الشيء الغرائبي في هذه الزاوية تحديدا

حجم الخط
0

الشيء الغرائبي في هذه الزاوية تحديدا

عناية جابرالشيء الغرائبي في هذه الزاوية تحديدارغبة مني بتجنب الاحاسيس المبهمة، حددت سلفا السمكة موضوع مراقبتي. كنت أريد سمكة مفردة فحسب. لا أريد تمليها والاستغراق في النظر اليها. أريد ان انظرها، ولقد نظرتْ. رأيت سمكات سواها بالطبع، تقترب، تتودد بأفواهها الغبية، تغير شكلها ولونها وتتكور علي نفسها، تغرق وتتلاشي وتقترب من جديد. البحر مليء بالسمك، فلا يمكنني ان اريده كله. اريد هذه وحدها، عزلها عن السمكات الباقيات كسمكة وحيدة مناسبة لي، ومصادفة مائية موافقة لمزاجي. سمكة مختلفة عن ما عداها ـ قلت ـ وأريدها، في حقل مراقبتي.مراقبة سمكة ليست رياضة مريحة، لا سيما وان قفزات الأمواج المتشابكة تخفيها عني أحيانا فلا اعود اعرف، الي أين تذهب ولا من أين تأتي، فيما في جلستي الان علي الشاطئ برغبة عبّ الهواء وفرد روحي ليهدّئها تصادم الأمواج، لا يلائمني مثل هذا النوع من الخسارات.ان أفقد السمكة التي أريد، هو نُذُر فشل صيفي مبكر، ووعود بالسير بإتجاه معاكس، وبانقلاب الزمن (زمني) وبالوقوع أخيرا علي حقيقة البحر المزيفة فيما وراء قناعاتي واعتياداتي الروحية والحسية. تعودي علي نيل ما اريد جعلني اقول لها بصوت طغي علي صوت الموج: لا تذهبي، اسبحي تحت مرمي بصري .أميل احيانا، أنا المرأة العصبية وتعيش في عالم مزدحم ومجنون، الي الحد نهائيا من علاقتي بالبشر، والاكتفاء بالبحر ويلوح احيانا من خلال فواصل الستارة المقلمة في غرفة نومي، يتلوي مع ضــربات الهواء، او انني اهرع اليه غالبا، اقابله شخصيا.لا اذكر انني رأيت هذه السمكة تحديدا قبل الان. لكن ذكري ما، ما لبثت ان تكشفت علي مهل، فإنتهيت الي الاقرار بأنني اعرف هذه السمكة فعلا، وتعرفني هي فعلا، والي ان البحر اصغر بكثير من ان لا نلتقي ثانية كحالنا في التلاقي الان. حينما كانت اصابعي تتحرك باتجاه الماء الذي تسبح فيه سمكتي، شعرت بالقوة والجرأة والطيبة والجمال، مثل دفق هواء استدعته حركتي اليها فأقبل من اكثر من سماء. سيان تماما لماذا اهوي الاشياء المستحيلة، المهم هو انني اهواها . ابتعدت السمكة بجسمها العذب، الاملس والناعم، وغمرتها موجة جامحة ولم تعد تبين. دهمتني حيرة كبيرة تجاه جسدها الذي اختفي. سبحت بعيدا عني فانغلقت اللحظة التي اردتها فيها بقوة. لو بقيت، لو لمستها، لكنت افلتها ثانية بيد أني كنت لأشعّ اكثر واكتب اكثر. ما بين الغضب والخيبة حلّ المساء.افضي عدم تأكدي الان، من حدوث قصة السمكة: حدثت؟ لم تحدث؟ الي حلول نوع من الاعتراف بأنني اعيش حياتي ابدا، بطريقة شخصية تماما. انا امرأة جد شخصية وعالمي بالغ الخصوصية ويضيء مثل قوس قزح وتعيش فيه اشياء عجيبة وغريبة، اسماك وما شابه، وتكون احدي السمكات رغبتي، وحبي، ويسعها ان ترحل لا بأس، فلا أتألم.. بل احتار.يكون من السهل عليّ، في هذه الزاوية تحديدا، ان اكتب شيئا غرائبيا كولعي الي سمكة رحلت عني. لكن ربما، احتاج احدا آخر، يكتب في الميل ذاته لكي اتعزي قليلا. يكتب، ليس عن السمك بالضرورة، بل عن شيء أنّي كان، يُعيد كفاح الكلمات من اجل العواطف، واصواتها الجانبية الحنونة. نكتب عن شيء نخترعه، لكي نبقي علي قيد الحياة.ان ما يميز افكارنا، هو انها تعنينا، حيث بالامكان التفريق بين كلمات خاصة بنا، وكلمات خاصة بالكون كله. عموما، اري في الكتابة ما يشبه هذا. الكتابة بكلمات مهوّاة بالرغبة الي اشياء الحياة، ولكن بكلماتنا نحن ثم.. ها هو النفاذ دفعة واحدة، والافكار التي تصنع نفسها ـ من سمكة اجل ـ وموآلفة لعناصر الكون.سبحت بعيدا جدا، السمكة التي اخترتها من دون سمك البحر اجمعين. ظل اللقاء غير مُنجز. في عدم الانجاز أكتب، وفي المعرفة المسبقة بعدم انجازه، وأيضا، المطلوبة. الامساك باللحظة الفاصلة بين تحقق السعادة وعدم تحققها. بين ما هو مرتبك وحائر في وسط المسافة. بين ما هو شخصي وما هو غير شخصي. بين اللهفة والاستحالة الفاحشة. بين ما هو عالم الكتابة الداخلي وعالمها الخارجي.الكلمات وهي تخترق اسرارنا. الكلمات في خيارها الاكثر تفلتا، اكثر حرية، كسلوك حتمي يُعرّي نوعا ما، الخدعة الكامنة في شرط الوضوح، وضوح الكتابة المفضي الي لا شيء، الكتابة في الميل الي الوهم، في العسف والقسوة والحنان، في تسوّل السمك لكي ينادمك، البحر لكي يلاطف جسدك، الفجر، بائع الكعك، النبات المشرئب في شقوق بلاطات الرصيف. الكلمات كما كتبتها اميلي ديكنسون وسيلفيا بلاث وفروغ فرخ زاد. الكتابة في الميل الخبيث احيانا، الي استنهاض عواطف قسرية ـ لأجل خاطر سمكة لا بأس، لا تستطيع تمييز ملامحها عن ملامح باقي السمك ـ تكسر الضجر المستفحل.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية