بطرس الحلاق بوركت، شيخنا كريم صوتك التسعيني الضئيل، المنبعث من جسد متهالك، ينتصب قاطعا كحد السيف في وجه الظلم والظالمين، فاضحا رياء المؤسسة الدينية. صوتك هذا يذكّر بصوت تسعيني آخر، ارتفع هو أيضا من جسد هزيل، يدين المستبد ويفضح المؤسسة الثقافية الخانعة: عنيت صوت أنطون مقدسي في رسائله إلى حفيدي. بانتصابكما في وجه مؤسسة سياسية ظالمة، فضحت أنت مؤسسة دينية إليها تنتمي، كما فضح هو مؤسسة ثقافية يمثلها. ولكن هل افتديتماهما؟ أخطأنا حين ظنننا أن المؤسسة الدينية، ، بحكم طبيعتها، أحسن حالا من المؤسسة السياسية. كلتاهما سواسية، منبثقتان من نفس التربة، تربة شرق عتيق لا يزال، على اختلاف أديانه وتنوع مذاهبه، يعيش على التقليد الذي أرساه الأمبراطور قسطنطين. فالمفتي والبطريرك والسيد عندنا، مهما تفاضل أحدهم على الآخر، مجبولون من نفس العجينة، لا كأفراد بل بوصفهم ممثلين لمؤسسة. اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية عام 303 وفرضها على رعاياه، فالناس على دين ملوكهم. بذا تحكم إلى حد بعيد بمسار الكنيسة ومجامعها المقدسة وبالتالي بعقيدتها. قاوم الشعب هذا التسلط بالانشقاقات تارة (الآريوسية مثلا)، وبتيارات عقائدية فكرية تارة أخرى، شأن الرهبان العموديين (وأشهرهم سمعان العامودي، الذي إليه ينسب دير مار سمعان شمال حلب)، الذين سعوا إلى تجاوز الانحطاط الديني والاجتماعي المتأتي من ثروات تراكمت بالغزو والنهب. وتفسخت الامبراطورية بعد الفتح العربي، فقام بطريرك أنطاكية وسائر المشرق ممثلا للشعب المسيحي لدى الحاكم، قبل أن يتفتت الكرسي البطريركي كراسي كلها تقريبا تدعى كرسي أنطاكية والاسكندرية والقدس وسائر المشرق. جمع البطريرك السلطات (ما عدا السياسية منها) على نحو أحكمت السلطنة العثمانية صياغته، وبقي مستمرا حتى الآن، مع بعض الفروقات. ولا يستثنى من ذلك البطاركة التابعون لروما، الذين أعفوا أنفسهم من إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) ليبقوا متفردين بالسلطة. واستمرت الصلوات تدعو لحكامنا وملوكنا وسائر شعبنا وكذلك لجيشنا لينصره الله على البربر. تضاءل دور البطريرك السياسي نسبيا في فترة الاستقرار الديمقراطي القصيرة، ثم تفاقم في عهد الحكم العسكري، المكشوف منه والمقنع. فها البابا شنودة، وبعد سنوات من مواقف مشرفة، يتحالف مع نظام حسني مبارك ليستأثر بالسلطة في طائفته ويقطع الطريق على شخصيات سياسية قبطية مستقلة، تحد من مدى السلطتين السياسية والدينية، مما أثار ردة فعل الإكليروس والشعب. وها البطريرك الماروني يُحوّل عظاته يوم الأحد إلى مؤتمرات صحفية هزيلة، ويجول على زعماء العالم كزعيم سياسي وبحسابات سياسية لكل أن يقومها وفق منظوره. وها بطاركة المشرق إلا من عصم ربك شأن بطريرك القدس ميشيل صبّاح وبطريرك السريان الأرثوذكس زكا عيواص- ينقادون للنظام الحاكم خوفا أو طمعا. أثارت مواقفهم في الوضع الراهن في سورية ردة فعل عنيفة لن تتوقف عن التفاعل.
ولم تكن المؤسسة الدينية الإسلامية الغالبة بأحسن حال. حلّ الخليفة محل الامبراطور واحتفظ بدوره الجامع فوق المؤسسة الدينية على نحو شرّعه الفقهاء. تفتت الامبراطورية العربية إلى ممالك وسلطنات، واستقر الحكم بفعل الغزوات على أمراء جيوش وعمال سلاطين دخلاء، فسادوا الناس، أسوة بمن سبقهم، بإشراك طبقة الفقهاء في إخضاع الشعب بآلية محكمة، وصف بعض جوانبها المؤرخ اللبناني خالد زيادة. واستمر الوضع حتى يومنا الراهن. فها مؤسسة عريقة مثل الأزهر تشرع للاشتراكية أيام عبد الناصر مكفرة الرأسمالية، ثم تقلب حكمها رأسا على عقب في ظل السادات. ولا تتصرف الهيئات الدينية العليا المرتبطة بدار الفتوى في سورية اليوم إلا وفق هذه الأعراف. أما الاخوان المسلمون فلا يطمحون تاريخيا إلا إلى الاستئثار بالسلطة لإخضاعها لمفهوم ديني هم مرجعيته. وإن بدوا أكثر مرونة في التأويل من الجماعة الوهابية، فإنهم يصدرون عن نفس الرؤية. ولا يبدل شيئا في طبيعة المؤسسة ودورها فتوى بعض المثقفين من شيوخ وعلمانيين بأن لا إكليروس في الإسلام، مما يعفيه من إعادة النظر جذريا في مواقفه من المجتمع المدني، تماما كما فعل المجتمع الأوروبي حين فصل الدولة عن الكنيسة.
تختلف الأمور في الطائفة الشيعية بسبب تعدد الفرق والمرجعيات ومناسبات الوصول إلى الحكم. أما حين تتهيأ الظروف، فغالبا ما تلجأ إلى تبني نفس البنية القسطنطينية. ما إن يتغلب الإمام الخميني على الشاه حتى يقر مبدأ ولاية الفقيه ليتحكم بالمجتمع الإيراني، فيرهقه بعد أن كان نصيرا له ضد الشاه. يستلم حزب الله السلطة في حيز من لبنان، فيقصي المقاومة الوطنية ويبني نظامه الخاص. حظي بشرعية لا ينكرها إلا المعاند، بفضل النصر الذي أحرزه على الآلة العسكرية الإسرائلية، مما عجزت عنه كافة جيوش المجابهة. وبدل أن يوظف نصره الفريد هذا في مشروع وطني ويجلب إليه المتقاعسين، جثم على ترسانة، بها يردع إسرائيل بطبيعة الحال، فيما يثير حذر الفئات الأخرى، ويتجمد الحراك الوطني في لبنان. بل، لم تحُل حكمة السيد حسن نصرالله ودهاؤه السياسي وترفعه عن المكاسب دون انزلاق الحزب المقاوم إلى هيئة حكم عسكرية دينية صريحة، تعرضت إلى كل عوامل الفساد والتفتيت والاستقواء التي نخرت المؤسسات في الجهة المقابلة. لم تُعدم شعوبنا يوما، في كافة أديانها وطوائفها، شخصيات دينية رائعة في إنسانيتها وأخلاقيتها. ترد إلى الذاكرة أسماء مثل محمد عبده ( من فتح باب الاجتهاد بعد إغلاقه بعشرة قرون)، والكواكبي المغتال خلسة بعد أن فضح استغلال الطغاة للدين، إلى علي عبد الرازق المتجرئ على قرون من الانسياق الأعمى لتأويل الحاكم، فإلى فرج فودة والمفكر الراحل نصر حامد أبو زيد الذي تحدى ظلامية احتمى بها نظام مبارك. كلها أحيت شعلة أضاءتها وجوه تراثية راقية، ابتداءا من أبي ذر الغفاري. وجوه يُحييها ويبعثها وجهك الجميل يا شيخ كريم راجح كبير قراء دمشق. كما ترد وجوه مقابلة في المسيحية من ميشيل صبّاح الذي واجه المؤسسة الكنسية الغربية دفاعا عن فلسطين، إلى غريغوار حداد المقال من كرسيه الأسقفي لممارساته وتساؤلاته الجريئة، فسليم غزال الذي استقال من كرسيه الرفيع احتجاجا على الجمود والقوقعة، إلى المرحوم يواكيم مبارك، فإلى مواقف يسوعيين في سورية خرجوا من القطيع ليشيروا إلى كرامة المواطن. ولكم عجبنا بطلعة موسى الصدر، بصدره الرحب ونظرته الإنسانية السمحاء، كما بالشيخ فضل الله الذي تجرأ على المطالبة بإعادة الكرامة لموقف ديني مستقل عن السلطة. ولكن المؤسسة لا تزال قائمة طاحنة لا تلوي على شيء. فهل انسدت الآفاق؟
عندي أن حراك المجتمع المدني الذي فجر وعيا مغايرا في النفوس هو الكفيل -إن لم تقو عليه قوى الماضي، ولن تقو إلى الأبد- بتحويل بنى كافة المؤسسات، لتهديها إلى قوامها: خادمة للإنسان والإنسان المواطن. إن هذا الحراك لم يدعُ يوما إلى هدم الدولة أو المؤسسات، فهذه كلها شرط مطلق من شروط التمدن والأنسنة، وإلا عدنا إلى حالة الطبيعة البدائية المنساقة لشريعة الغاب. مشروعه ترميم كافة هذه المؤسسات في سياق العصر. وها قد انتفض على سلطة فتكت بالدولة ووظفتها في خدمة مصالحها الفئوية المحدودة. انتفض بعد أن ارتعش احتقارا لسلطة تحقره وتعلله بالأكاذيب وبشعارات تنضح بالرياء. فلا بد أن ينتفض لاحقا على المؤسسة الدينية، لا لا لينسخها، بل ليعيد ترميمها. عندها تتحول مؤسساتنا الدينية جمعاء إلى رسالتها الحقيقية، غذاء روحيا للأفراد المؤمنين وحافزا للمجتمع في طريق التحضر الحقيقي ليبلغ كل منا ملء إنسانيته. وعندها يقوم مجتمع المواطنة بالمساواة بين الرجل والمرأة، حيث المواطن حر في عقيدته وتصرفه ما دام يصون حرية الآخر. بذا ننتج بأنفسنا شكلا من العلمانية الحقيقية، بدل الصراع البليد على مبادئ نظرية انبثقت من تربة أخرى واتخذت صيغة تناسب ظروفها. إنها البداية، ولا يزال الدرب طويلا أمامنا.
آنذاك، سيصدح صوتك عاليا، يا شيخنا الرائع كريم راجح. وسترجح رؤياك وتتوضح معالمها. لذا لن يحتاج وريثك في هيئة القراء إلى اشتراط التدين الحقيقي -وهو عندك الإسلام، ولا حرج- في الحاكم والقَيّم على شؤون المجتمع، بل يكتفي باشتراط اعتناق القيم الإنسانية وعلى رأسها المواطنة. صحيح أنّ مِن بين أصلح الحكام، في تاريخنا كما في التاريخ العالمي، بعض مَن احتكم إلى المبادئ الدينية السامية. ولكن ليس التدين هو من عصمهم عن الزلل، بل فقههم للدين من منظور إنساني جامع. أوَ ننسى أن من الحكام، المعترف لهم بالتقوى والتدين والصلاح، من أوغل في التنكيل بالآخر وهو يتلو صلواته ويقيم فروضه؟ فالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، المعروف بتقواه وزهده، نكل بغير المسلمين لهدايتهم قسرا إلى الإسلام، تماما كما عبأ الداعية برنار -وهو القديس في عرف الكنيسة ومؤسس كبرى الرهبانيات- أكبر حملة صليبية للتنكيل بالمسلمين، لم يسلم منها أجدادنا المسيحيون. وكذا فعل ملك فرنسا لويس التاسع في حروب صليبية أخرى فنال القداسة. وألم يدفع بعض القادة الصهاينة ورعُهم في خدمة دينهم إلى التنكيل بالفلسطينيين بكل راحة ضمير؟ وهل اهتدى بعض المتحاربين في لبنان إلا بهدي تقواهم حين أوغلوا في الإجرام؟ وأخيرا، من منا يستطيع أن يتهم ابن لادن بدينه مع أنه فعل ما فعل؟
عذرك شيخي الأكرم. أفهم تماما ما تقوله وأنت في سياقك الفكري والإنساني المعروف. وكم كنت أتمنى أن يصدر مثل قولك هذا عن مسؤولين دينيين آخرين، من المفتي إلى البطريرك إلى السيد ولكني، وبكل احترام، أنبه إلى خلل قد يبني عليه بعضهم مبدأ مطلقا لنجاح هذا الحراك المبارك، فينقلب، دون أن يدري، على القيم التي دعت إليها شبيبتنا الرائعة بالقول وبالدم المراق.
لقد تجلت في مواقفك المشرفة القيم الإنسانية السامية، فبها نهتدي على إثرك، يا أبا ذر العصر في شامنا المفداة.’ كاتب سوري