الشّعر… متأقلماً مع نقائضه!

حجم الخط
0

الشّعر… متأقلماً مع نقائضه!

خيري منصورالشّعر… متأقلماً مع نقائضه!باستثناء عدد من الشعراء العرب لا يتجاوزون السبعة المبشّرين بالقرّاء والمواقف، فإن مئات ممن يعزفون علي الوتر ذاته، وقد بدأ يتهرأ تحت اصابعهم وتتهرأ اصابعهم عليه سيظلون يراوحون بين وَهْمَين، أحدهما سري لا يشاركهم به حتي ظلالهم، والآخر علني تشاركهم به زوجات وخليلات وأصحاب من طراز أصحاب شعراء المعلقات الذين يتعكزون عليهم وهم يقفون قبالة الاطلال! ما الحكاية؟ وهل هو عزوف العرب عن ديوانهم وكتابهم الاثير؟ أم هو عزوف الشعراء انفسهم عن لحظة الصدق وتلبية الهواجس المحررة من الارتهان للاسترضاء والمحاكاة؟ان لدينا الان غابة من الثقافات، وقد انعدم آخر قاسم مشترك حتي حول تعريف الشّعر فهو لعبة كلمات متقاطعة او لعبة تنس بلا شبكة حسب تعبير شهير لروبرت فروست وهو أيضا الخرقة المستعارة من صوفي قرر الاستقالة من المطلق وفتح باب التاريخ بقدمه!ان من يقرأ مساجلات الشعراء حول الشعر ومهرجاناته لن يتردد في توصيف غير سار علي الاطلاق لهذا المشهد التراجيكوميدي والذي يضحك المراقب حتي يستفز قناة الدمع!حروب دونكيشوتية، وسيوف من نشارة الخشب ودروع من العجين الهش…لكأن الف شاعر وشاعرة اشتبكوا علي آخر زبيبة، بعد أن قرر الخليفة المعاصر ان يستغني عن المديح شعرا، ما دام النثر قد تولي الأمر، واندفع بقوة النفاق الي تلك الصورة التي جسّدها جورج اورويل بشكل يثير الغثيان وهي مثانة الخنزير الممتلئة بالحبر….وعلي الارجح ان من يطرقون هذه البوابة، قد تدمي قبضاتهم وتتهرأ أصابعهم، وما من صرير… فما من أحد يعترف بأن ما يقوم به يستحق نقدا ذاتيا او مراجعة، ما دامت المعصومية بأدني معانيها الدنيوية قد تحوّلت الي بوليصة تأمين طواها الحمقي تحت آباطهم وناموا ملء الجفون، لكن العالم لا يسهر ولا يختصم حول ما ثرثروا!ان المجتمعات حتي لو كانت شبه بدائية وتوقفت عن النمر عند طور العذراء، تحزر بالفطرة ما يعبّر عنها وما يهرّب آلامها ومكابداتها وأشواقها، لهذا فهي لا تشيح الا عن زؤان ولا تقرر ادارة الظهر الا ليباب لا يعد بشيء.فهي لدغت من الجحور ذاتها مليون مرّة، ظمئت حتي تشققت الشفاه ولم تجد غير السّراب وعشقت وقررت الوضوء بالدم لكنّها لم تجد قبلة في زمان انعطبت بوصلاته…اما الشعر فهو الفصل الأخير في هذه الدراما الصحراوية، بحيث بات اسير اوهام النشر المحدود والقاريء المتخيّل والناقد الدّاجن الذي لا تجتذبه سوي طرقات مغمورة بحوافر السّابقين!ان معظم ما كتب حتي الآن حول الانتحار الثقافي والأنيميا الشعرية في العالم العربي لم يحرك احدا، ولم يثر رد فعل واحداً يستحق ان يسمي رد فعل، ولو ألقيت هذه الحجارة في بئر لفاضت، او في مستنقع لتحرك فيه التيّار! لكن الكتابة في تعلّقها بالشعر أصبحت جزيرة محاصرة من الجهات الخمس بالرمال… ومن الجهة السادسة باللامبالاة! وأعجب امن المتطامنين الذين ينامون القُرْفصاء علي فراش قصير وَهُمْ يستنكرون علينا وعلي سوانا هذه النبرة الحادية وهذه الكلمات المبرية كأقلام الرصاص والقابلة لأكل نفسها كأقلام الرصاص أيضا!فثمة من يعانون من عقدة اللااستحقاق، وتلك نعمة لا تعادلها غير نعمة الجهل حسب ما يقول ابو الطيب… هذه العقدة تجعل المصاب بها يبرطع من الفرح اذا ظفر بحصة نملة واحدة من هذا العالم… وهناك شعراء ينشرون قصائدهم في مجلات تشبه الكشاكيل او الكتالوغات لا ينتبهون الي اعلان مجاور لنصوصهم عن سلعة ثمنها يعادل كل ما تقاضوه عن أعمالهم وجهودهم آلاف المرات، وكأن الثقافة جمهورية محررة من الاقتصاد، ومن نفوذه الحاسم الذي لا يتوقف عند مافيات الورق ولا عند تسعيرة المقال والقصيدة!ہہہكلما حاولنا النأي عن هذه البؤرة، لنحلّق عاليا خارج جاذبية الواقع الجحيمي، تشدنا بقوة المرارات التي يتجرّعها ويجترها ضحايا التجهيل المبرمج، وايديولوجيا التهميش، وسعار الاستهلاك الأعمي!وقد يكون من الاسهل علينا تدبيج آلاف الصفحات لاستعراض قصائد وقصص بلغة رائجة ومستعملة. لكن الثقافة ليست في نهاية المطاف تلالا من النصوص الصمّاء، وليست تجريدات هلامية، انها تفاصيل من لحم الواقع ودمه، ومن نخاع الكائنات التي بدأت تخسر مناعتها، وتهددها القطعنة بالتحول الي مسامير وقطع غيار متماثلة وبلا أسماء!ويبدو ان المؤسسة الرسمية التي يناط بها تدجين الثقافة ودحر الوعي، أدركت بالخبرة أن اللسان الذي لا يشكمه اللجام قد يشكمه الماس او أي سائل آخر، فامتلأت الأفواه بما يحول دون النطق الا اذا كان ببغاويا وترديدا للصدي!ونادرا ما يجد السادرون في هذه الغيبوبة من يوقظهم او يقرع الجرس بجوارهم، ليدركوا ان من فقد قرّاءه… والواثقين برؤاه مقابل الحصول علي بطاقة عضوية في نادي السعادين الرسمي، عليه ان لا يشكو من الهجران ومن تراكم نسخ كتابه في مستودع الناشراو في غرفة نومه السرّية!وهنا لا بد من التذكير بمفارقة المفارقات كلّها، وهي تتلخّص في أن من يزعمون بأنهم يكتبون بمعزل عن المتلقي ولا يعنيهم الآخر، يحلمون بالجوائز التي تمنح غالبا وفق معيار انتشاري ويقيمون الدنيا اذا باع احدهم مائة نسخة من كتاب صدر قبل عامين!كيف نفهم الطلاق البائن؟ ولمن ننسب المسؤولية فيه، الي زوج استغرقته نشوة الغيبوبة ام الي زوجة تقضمها الوحشة؟ہہہ هل يمكن لوادي عبقر وجبل الأولمب، والشياطين الذكور الذين ألهموا علقمة الفحل والفرزدق، ان تبرر جهل الشاعر العربي في مطالع الالفية الثالثة باسباب فقره؟ واسباب عزوف الناس عن غنائه وبالتالي عن اسباب الهجران الذي يشكو منه؟ ان شاعرا يدير ظهره للتاريخ، ولا يعي من شروط زمانه غير حبٍّ مُبْهَم، وعدمية مفرغة من نُبل التراجيديا، عليه ان يقبل بما انتهي اليه من هذيان، فالمرايا لا تصلح أبوابا بأية حال، والذات التي لا تتكثّف فيها وتتقطر خلاصات تاريخ برمته هي مجرد قطرة ماء ضلّت الطريق الي النّهر، وخسرت أبديتها في الدورة الكونية عبر متوالية الفصول!وقد يكون الاندفاع الأرعن نحو هذه اللوغاريتمات اللغوية التي تجاهد من أجل إفراغ حمولة الكلمات من أية دلالات هو النقيض الفعلي للسوريالية، ومرادفاتها، بعكس ما يعتقد قرّاء المترجمات المختزلة وسير الشعراء المتمردين بمعزل عن نصوصهم!والادّعاء بأن الشعر الشعبي الآن في أزمة يبطله علي الفور التعريف التقليدي للأزمة وهي ما يأتي بعد فائض وانفراج، وقد كان الراحل جبرا ابراهيم جبرا سباقا في احدي معالجاته الطوفانية لشعر الرواج حين استبعد مصطلح الأزمة من الأدب كله وليس من الشعر فقط، لأن ما من نصابٍ كمي للإبداع في مرحلة ما… لهذا فالأزمة ان وجدت هي في هذا الاقلاع شبه الجماعي عن عادة تعاطي الشّعر، مما دفع الناشرين الي الاعتذار عن نشره الا لماما ووفق شروط قد يعفّ عنها شعراء ذوو كبرياء وكرامة ثقافية!نعرف ان مساحة الشّعر انحسرت في عصرنا، مثلما تنحسر عندما تسود الفلسفات الكلبية وتحدث القطيعة بين منبع النهر ومصبه وبالتالي بين الانسان وما جعل منه انسانا!والشعر ليس في نهاية المطاف تجديفا علي سرير او في الرمال، وحين ينقطع عن النهار وثدي الحياة يصبح رياضيات وتجريدات تحاول ايهام المتلقي بأنها من سلالات صوفية ونورانيات رسولية.ويبدو ان الشاعر تأقلم في العقدين الأخيرين مع منفاه السياسي والاجتماعي، وفقد الحنين الي العودة او الي المستقبل. لهذا تحوّل الي معضلة لغوية، وضيف غير مرغوب في بقائه اكثر من يومين او ثلاثة علي مهرجانات هي في حقيقتها عربات أخري مضافة الي قطار الاعلام واكسسوارات الثقافة المؤسسية!ومن طرد الشعراء هذه المرة من جمهوريته ليس فيلسوفا حالما بيوتوبيا يحتكرها العقل والفلاسفة وليس ايضا امبراطورا من طراز اغسطس الذي عاقب أوفيد علي كتاب ألّفه في فِقْه العشق.طارد الشعراء من هذه الملكوت هو نظام ساهم في صياغته حتي الشعراء أنفسهم عندما قبلوا بشروط المطبعة والناشرين، وإدارات الثقافة الرسمية، والعلاقة البافلوفية بين جمهور أُفسدت ذائقته، وأصبح يعبّر بالتصفيق عن مناطق اللاشعر في القصيدة، لأنه يصفق لما يعرف، ولما يتذكّر.وقد نكون محقين الي حدّ بعيد ونحن نتذكر ما قاله ناقد مثل غراهام هيو عن المراحل التي يفقد فيها النقد جدواه، ويصبح حصي النهر الذي لا صلة له بالتيار.والنقد الداجن سواء كان ذا قناع اكاديمي او مجرد استثمار لمعارف مدرسية حول تدمير النصوص من أجل التغذي عليها وافقارها هو الحليف الوفيّ للذائقة المفسدة، تماما كما أن الناشر الرجعي والناقد الرجعي والقاريء الرجعي هم جلفاء الكاتب الرجعي حسب تعبير شهير لهربرت ريد!ان الشعراء الذين غادروا متردّم المقاومة والشكوي من المدينة الساحقة، لم يبلغوا حتي الآن تلك المرتفعات التي حلموا بها، لأن الفارق حاسم وجوهري بين أن يكون المرء او المرأة شاعرا وبين تقمص صفات وقرائن ذات صلة بهذا الفنّ الذي كان من سوء حظّه ان قماشته من الكلام الذي نملكه جميعا بخلاف الفنون الأخري ذات القماشة المختلفة، والبوابات غير المشرعة علي مصاريعها!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية