الشيخ حسني يفضح ‘الحارة السياسية’ في مصر

في بلدٍ يترقب فيه كل الناس تقريباً يوماً معلوماً، يوم 30 يونيو، بأنفاسٍ محبوسة ونفاد صبرٍ ومزيجٍ من التوتر والعصبية، فليس من عجبٍ إذا وفر ذلك تربةً شديدة الخصوبة لشتى الإشاعات وكل الاختلاقات ونظريــــات المؤامـــرة، التي يغلب عليها التناقض الشديد والمبالغات الغرائبية المفرطة، فقد سمعت شخصياً إشاعةً راجت على ‘الفيســــبوك’ بأن وفداً من القوات المسلحة المصرية وكبار قيادات جماعة الإخوان سافر إلى الولايات المتحدة للتنسيق مع من يهمه الأمر، حيثيات قرارٍ اتخُذ بالفعل برحيل تلك القيادات عن مصر قبل ذلك اليوم الموعود وتسليم السلـــطة لمجلسٍ رئاسي، مع التطرق إلى أدق التفاصيل من عينة أن فــــلاناً سوف يستقل طائرته الخاصة الرابضة في انتظاره في مطار الإسكندرية، وآخر سيزعم الخروج للعلاج الخ، أي نوع من الخروج الآمن يفيد بأن الطرفين، أي أمريكا والجماعة، متفقـــان على حتمية سقوط الجماعة، نتيجةً للصدام الوشيك والحتمي بينها وبين رافضي حكمها ممن يتوقع أن تغص بهم الشوارع والميادين.
ومن ناحيةٍ أخرى يخرج علينا ‘خبيرٌ أمني’ يؤكد لنا أن الجماعة ومن ورائها جمهرة من التنظيمات الإسلامية وقوى الإسلام السياسي تعد العدة لذلك اليوم في جديةٍ صارمة، وقد حشدت ميليشياتها واستعانت بأخرى، آلاف مؤلفة، سيعبرون الحدود قبل اليوم المشهود… وبغض النظر عن كون ذلك لا يبدد مطلقاً ولو بأبسط قدر حالة الضيق والتوتر التي تسيطر على الجمهور، فإن الملاحظ أن الفريقين، أو الخصمين إذا شئنا الدقـــة، يتفقان على شـــيءٍ واحد، أو لنقل على تصورٍ واحد، ان ذلك اليوم ربما يكون فاصلاً وسيـــترتب عليه مستقبل مصر القريب (ومن يدري ربما البعيد)، وبالتالي فإن لنا أن نمضي لأبعد من ذلك ونزعم أنه بالتالي سيحدد مصـــير المنطقة، والمنحى الذي ستتخذه حــراكاتها الجماهيرية ومآل ما اتُفـــق على تسميته بالربيـــع العربي، ذلك الذي لم يكتمل وقفز إلى الخريف من دون ثمرٍ يذكر أو يعلق بالذاكــــرة. غير أن ما يــــزيد من توتر الناس في مصر ليس فقط ما يتزامن مع ذلك من ضعف، بل تهرؤ سيطرة الدولة المصرية (المترهلة والمريضة حتى العظام …) على حدودها التاريخية، وبالأخص في سيناء والخطر المحدق والقادم على نصيب مصر من الماء، وبالتالي على وجودها وإمكانية الحياة على أرضها من أساسه، بل أضيف إليه كمٌ غير طبيعي من العبث السياسي والمهازل والتحركات المريبة والربط بين الأطراف السياسية وبعض ‘الرموز’ فوق مقدرة الجمهور على الاستيعاب والتصديق.
ولئن شكل الاجتماع السري ـ المعلن عنواناً، بل تعبيراً صارخاً على مدى انعدام كفاءة مجموعة الحكم، من حيث تقدير خطورة الموقف وحساسية الظرف والحاجة إلى الكتمان والحصافة، فإن الكارثة (وهي كارثة بكل المعايير والمقاييس حتى أكثرها مجاملةً) تتعمق وتزداد تعقيداً وقبحاً كلما أعدت الشريط واستمعت متأملاً لما قيل. بدايةً لقد فوجئ الجمهور ببعض من حضروا ممن كان يظنهم البعض محترمين وبعيدين عن السلطة و’رموزاً’ و’زعماء أحزاب’، وإذا تغاضى عن ذلك وأقنع نفسه على مضضٍ بأنهم إنما يبلعون خلافاتهم في سبيل المصلحة العليا، فإنهم سرعان ما بددوا أية أوهامٍ في فائدةٍ ترجى لدى هذا الجمهور المجنى عليه والمسروق بامتياز؛ فاقتراحات تلك الثلة من القادة والجهابذة كانت لا ترقى إلى مستوى الهزل، كانوا كالتلميذ البليد الذي لم يحضر ويذاكر دروسه، فلا هم يعلمون شيئاً أو استعدوا، ولا هم يتحلون برؤية وفهم جيو ـ سياسي، إلا أنه تلميذٌ يجمع بين الجرأة وشح الذكاء لدرجةٍ لا تجعله يعي مدى محدودية مداركه، ولأنهم دعوا إلى اجتماعٍ مع الرئيس فيبدو أنه كبُر على كلٍ منهم ألا يدلي بدلوه، مخافة أن يوصم بالجهل وضعف الرأي فانطلقوا ‘يطخون’ اقتراحاتٍ مدهشة تعد ولا فخرا تجسيداً لمعاني الفضيحة… وهــــم في ذلك يذكرونني بشخصية الشيخ حسني في فيلم ‘الكيت كات’ المستوحاة من رواية الراحل الكبير إبراهيم أصـــلان، التي أداها الفنان الكبير محمود عبد العزيز باقــــتدار، وتحديداً حين جلس في مأتم ولم ينتبه إلى كون الميكروفون مازال موصولاً بمكبرات الصوت فأطلق للسانه العنان يرمح حيث شاء فاضحاً الحي كله.
غير أن مهرجان الهزل والغرابة لم ينته عند هذا الحد، ولم يتوقف ‘الشيخ حسني’ عن سرد فضائحه، فقد فوجئنا بأزمةٍ أخرى من العيار الثقيل، ألا وهي لقاء العشاء الذي جمع بين ‘الأخ الأكبر’ خيرت الشاطر و’السيد’ عمرو موسى في منزل ‘زعيم’ حزب غد الثورة أيمن نور، ورغم أن شيئاً لم يعد يدهشني في الوقت الراهن وفي وضعٍ معقدٍ مشتعلٍ كالذي يمر به البلد، فإن الكثيرين دهشوا وتساءلوا: ‘ما الذي لم شمل الشامي على المغربي؟’، معتقدين أن ثمة فواصل حقيقية وجوهرية بين الثلاثة، وهو وهمٌ من شأنه الخداع كسائر الأوهام، فالمذكورون قد يختلفون في الشكل والمظهر والنكهة والمزاج، إلا أن انحيازاتهم الاجتماعية هي ذاتها وما ‘صراعهم’ سوى صراعٍ على الكراسي والنصيب من الكعكة الهزيلة، مخلفات مبارك وعهده الميمون.
وكما أن جراب الحاوي لا يخلو، فكذلك ادخرت لنا الرئاسة مهرجاناً شعبياً جامعاً، احتفالية حاشدة، من دون مبالغة، في قاعة مؤتمراتٍ بهدف الحفاظ على موارد مصر المائية، وقد حضرها أبناء العمومة والعشيرة من قوى الإسلام السياسي المتحالفة مع الجماعة، وقد هتفوا وصفقوا وطمأنونا بأن دماءهم فداءٌ لماء النيل.
أنا أرانا نعيش عرضاً هزلياً مستمراً، وأرى ‘الشيخ حسني’ يستمر في حكاياه وفضحه طبقةً أغلبها مفلس على شعبٍ بأكمله، بل ومنطقةٍ بحالها. إزاء تلك الكوميديا السوداء يشعر غالبية الشعب المصري بالنفور والاشمئزاز الشديدين… وبالخوف الشديد من الغد… الخوف على مستقبل أبنائه، الكثيرون سلموا بأن حياتهم ضاعت ولكنهم ثاروا أملاً في مستقبلٍ أفضل لأبنائهم، وإذ يشاهدون ما يجري أمامهم يشعرون بأن مؤامرةً تحاك لهم وأن هؤلاء ‘الرموز’ كاذبون مخادعون، خاصةً حين يفضحون أنفسهم اكثر بما يتبادلون من اتهاماتٍ تتبين على ضوئها حقيقتهم، وإن ذلك ليقوي دعاوى بعض المهزومين ومن لهم أغراض خبيثة، الذين يروجون أن الثورات الشعبية مدبرة وأنها مؤامرة صهيو- أمريكية على شعوبنا.
والحقيقية أن الشعب المصــــري حقــاً واقعٌ ضحية مؤامرة… يتآمر ويتكالب عليه الفقر والحر والمرض والتهميش والإهانة والفشل وخيبة الأمل فيمن وثق فيهم من المفلسين، وفوق ذلك وقبله أولئك الذين خانوا أمانه وسرقوا ثورته العظيمة…
على كلٍ، رُب ضارةٍ نافعة، إذ كثيراً ما أكدنا وركزنا على ميزة الحيوية وعودة ثقافة العمل الجماعي، لكن مهرجان التهريج والفضائح الحالي أسديا أجل خدمةٍ للشعب المصري بإسقاط الأقنعة عن الكثير من المزيفين والأفاقين من رجال كل العصور.
شريحةٌ أخرى من الفاسدين تتساقط بعد مبارك ورجاله من على سطح الحياة العامة في مصر، الأمر الذي يسمح شيئاً فشيئاً بإحداث قطيعةٍ مرجوة ومنتظرة مع الماضي الملوث، وحين تأتي الموجة الجديدة من الثورة، وهي حتماً آتية في ضوء التردي والفشل الذي تعيشه مصر، فإن ذلك يزيد من فرص مجتمعٍ جديدٍ أنظف وأكثر شباباً وحيوية.

‘ زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية