنهاء التحقيق في حادث اغتيال أبو عاقلة. ويبدو أن إسرائيل لا تأخذ كل هذه التصريحات الدولية على محمل الجد لكنها تخشى من النيل من صورتها في العالم على مستوى الشعوب والمجتمعات المدنية والمؤسسات الأهلية والجماعات اليهودية في الغرب خاصة بعد ما تضاعف الضرر جراء مشاهد الهجوم البربري على جنازة أبو عاقلة والتي يصعب عليها إنكارها والتنصّل منها بتبريرها بشتى الذرائع، ومع ذلك فقد اكتفى وزير الأمن الداخلي فيها عومر بارليف بتعيين «لجنة فحص» لا لجنة تحقيق، لم تضع استنتاجاتها بعد ولكن في الأثناء تم التسريب للصحافة العبرية بأن قائد الشرطة قد اضطر لتعيين لجنة فحص بضغط سياسي من الوزير بارليف وإن شعرة لن تسقط من رأس أي عنصر شرطي شارك في «المواجهات» مع المشّيعين. وبعد تجربة الحرب على أوكرانيا تنبهت إسرائيل أيضا لازدواجية المعايير الأوروبية والغربية وهذا ما يجعلها تمعن في ارتكاب المزيد من الاعتداءات على الفلسطينيين من دون خجل ووجل من عقاب حقيقي هو مفقود منذ عقود.