الشيفرة السرية في ققنس لأحمد بوزفور

حجم الخط
0

الشيفرة السرية في ققنس لأحمد بوزفور

سعيد بوكراميالشيفرة السرية في ققنس لأحمد بوزفورتصوروا أن الكاتب أحمد بوزفور لم يصدر قبل ققنس سوي: النظر في الوجه العزيز، الغابر الظاهر، صياد النعام، علي امتداد ثلاثة عقود ونيف! ألأنه لا يجد الوقت الكافي للكتابة بغزارة؟ كما يفعل الكثير من الكتاب الذين هم أشبه بعمال العطش. ينهون وقتهم وقد افتضوا رزمة من الأوراق البيضاء. هؤلاء يخشون الموت فعلا. أما بوزفور فهو يحاول أن يفهم معضلة الكتابة (الحياة) الموت. تلك المعادلة التي لن تفكك شيفرتها وبالتالي يبقي الكاتب يكتب ويمحو أي يحيي ويميت بدوره عوالمه وفعله الابداعي، الذي يحيي حينا ويموت في أحيان كثيرة. ليست الكتابة والفن والابداع بصفة عامة نسخة عن الواقع والا لوجدنا بوزفور وغيره من الكتاب الحقيقيين يكتبون مدنا من الكتابة.ققنس طائر أسطوري تدفعه حرارة الموت التي تدوم سبعة أيام الي الغناء بصوت حسن وجميل حتي اذا سمعه أحد مات طربا وسرورا. اذن نحن أمام غناء جميل وقاتل. سيرينات عوليس أيضا غناؤهن مميت. والداني عليه أن يغلق أذنيه ويغوص في الصوت والموسيقي ومدارج الحتف. الكتابة والفن أيضا حتف. لأنهما منجز انساني يفلقه القلق والعجز. قلق انتماء معطوب وعجز حرية مصادرة. يري في ابداعه ما لا يراه الناس. ويري في الناس ما لا يرونه في أنفسهم. أو ليس الابداع كشفا عما لا يراه الناس. السؤال الأساسي هل يمكننا فعلا التغلب علي الموت بالفن. الموت بجميع رموزه ودلالاته؟ وبالتالي يعيش الفنانون كأرواح داخل منجزهم الفني. الثقافة اليابانية علي الخصوص تؤمن بان أرواح الموتي تستقر في جوف الشجر. الثقافة الافريقية أيضا تؤمن بأن الأرواح تغادر لكنها لا تغادر الأحياء بل تعيش بينهم.يضمّن أحمد بوزفور قصة ققنس مقطعا شعريا للشاعر السينغالي بيراجو ديوب. يقول فيه: (أولئك الذين ماتوا لم يرحلوا عنا، انهم في العتمة التي ستضيءوفي الظل المتكاثفانهم في الشجرة التي ترتجفانهم في الغابة التي تئنانهم في المساء المنساب.).هل يمكن أن تكون أرواح الكتاب الفنانين الحقيقيين العظماء (طاغور و مايكل أنج وكل العظماء ص 67)، وأؤكد علي هذه الصفة، تعود الي أجمل كتبهم لتستقر داخلها لكن هذه المرة لن تعود كئيبة حزينة لا تخشي شيئا بل ستعود منشرحة سعيدة، تتملكها رعشة الاحساس السري باكتشاف حقيقة الموت، وتنتشي بأنفاس وكيمياء قراء المستقبل. أما أرواح الذين قضوا نحبهم وهم يحتالون فنا انتهازيا وابتزازيا، فأتخيلها تعود لتغني غناءها النشاز محاولة العودة الي كتبها فتصطدم، يا حسرة، باسمنتها وحديدها وزيفها فلا تعود ولا تغادر. تبقي بين بين حاضرة غائبة يعذبها هذا الطفو المضاعف.الكتابة الحقيقية موت علني لأجل حياة أخري. ققنس نفسه لكي يطرب الناس شدوا عليه أن يموت في سبعة أيام. وزهرة كي تعيش شعرها وحريتها عليها أن تموت أيضا. والكاتب لكي يصل الي الوعي الشمولي بالكتابة كفعل حياة لا موت عليه أن يعيش الكارثة ذرة ذرة أو موجا موجا أو خطرا وشيكا أو غريقا غريقا. أي ذلك الاحساس الخرافي الذي نبتغيه ونخافه احساس الذين يستلهمون موتهم قبل موعده بأربعين يوما فيكشف عنهم الحجاب فتراهم تنقشع عنهم غشاوتهم فجأة ويبصرون ملء العين جسد المعني يختلج بين الأشياء والكائنات والكلمات.فقدان الطفولة ونسيان تفاصيلها موت أيضا يقول السارد: (الطفولة مجرة بعيدة، والضوء الذي يصدر من أحداثها لا يصلنا الا بعد زمن طويل من انقضائها، لذلك لا نري الطفولة حقا الا في الشيخوخة ولا يحس بالطفولة في كل شيء الا الشيوخ ص24) ألهذا تتخضر الطفولة فوق مياه السرد رافضة طمأنينة النسيان وطي الزمان؟. حاضرة بقوة تحريك من الأعماق الي السطوح ومن السطوح الي الأعماق. وكأنها تتناسخ مع الكتابة ومد طفوها كأنساق لغوية وجزر غوصها كذاكرة مشتركة بتكوينها المتراكم الشبيه بصفائح جيولوجية. ومن هنا يأتي الاحساس الرؤيوي المتردد داخل السرد كذبذبات قادمة من لا مكان فيها صوت مشفر يري في الواقع ما يراه في الحلم ويري في الحلم ما يراه في الواقع ويمكن نفي الرؤية تماما عن الواقع والحلم لتصبح رؤية كتابة الي كتابة وهي تستكشف محيطها اللغوي ـ يمكن ملاحظة فعل (رأي) ومرادفاته وسياقات استعماله وحرف (حتي) بايقاعه الصوتي ودلالاته الوظيفية وهذه الـ لو الجريحة والجمل الانشائية المتدفقة بإيقاعاتها الوجدانية المتقلبة والمترددة هذه الامكانيات اللغوية الهائلة تساعد علي توليد الحكاية في ققنس، بمقاماتها التلفظية الآتية من الماضي وسراديبه، من الحلم وأقنعته قصد تمديدها كجسر لا نهائي نحو المستقبل (أقصد التلقي).ليس كافكا من استيقظ في صباح اليوم الموالي، ليجد نفسه قد تحول الي حشرة، بل شخص آخر كان يحلم أنه تعرض للمسخ. بوزفور نفسه لا علاقة له بأحلام قصصه. أشخاص آخرون داخل النصوص من يقولون: رأيتني أعمي (الفعل والفاعل والمفعول به في حركة واحدة) ليس القصد مرآويا بل رؤيويا. لأن ما يحدث لا يحدث فعلا بل انه قد يحدث، فحتي الاسترجاعات المرتبطة بالطفولة هل حدثت فعلا؟ (أقصد في زمن السرد) ربما الحدث في ققنس أشبه بالحكمة العامية التي تقول: (كلام الليل تيديه ـ يلغيه ـ النهار) أي لا شيء يبقي لا شيء يحدث فعلا: (منذ زمن بعيد، منذ بدأت أعي، ان كنت أعي شيئا فعلا، وأنا أنتظر أن يقع شيء ما، في زمن ما، ودائما يأتي الزمن المنتظر ويمر، ودائما لا يقع شيء. كنت أعتقد أن ذلك يقع ـ أقصد: لا يقع ـ لي وحدي، ولكني اكتشفت بالتدريج، ومع مرور وتراكم الأزمنة الخائبة، أن ذلك شأن الناس جميعا في بلدي، كلهم ينتظرون حدثا ما في الغد، وكل الأغداء تمر كسحابات الصيف: خفيفة بيضاء، ولا يسقط المطر الا في الأحلام. لماذا يكون ذلك في هذا البلد وحده دون سائر بلدان العالم؟ لماذا لا تقع أحداث حقيقية فعلا، تقلب حياة الناس، وتعرضها لشمس التاريخ لتغتسل في أشعتها من أوضار الرتابة والبؤس والانتظار؟؟)الانتظار نفسه موت وفقدان الوعي الطوعي أيضا موت وفقدان الوعي القسري للسارد /الشخصية الذي يتكرر في سياقات عديدة أيضا موت. (شل الرعب أعضاءه كلها .. لحظة، ثم فقد وعيه. ص 63) (وفجأة سقط الكأس من يده وانكفأ وجهه علي المنضدة الزجاجية. لم يغب عن وعيه. لم يغب عن وعيه مطلقا. بقيت أذنه تسمع وعينه تري. ص 66).ولعل النوم أيضا أشبه بالموت، فالزخم الجميل للأحلام في ققنس يعطي الانطباع أن السارد لم يستيقظ أبدا من حلمه، نراه يتغلغل في وعيه الحلمي بين مسام القصص كما لو أننا أمام أحد أفلام المخرج الاسباني لويس بونويل. وهنا سأستل من قصة (تعبير الرؤيا) لفظة (كأن) و (أو) وأمثل لهما بما يلي:(ولكن كأنه ليس هذا النوع الحديث من القمصان الذي يلبسه الناس اليوم، كأنما هو (شامير) تنقفل عروته الوحيدة في جانب العنق علي الكتف وليس علي الصدر).(تمسك بيده يد لا يراها، كأنما لتقوده نحو هدف ما). (وكأنما يسمعني، وكأنما يعنيني، وكأنني محتار).(رأسه العاري المحلوق كليا، بدا ـ بعد أن سقط عنه الطربوش ـ وكأنه طربوش آخر، في وسطه حفرة. وكأنه خجل من انفضاح طربشة رأسه، وكأنه أكثر خجلا منه لكوني سببت له هذه الفضيحة). (وأنا أقترب لأسمع، فتتباعد، وتقول فيما احسب: انها تنسج الزرابي أو تطرز القفاطين أو تدرز العقيق في عقود أو تفلي رأس أخيها الصغير أو تضفر الحلفاء أو تنقي القمح أو تفتل الكسكسو أو تحلب الماعز … أو أشياء من هذا القبيل، أو أشياء هذا القبيل كلها (قبيل الأصابع وصنائعها التقليدية). قد يبدو هذا الاستلال تعسفا علي اللحمة السردية للقصة ربما ما يشفع لنا بذلك أن السرد في ققنس يشيد بهذا الجزء السردي في سبيل بناء اجمالي (كالنقش الفاسي تماما) ان نظرت اليه أثناء عملية انجازه ترعبك الجزئيات والتفاصيل الصغيرة لتقفل مضطربا مما تري من الجزيئات الصغيرة التي لا معني لها سوي أنها جزء يتركب ويتركب ويتركب .. لكن المذهل في (ققنس) أن هذه الجزيئات الصغيرة ما يصنع معمار قصصها. فعندما نتأمل لفظة (كأن) الواردة في المجموعة بكثرة نجدها تحمل الخاصية البيانية للتشبيه الذي يخرج الأمر من حد التوهم الي حد اليقين. ويطلق عليه البلاغيون اسم التشبيه المجمل الذي يخرق قاعدة التشبيه العامة، فهو لا يقصد به التحديد القطعي بل التشبيه المفتوح علي الشك والحدس والصور المفتتة وتعدد الدلالات. لم يلجأ الكاتب الا هذا التشبيه بعينه؟ لا شك أن اختيار بوزفور الاشتغال علي موضوع الأحلام كنص شعري مكثف بصوره ورموزه وتعدد تأويلاته الارتدادية نحو الماضي يجعل الواقع السردي برمته تشبيها مجملا أو افتراضا سرديا: الحالم يحلم أنه يري نفسه في الحلم= السارد يسرد أنه يفسر الحلم. الفعل الأول يتم في المضارع أما الفعل الثاني فيتم في الماضي. وكأن الحلم هو الحياة بخدعها والتباساتها الجميلة وطفولتها الملونة. بينما التفسير هو الوعي الشقي باكتشافاته للحقائق المرة. وهي المعادلة الصادمة نفسها بين الخيال والواقع، بين الابداع واكراهات الحياة العنيفة، وبين الحياة والموت. وما يؤكد زعمنا أن اللغة السردية في ققنس تميل نحو جمع الجزيئات الصغيرة لتشكيل الكتابة. نعود الي لفظة (أو) التي تفيد العطف بين شيئين أو أشياء وتكون للشك والابهام وللتخيير بعد الطلب فيما يمتنع الجمع فيه. وبذلك يتأكد لنا أن الكتابة في ققنس كتابة غير يقينية وكأنها غير واثقة من / في أي شيء حتي الكتابة نفسها وهي تتركب من اللغة ـ الغير موثوق فيها أيضا ـ تصبح ركضا خائبا نحو الكمال الفني. لكن الذين يتشككون باستمرار في منجزهم الابداعي من ينضج بين أيديهم الابداع الانساني والعظمة التي لا تموت. الدار البيضاء في 5/12/2005ـ أحمد بوزفور: ققنس. مجموعة قصصية. منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب. الطبعة الأولي 2002.ناقد من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية