الشّبه الفريد بين العمي والعمي!

حجم الخط
0

الشّبه الفريد بين العمي والعمي!

فــاروق واديالشّبه الفريد بين العمي والعمي!عندما دخلتْ “شهد” إحدي مكتبات بيع الكتب في لشبونة، من تلك التي تتيح لك الجلوس ما شئت وقراءة ما يمكنك قراءته من كتب دون أي إلزام بالشراء (وكانت قد اتخذت قرارها بمقاومة الرغبة باقتناء مزيد من الكتب)، التقطت عن أحد الرفوف رواية جوزيه ساراماغو “العمي”. وعندما أنتهت من قراءة الفصل الأوّل، لم تغادر المكتبة إلاّ وبيدها الكتاب، لتشرع في قراءة الفصل الثاني وهي عائدة في المترو. لم أسألها إن كانت قد فقدت محطتها كما يحدث معها دائماً عندما تأخذها القراءة، لأنني بتّ واثقاً من ذلك! وعندما دخلتُ بدوري معرض الكتاب، وقد عاهدتُ النفس الأمّارة بالكتب علي أن لا أقتني المزيدً إلاّ بعد استنفاذ تلّ الكتب المتراكمة علي الرفوف يعلوها الغبار أو تختفي في دغل تائه. هناك، عثرت في أحد الأجنحة علي “العمي” بترجمتها العربيّة، فلم أخرج إلاّ والرواية في يدي، ناقضاً وعدي الهشّ لنفسي. وعندما سألت زوجتي سؤالنا التقليدي: “من يبدأ بالقراءة أولاً”؟ قالت: “أنا، فلديّ فائض من الوقت الآن”. إلاّ أنني، في لحظة غيابها، أمسكت الرواية للتعرُّف عليها بقراءة بضع صفحات. وعندما أنهيت الفصل الأوّل، شرعتُ فوراً في الفصل الثاني، ناقضاً، ودون تردد، وعدي للمرّّة الثانية. لعلني شئت من هذه المقدِّمة أن أتطرّق إلي براعة ساراماغو الهائلة في توريط قارئه منذ الصفحات الأولي. وهو لا يكتفي بالاستيلاء علي القارئ فحسب، وإنما يمتلك قدرة مذهلة للمحافظة عليه، بكامل دهشته وتوتره.. حتّي الصفحة الأخيرة. وكنّا، “شهد” وأنا، نقرأ فصلاً أو بضع صفحات، هي هناك وأنا هنا، لنلتقي في المساء علي أحد المواقع الألكترونيّة التي تتيح لك محادثة مجانيّة مهما طالت. نتحدّث قليلاً في أحوالنا، ونحكي طويلاً في الرواية التي أوقعتنا في غوايتها واستحوذت علينا بكابوسها الراعب، دون أن يتعارض ذلك مع متعة القراءة والتأويل، وفتح العيون علي اتساعها لرؤية العالم، وما يدور من حولنا، بطريقة أفضل. في غياب الزمان الروائي والمكان، قد لا تجد الخصوصيّة الثقافيّة والتاريخيّة والجغرافيّة التي تميّزت بها أعمال أخري للكاتب. هنا، تتابع سرداً مفتوحاً علي المعاني والاسقاطات، تتيح لك فرصة أن تري نفسك وعالمك أنت في مرايا عميان ساراماغو. في أحد حواراتنا قالت لي “شهد”: “إذا ما افترضنا أن الاحتلال يُشكِّل نوعاً من العمي، فإننا نستطيع أن نري في المحجر المحاصر، الذي زجّوا فيه العميان، صورة من صور العزل الذي تمارسه إسرائيل علي الفلسطينيين، يحيط بهم جنود يضعون أيديهم علي الزناد، مهيأئين لإطلاق النار”. عندئذٍ تذكّرت شجاعة ساراماغو الذي رأي في رام الله، بعد نحو سبع سنوات من صدور روايته، ما ذكّره بما كان يحدث في “أوشفيتز”، وربما في “العمي”!لقد أغوتني فكرة المقارنات علي ملاحقة واقتباس التشابهات والومضات الإيحائيّة والنصوص والشذرات التي تشير إلي الشبه الفريد بين “العمي” المتخيّل.. وعمي الواقع!فالجنود في الرواية يواصلون دورهم بتضييق الدائرة علي العميان المحاصرين، وإصدار الأوامر والنواهي من خلال الميكروفون، وإطلاق الرصاص علي كلّ من تسوِّل له نفسه كسر الُحصار. وهم لا يسمحون للمقيمين في ذلك المكان البائس إلاّ بالقليل القليل من الطعام، والمزيد من الموت والخراب، وتغييب الشروط الإنسانيّة للعيش. ہہہوكأنما العمي، وممارسات الجنود، والحصار، والجوع، وكلّ تلك الأجواء القاتلة والمناخات العفنة التي تقتات من إنسانيّة المكان المحاصر، لم تكن كافية. فلا ماء ولا كهرباء ولا طعام، وهي الأشياء التي يشير غيابها إلي “المعني الحقيقيّ للعمي”. لتخرج من وسط كلّ ذلك، من المعزل المحاصر، مجموعة من اللصوص الذين يستأثرون بالسلطة الباهتة السائبة هناك، وليشرعوا في سلب الآخرين ممتلكاتهم وممارسة أرذل الرذائل. تقول إحدي الشخصيات: “كأن عمانا لا يكفي حتّي نقع في قبضة لصوصٍ عميان”! وعندما ينتشر وباء العمي ويعم البلاد، لا يكون أمام حكومة العميان التي تحكم عمياناً، سوي حثّ الناس علي “الصّبر”، وتبشّرهم بقرب تشكيل “حكومة إنقاذ ووحدة وطنيّة”! وتري الشوارع تضجّ بمشهد عميان يصغون إلي خطابات عميان آخرين، يتابعونهم بعيونٍ ذاوية. تري أطباء عمياناً يجسون نبض مرضي لا يستطيعون رؤيتهم. فيما الصراعات تتفجّر: “ليس بوسعك تخيُّل رؤية أعميين يتعاركان، طالما كان العِراك، إلي هذا الحدّ أو ذاك، شكلاً من أشكال العمي”، يقول أحدهم، ويضيف آخر: “شئ مخزٍ عميان ضدّ عميان” فيما يقول ثالث: “الأعمي الأسوأ هو ذلك الذي لم يرد أن يفتح عينيه”. أما الكابتن، قائد معسكر الجيش الذي يتولّي الحصار، فيقول: “إن انتهي بهم الأمر إلي أن يقتل بعضهم بعضاً، ستكون الحالة أفضل”.ہہہ وفي الرؤي البعيدة التي قدّمها ساراماغو، نقرأ أيضاً ما ينبغي تأمله ونحن نري حولنا رعباً أكثر من هذا يقترب، ونشعر بأن “الجحيم الموعود علي وشك أن يبدأ”. هنا، لا بد للأعمي من أن يصرخ.. “وكم هو مرعب صراخ العميان”!في هذا الجحيم، يبقي “الشئ المهم هو أن لا نفقد احترامنا لأنفسنا”، كما يقول أحد العميان، ويضيف آخر: “عندما نلاحظ يوماً، اننا لا نستطيع فعل شئ جيد ونافع فيجب أن نمتلك الشجاعة كي نغادر هذا العالم ببساطة”. هل كان ساراماغو في روايته العظيمة هذه يحكي عن الحياة في مكانٍ آخر، متخيّل، أم إنه شاء أن يكتب هجائيّة قاسية لعالم ضاع منه البصر.. وغابت البصيرة؟!مهما يكن، فإن استعادة البصر، هي النهاية المتفائلة التي وضعها كاتب متهم بالتشاؤم، لرواية يبلغ فعلها في قارئها أنه لن يكون، هو نفسه، بعد أن يُنهي القراءة. فهل يستعيد الواقع القاسي بصره وبصيرته معاً، قبل أن تندلع النيران التي حذّرنا ساراماغو من اشتعالها، والتي “ستحيل كلّ شئ، بسرعة، إلي رماد”!؟كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية