الشيخ خضر عدنان، رغم وهن الجسد الذي يعتصر أمعائه ألماً، مايزال مرابضاً على سرير الإعتقال الإداري، موثق اليدين والقدمين بأصفاد عبودية القرن الواحد والعشرين، لكن قلبه مايزال يضخ تحدياً في شرايين فلسطين، ينبض إيماناً ليوقظنا مع دعاء الكروان قبل صلاة كل فجر جديد… كم تشبه فلسطين أيها الشيخ الجليل!
بينما العالم يدون شهادات الزور على أضرحتنا، بلسان يلهج بالديمقراطية، وربيع عربي متصحرا، أعجفا لم ينبت في فلسطين سوى ورد أسود اتشحت به أمهاتنا وزوجاتنا حزناً، ولوّن شفتي أطفالنا بحنظل قشر الجوز منذ مايزيد عن ثلاثة وستين عاما، حتى باتت تفصلهم عن الحياة زنزانة، وقيد، ورصاصة جندي صهيوني امتهن فن القتل فأبدع.
تمتمة قليلة من حاخام يهودي، يستقى فنون القتل من تلمود كان عقاراً للأرض فاستوطنها، وأصبح صك للقتل بامتياز فأتقنه، ومنه كانت فطيرة بني صهيون لايتلذذ بطعمها المستوطنون إلا عندما تعجن من دقيق سنابلنا، وبمياه دماؤنا، وتمرغ بسمرة ترابنا، وبعدها تستكمل الطقوس، برقصات اليانكي على صخب صرخات وألم أطفالنا، هذه طقوس فرحهم ومعنى السامية في ترانيم فتواهم.
معادلة فهمها الشيخ الجليل خضر عدنان أكثر من الجميع، فقابلها بأخرى مختلفة، تبدأ أبجدية الإنتصار فيها بانتفاضة الجسد لكسر سلاسل الإعتقال الإعتباطي الذي ورثه الاحتلال عن سلفه سيء الذكر اللورد الصهيوـ بروتستانتي، وبعده راعي البقر في الحقل الهندي، بعد أن صار له بيت أسود في واشنطن، تموج هرته فيه فتهز أركان الشرق بنوائها، وتغرس مخالبها في ذقون الحكام، لتوسم جبينهم بوشم الذل، وتدنس عباءة وعمة، كانت في سالف الزمان رمزا للمروءة، ولمعتصم هزم جيوش الروم بنداء ‘الياء’ لا أكثر ولا أقل، قبل أن تصبح سترا تتخلل النظرات من بين نسيجها إلى العورات فتفضح مابطن منها وما ظهر.
العباءة لا تستر الجسد إلا عندما تكتسى بها فلسطين، والعمة لا تكللها الطهارة إلا بقداسة الأقصى، عندها تتحول الكوفية من بقجة رحيل إلى سجادة صلاة في ربوع القدس، فتصدأ السلاسل لتتحرر الروح وتسبح في مدى الكرامة الإنسانية، التي يصنعها الشيخ الجليل خضر عدنان لتتحرر من بعده أمة.
ناصر ستة – لبنان