الشِّعر أرضنا العليا المهجورة

حجم الخط
0

مهدي نصير جرحٌ عميقٌ ينزفُ منذ آلافِ السنين في هذا الجسدِ النَّائي والمُلقى عالياً وبعيداً وبارداً، ممتلئاً بثقوبٍ سوداء ورصاصٍ ودماءٍ متجلِّطةٍ وفؤوسٍ منتصبةٍ ومنخورةٍ تحرسُ هذه الفوضى.

هناكَ قتلٌ يوميٌّ لوَرْداتٍ كانت تنبتُ عنوةً فوقَ تلكَ الكتلِ المهشَّمةِ والنقوشِ المبعثرةِ والجُثثِ المُلقاةِ والأقزام التي تتراقصُ في منطقةٍ لم يكن لها أن تحلم يوماً بالولوجِ إليها.

هناكَ طائراتٌ تَقصفُ وإذاعاتٌ وفضائياتٌ وأموالُ سُحتٍ ونفطٍ وعُهرٍ أسطوريٍّ تعملُ على تفريغ وتهشيم ما تبقَّى من نقوشٍ وسيوفٍ وعصافيرَ وورْدٍ وماءٍ وكمنجاتٍ مكسَّرةٍ وناياتٍ تنزفُ دماً أحمرَ من ثقوبها المملؤةِ طيناً وقبائلَ تائهةً تتساقطُ مثلَ قطيعِ ماعزٍ أسودَ عند الجُرفِ الصَّخريِّ السَّحيق. هناكَ موتٌ أسودُ مقيمٌ ويُشرعُ أسلحته السوداءَ ويقتلُ الماءَ واللغةَ والسلالمَ التي كانت تكتبُ فوقها وردةٌ عطرها وصوتَ طنينِ نحلها وصوتَ طفلةٍ كانت تلمُّ في الصباحِ بعضَ الطَّلِّ عن ورقاتها المتوهجةِ بالشِّعرِ والموسيقى والفتنة.

هناكَ ليلٌ وعتمات تتكاثفُ وتقتلُ الضوء الذي تناثرَ عبر قرونٍ فوقَ هذه الرقعةِ المُعتمةِ المقتولةِ والمنهوبةِ والصامدة كطودٍ يابس.

هناك جراحاتٌ عميقةٌ تتمُّ جهاراً نهاراً لهذا الجسدِ المترامي والمكشوفِ والعاري لتحوَّله إلى جثَّةٍ أميبيَّةٍ طفيليَّةٍ غيرِ قادرةٍ على الوقوف على قدميها وغيرِ قادرةٍ على أن تمارس حضورها وتعزفَ موسيقاها وتقود أوركسترا الينابيع العالية التي ستغسل وجوهَ الماعزِ والأطفالِ والأزقةَ الحزينة الحارَّة والتي تقطرُ زيتاً حمِئاً ودماً طفلاً وسلالم كانت تسعى للصعودِ نحو تلك الأرض العالية. تلكَ الأرض أرضُ الشِّعر وأرض الأنا العليا وأرض الموسيقى العليا وأرض الأسطورة والمُثل والقيم والورد.

على الشِّعر أن يصعد عالياً نحو تلك الأرض البور المهجورة القاسية الصخرية التي تقرعُ فوقها بساطير جندِ الغرباء وتعيثُ بها طوابيرُ من السفَّاحين المرتزقة.

هذه الأرض العالية لم تكن يوماً أرضاً لهؤلاء القتلة والغزاة وتابعيهم وأُجرائهم، إنها أرضنا العالية وموطنُ آلهتنا التي هجرناها وكسَّرناها وبعناها وفتحنا أبوابها لكلِّ الغزاةِ وكلِّ الطُّغاةِ وكلِّ الأُجراءِ الأقزام.

هذه أرضنا السليبة التي يحتلُّها ويُخرِّبها ويقتل الحياة فيها كلُّ أعدائنا، وحين فقدناها وفقدنا سيطرتنا عليها فقدنا الأرض والعِرضَ والماءَ والكرامةَ والأمان على دمنا الذي أصبحَ نهباً لكلِّ طُغاةِ التاريخ وقراصنته ومجرميه.

الشِّعرُ هو بستانيٌّ مُسلَّحٌ لتلك الأرض المهجورة وكاهنٌ وعرَّافٌ ونبيٌّ لآلهتها الفاتنةِ المقتولة.

كانتِ اللغةُ الطازجةُ تولدُ هناكَ وتهبطُ كالملكات بهودجها وموسيقاها وعشقها الذي يملأُ الشوارعَ برائحةِ الله الطريَّة، وكانت تهبطُ تُصلبُ حيناً وتنتصرُ حيناً وتعشقُ وتتزاوجُ مع تلك اللغة الفجَّةِ الصادقةِ المملؤةِ بالحزنِ والعجزِ والخوفِ واليباس. منفيُّون نحن عن أرضنا العليا ونزرع ونحرثُ في أرضٍ لا تُنبتُ إلا خشباً وسلاسلَ وأطفالاً نقدِّمهم قرابينَ يوميَّةً للتنينِ الساكن في أعالينا وعلالينا وينهشُ رأسنا العاري ويملؤهُ طيناً وخوفاً وروائحَ موتٍ تنمو حولَ فمهِ الكريه الأسودِ. كان الماعز يرقصُ في القديمِ القديمِ هناك وكنتِ قبل الفجر تصنعين وإياها قوالب الجبنةِ وتركضينَ معها وخلفها وتتسلَّقين شجراتِ البُطمِ والنبقِ وتطعمينها بعضَ الزعتر الجبلي الرقيق والنابتِ كنصلٍ أخضرَ تُنظِّفينَ به ثقوبَ الناي وتعزفينَ كآلهةٍ شرقيَّةٍ فاتنة.

كنتِ تزنِّرينَ خصرَكِ الشَّهيَّ باللوزِ فأركضُ كي ألثمَ أغصانَكِ التي كانت تنمو وكانت تسبقني قُطعانُ الماعز نحوكِ تتسلَّقُ خصرَكِ وتلثمُ أوراقاً صغيرةً خضراءَ كانت تنمو على قَصَبِ النايِّ فيخرجُ صوتُكِ براعمَ لوزٍ أخضرَ تتفتَّحُ في المسافةِ بينَ فمي وبينَ أباريقكِ المملؤةِ عسلاً وسنابلَ ماء.

أرضُكِ هذه اليابسةُ الآن والمعتمةُ والمهجورةُ والتي تزحفُ فيها الأفاعي وترتع فيها الأقزامُ، وفوقَ مصاطبكِ – التي كنتِ فيها تجلسين وتعزفين وتغتسلينَ وتصنعينَ شنابرَ ثوبِكِ البدويِّ وتُطرِّزينَ للماعزِ باقاتٍ من ورقٍ أخضرَ وتغزلينَ من صوفها شالاتِكِ الشَّتويَّةِ ومن قَصَبِ البوصِ العالي تُثقِّفينَ لها ناياتٍ وعيداناً كي ترقصَ كالماءِ – هناكَ تنمو الآن الأشواكُ وتزعقُ غربانٌ سوداء. كنتُ أصعدُ نحوكِ، كنتُ ألهثُ، كنتُ أخطو وأسقطُ، كانَ يسحبني للأسفلِ كلاليبُ سوداءُ تلمعُ وكنتِ ترفعينَ كفَّيكِ المرهقينَ وكنتُ أسمعُ صوتَكِ، لكنَّه بعيداً كانَ، ضعيفاً كانَ، مُجرَّحاً من أثرِ البُكاءِ والعُزلةِ والخوفِ والبَردِ، في يديَّ كنتُ أحملُ صوتي كالحجارةِ وألقيها نحو الأسفلِ حيثُ كان قطيعُ الماعزِ الهابطِ منفيَّاً من أرضه العليا، كانَ يعلكُ تبناً أسودَ وتُسوِّرهُ أسيجةٌ وحرَّاسٌ وطبولٌ وكانت رؤوسهُ منكَّسةً للأسفلِ، هوَ لا يرى يديك ولا يسمعُ صوتَكِ الضعيفَ ولا يسمعُ صوتي ولا يتسلَّقُ نحوي لنصعدَ معاً نحوكِ في موكبِ حِداءٍ بدويٍّ مَهيب.

الحصن 27-6-2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية