اوباما تعامل مع الربيع العربي ببراغماتية ولامبدئية وبلا شجاعة وعليه التخلي عن سياسة هز الكتف تجاه سوريةلندن ـ ‘القدس العربي’: مع تعثر خطة المبعوث الدولي كوفي عنان بل فشلها، تتساءل الصحف الغربية ان كان هناك بديلا عنها او عن الدبلوماسية التي عولت عليها امريكا والدول المعارضة لسورية؟ ويرى المحللون انه في الوقت الحالي لا توجد هناك بدائل او خيارات اخرى لمساعدة السوريين، ويبدو ان لا خيار سوى مراقبتهم يتصارعون ومشاهدة الامور وهي تتطور الى حمام دم وحرب اهلية تهدد باستقرار المنطقة. ومع ذلك هناك اقتراحات لبدائل وليست خيارات وتتراوح الاقتراحات من تسليح سعودي سري، حيث ستكون حساباتها المصرفية افعل من الطائرات المقاتلة. اضافة لخيارات التدخل الدولي والعودة مرة اخرى لمجلس الامن. لكن ما يتم التركيز عليه الآن هو فتح معابر آمنة للاجئين والمقاتلين التي اصبحت ضرورة في ضوء اطلاق النار على الحدود مع تركيا ولبنان. ودعت المقالات والتحليلات في صحف غربية الى ان يغير الرئيس الامريكي باراك اوباما موقف ‘رفع اليد’ تجاه سورية. لا خيار وتقول صحيفة ‘اندبندنت’ انه ومنذ بداية الازمة فان الخشية كانت ان تتطور الازمة في سورية الى حرب تمتد خارج حدودها، ومثل كل الحروب في المنطقة تتخذ طابعا طائفيا. وترى في حادثتي اطلاق النار على الحدود مع تركيا ولبنان تذكيرا بهذه الحقيقة القاتمة، وتشير في اتجاه اخر الى تعقد الوصول لحل سريع للازمة.
وفي هذا السياق تقول ان الامل انعقد على خطة عنان التي كان من المفترض ان يلتزم بها الطرفان يوم الثلاثاء وعوضا عن ذلك استمر حمام الدم، مما يعكس تصرف النظام الذي تميز خلال الازمة وهو الكذب ومحاولة شراء الوقت لانه اي بشار الاسد يقاتل من اجل وجوده، وهو يعرف ان تفاوضا من اجل حل يعني نهايته.
وعليه ترى الصحيفة ان عدم تطبيق الخطة يعني تعقد الازمة اكثر. وسبب هذا التعقيد هو الانقسام الدولي والعربي بشأن التعامل مع سورية، وفي هذا الاتجاه فقد تفقد تركيا التي تدفق الى حدودها الالاف الصبر جراء انتهاك سورية لحدودها. فيما تتزايد الدعوات في الغرب لتسليح المعارضة. وكل خطوة من هذه الخطوات تعني زيادة حمام الدم داخل سورية، وتأجيجا لنار الحرب الاهلية والى تأثر الدول الجارة في الحرب. وفي ضوء هذا الوضع فالحل المتوفر الآن هو مواصلة الضغوط الدبلوماسية على النظام. وتذكر ‘اندبندنت’ بان خطة عنان حظيت بدعم من روسيا والصين الدولتين اللتين استخدمتا حق الفيتو في مجلس الامن ومن هنا فالحل بيد روسيا. وترى في دعوة موسكو لسورية القيام بخطوات فاعلة لتطبيق الخطة اشارة ايجابية مع ان هذه الدعوة لا تعني تخلي روسيا عن دعمها. وحتى تغير روسيا موقفها فالازمة السورية مرشحة لان تتطور نحو الاسوأ مهددة في الوقت نفسه استقرار الشرق الاوسط كما تقول. جيران متحاربون وترى صحيفة ‘ديلي تلغراف’ في افتتاحيتها ان الاشتباكات التي وقعت على حدود تركيا مع سورية واطلاق النار من الجانب السوري تعطيها المبرر كي تطالب باقامة منطقة عازلة داخل الحدود مع سورية. وتقول انه ان كان كوفي عنان يشعر بالغضب من النظام السوري الذي لم يف بوعوده فتركيا لديها كل الاسباب الحقيقية للغضب، لان حدودها الوطنية انتهكتها القوات السورية، ايا كان الحادث متعمدا ام غير ذلك. وترى ان الحادث كفيل بزيادة التوتر مع سورية، مشيرة الى استراتيجية رئيس الوزراء التركي طيب رجب اردوغان الذي اتبع سياسة تجنب المشاكل مع الجيران، وحاول قدر استطاعته مساعدة الاسد، ووصلت العلاقات بين البلدين درجة عقد اجتماعات مشتركة لحكومتي البلدين. وتضيف ان تركيا رأت كيف يقوم ديكتاتور سورية بمعاملة اصدقائه.
وكرد على المعاملة فانقرة محقة ان طالبت باقامة سياج عازل بين البلدين. وتقول ان الفكرة ليست جديدة فقد طرحتها تركيا الشهر الماضي ولكنها تراجعت عنها خوفا من مواجهة عسكرية شاملة مع النظام السوري. وتذكر بان فكرة المنطقة الامنة ليست جديدة على تركيا التي تعاونت مع بريطانيا وامريكا لاقامة منطقة آمنة للاكراد الذين فروا من قمع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد حرب 1991. وتمضي الصحيفة بالحديث المحرض بقولها ان الحادث الاخير على الحدود يظهر ان النظام السوري بات يمثل تهديدا لتركيا وسيادتها. وعليه فمن حق اردوغان المطالبة بانسحاب القوات السورية لمسافة خمسة كيلومترات بعيدا عن حدود بلاده وان يهدد باستخدام جيشه كي يفرض هذا الواقع. وتختم الصحيفة بالقول ان هذه هي الوسيلة الوحيدة لتوفير ملجأ امن لضحايا الاسد ولمن حملوا السلاح ضده وهو ما سيثير خوف النظام.
متى يتحرك اوباما؟
وفي مقال تحليلي كتبه سيمون تسيدال في ‘الغارديان’ قال فيه ان ‘سياسة هز الكتف’ التي يتبعها الرئيس الامريكي والتي قلدها البريطانيون وبقية ‘فريق’ الناتو غير مفيدة، لا على المستوى الاخلاقي ولا الاستراتيجي. ومثل غيره يرى تسيدال في حوادث الحدود خطرا في امتداد الازمة خارج سورية. فمن الناحية السياسية فان سياسة رفع اليد التي يتبعها اوباما لم تنجح. فعلى الرغم من عدم تحمس الناخبين الامريكيين في عام الانتخابات الرئاسية لحرب جديدة في الشرق الاوسط الا انهم ‘يشعرون بالغثيان من الصور المستمرة والقادمة من سورية وزيادة احصاء الجثث التي تجاوزت تسعة الاف حتى الان’ حسب تعبير الكاتب. ويتفهم تسيدال تجنب اوباما ‘اجندة الحرية’ لسلفه جورج بوش التي ادت لكارثة العراق ومستنقع افغانستان لكنه يرى ان تردده في التدخل في المنطقة يعتبر فرصة ضائعة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات وثورات.
وينقل عن المحلل فرد هيات قوله ان ‘الحادث الاكبر وغير المتوقع الذي طبع فترة ولاية اوباما هو الربيع العربي، فقد تعامل اوباما مع كل حالة على حدة ونظر الى الربيع العربي وكأنه انشغال غير مريح، وليس على انه حركة تاريخية مهمة’، واضاف ان اوباما اظهر تحمسا قليلا للربيع العربي، فمواقفه من مصر وتونس وليبيا وايران وثورتها الخضراء المجهضة تراوحت بين البراغماتية وعدم التصميم واللامبدئية، اما موقفه من سورية فقد جمع الثلاث.
واشار الكاتب الى افتتاحية ‘واشنطن بوست’ يوم الثلاثاء التي اتهمت اوباوما بالتهرب من الازمة من خلال التخفي بحل للامم المتحدة لم يوفر الا الغطاء والحماية للنظام السوري. وقالت ان تجاهله للازمة يعني دفعها للعسكرة والحرب الاهلية. وعلى الرغم من مخاطر التدخل الغربي من الناحية الاستراتيجية على استقرار المنطقة، فان التظاهر بعدم دخول القوى الاقليمية على الساحة، تركيا وايران والسعودية هو خداع للنفس لانها دخلت فعلا. وفي هذا السياق يرى روبرت هاديك من مجلة ‘سمول وورز'(حروب صغيرة) ان البلد – سورية اصبح ميدان معركة بين السعودية والدول السنية الصغيرة ضد ايران ذات الغالبية الشيعية.
واشار هاديك الى حروب مصغرة بالوكالة خاضتها السعودية في البحرين واليمن ولبنان ضد ايران. ويقول هاديك ان الرهان في سورية اكبر لانه لو سقط النظام فهذا يعني هزيمة ساحقة لايران. ويرى الكاتب ان هذا السيناريو خطير اضافة لسيناريوهات التدخل الغربي وتحول سورية للمثال العراقي حالة انعكس الوضع غالبية سنية تحكم واقلية علوية يطاح بها، اضافة للعامل الاسرائيلي الذي سيتأثر بشكل اكبر. ومع كل المخاوف التي يطرحها كل سيناريو وهي مفهومة الا ان الازمة السورية تنتقل كل يوم الى مرحلة جديدة خطرة لم يعد بالامكان وقفها وهذا يدعو الدول الغربية لاعادة النظر في استراتيجيتها. ويقترح هاديك الطريقة غير المباشرة لدعم الازمة من خلال الجهود السرية السعودية وتوفير السلاح للمعارضة.
ويقول ‘لهذه الحرب ستكون الحسابات المصرفية السعودية اكثر اثرا من مقاتلات اف – 16’ تستخدمها السعودية لضرب سورية. ويرى تسيدال ان هذا النقاش ينسى العقيدة التي قام عليها الناتو وهي ‘الحس المسؤول للحماية’ والتي اتبعت في الحالة الليبية. ولا يقترح الكاتب هنا غزوا شاملا لسورية. ولكن يدعو لاعادة النظر في فكرة المعابر الآمنة والملاجىء للسوريين في ضوء ما نرى من معاناة وتعب ومخاطر من توتر الاوضاع على الحدود. واذا فعلها الناتو في بنغازي بناء على تهديد من الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي فلماذا يتردد الان والمذبحة جارية. ويجب اتخاذ قرار بهذا الشأن ايا كان اعتراض روسيا؟ شجاعة اردوغانويشير تحليل في ‘ديلي تلغراف’ كتبه ديفيد بلير الى ان فشل مهمة عنان تعني العودة الى ‘الخطة ـ ب’ وهي العودة مرة اخرى لمجلس الامن حيث ستجد الدول الصديقة لسورية المهمة اسهل، وستناقش ان خطة عنان وافقت عليها كل الدول الاعضاء، وسيكون موقف الصين وروسيا غير مقنع لانهما دعمتا الخطة التي فشل الاسد بالالتزام بها. ومع ذلك فالمعوقات ستظل موجودة لان فشل الخطة لا يعني تراجعا روسيا عن دعم الاسد لان موسكو ترى اي قرار من مجلس الامن يدعو لتنحي الاسد او تغيير النظام تدخلا في شؤون البلد الداخلية. ويناقش الكاتب هنا ان الحل يظل مرتبطا بمناطق امنة تحتاج تركيا الى اكثر من 40 الف جندي لتطبيقها، وهذا يعني قرارا كبيرا. ومن هنا يرى دبلوماسيون ان رئيس الوزراء اردوغان على الرغم من كل الكلام الحماسي الذي اطلقه ليست لديه الشجاعة الكافية لاتخاذ قرار.