مهدي نصيراللغة بنية تاريخية مفتوحة ولا نهاية لأشكال تطوُّرها الهندسيَّة والبُنى الفرعيَّة القادرة على توليدها والامتداد بها خارج إطار القوالب والتنظيرات الجاهزة واجتراح تنويعات وإيقاعات وتضمينها ثقافات ولغات ولهجات وأصوات من مصادر وبُنى شتَّى.
وللغة الحيَّةِ مصارفُها التي تتخلَّصُ فيها من فضلاتها وأورامها وخلاياها المترهِّلة والميِّتة، ولها القدرةُ على تجديد وتوليد خلايا جديدة وتراكيب جديدة وصيغ وكلمات واشتقاقات وأصوات جديدة.
وربَّما يكون الشِّعر الأداة الأساسيَّة في توليد وتوطين هذه الخلايا الجديدة وهذه الأصوات والإيقاعات الخفيَّة التي يمزج فيها الشَِّعر الطبيعة الخلاَّقة والتاريخ والحلم في إيروتيكيَّة لغوية مدهشة ويسكنُها في جسد اللغة.
وإذا ضعفت شهوة الأمَّة للحياة ترهَّلتِ اللغةُ وانزوى الشِّعر في ركنٍ معتمٍ وميِّتٍ بعيدٍ وراحَ يُعيدُ نسجَ أكفانهِ كل ليلةٍ بإعادة إنتاج لغةٍ متورِّمة وإيقاعاتٍ عنينة وتراكيب تختلط فيها الفضلات مع العلف والتبن والتِّبر الذي يضيعُ كمكوِّنٍ شحيحٍ ضمن خليطٍ عنينٍ أيضاً وليس ضمن كيمياء فاعلة تُعيدُ تشكيل البنية وتفجيرها واقتراح فضاءاتٍ جديدةٍ لها.
الشِّعرُ حُمَّى شبقيَّة، وويلٌ للغةٍ لا شعراءَ كبارَ يعشقونها كامرأةٍ ناضجةٍ ويلتقطونَ من حضورها الغائب وغنائها الخافتِ وبراعمها الصغيرة وصوتِ خُطاها الليليِّ وغبار غضبها في الأزقة، ومسكِ فتنتها وأنوثتها وانحناءاتِ جغرافيتها وخصوبتها وموسيقى ارتطامِ خلاخيلها وحروفها وطينها وهوامشِ عشَّاقها العابرين والمجهولين وسوقيَّةِ أبنائها المقيمينَ في الشَّوارعِ الخلفيَّةِ والذين يعشقونها ويفجِّرون أوردتها أحياناً ويفجِّرونَ ينابيعها الهامشيَّةَ المليئةَ بالطِّينِ والعلقِ والفُجور والسِّفاح المُبهم.
وربَّما كانَ واحداً من القوالبِ التي حاولت أن تُغلق بنية اللغة لتبقى تجتر تراكيبها وتؤبِّدها ذلك الزَّخم الكبير من كتب النحو التي أتخمت اللغة واحتلَّت سريرها وأبعدتِ الشُّعراء والعُشاقَ عنها، فكانت هذه البنية الفقهية الدينية للغة المتخمة بكتلٍ من الجمل الاسميَّة والفعلية والأسماء الخمسة وكان وأخواتها وإن وأخواتها والأفعال الخمسة والفاعل ونائب الفاعل والمفعول به والمفعول معه والمفعول لأجله والمفعول المطلق وظرف الزمان والمكان وأسماء الإشارة وحروف الجر ومعانيها وحروف العلَّة وتحوُّلاتها انتقالاً للبديع والبيان والتشبية والكناية والطِّباق والجِناس.. الخ، حيث شكَّلت هذه المفردات عبر تاريخ اللغة العربية سلطةً ومجرى جارفاً لم يستطع أحدٌ أن يقتحم أسواره المكدَّسة والمقدَّسة وأن يقترح بديلاً لهذه البنية الفقهية التي أُنتجت في فترة تأسيس الخطاب الديني وسلطته وبحيث تم إدماج اللغة ضمن المقدَّس الفقهي لهذا الخطاب وتأبيد مقولاته المؤسِّسة وربطها بالحفظِ الإلهي للنص المقدَّس، فكان لا بدَّ من ربطِ مقولاتها وبنيتها بالنص المقدَّس حفاظاً على بنية التفسير المرتبط بهذه البنية والذي حلَّ محل النص في ممارسة السلطة الدينية واللغوية والدنيوية.
لو أُعيد النَّظر في بنية فقه اللغة العربية باتجاهات تُعيد تعريف وتحديث المفاهيم الأساسية لبناء الكلام وحركاته لاضطرب كثير من البناء التفسيري القديم للنصوص المؤسِّسة ولاضطرَّها ذلك لإعادة ترتيب وإعادة إنتاج هذه التفاسير السلطوية ضمن النسق والرؤية الجديدة ولدبَّ الدمُ حاراً في عروق النص المقدَّس ذاته ولأُجبر الفقهاء على إعادة النظر في كثير من مسلَّماتهم الميِّتة من قرون ولم يجدوا بديلاً عنها فأبَّدوها وعبدوها وحاربوا من يقترب منها.
في هذه البنية السائدة لنحو اللغة تقف اللغة كعنصر محايد والفاعلية تُبنى خارجها ميكانيكيَّاً وسأمثِّل على ذلك بنموذج الفاعل ونائب الفاعل ولنأخذ العبارة التالية (قرعَ الطفلُ البابَ) هذه جملة فعلية تقليدية (فعل ماضي وفاعل مرفوع ومفعول به منصوب)، انظر الآن إلى طريقة أخرى لقول العبارة السابقة وكيف يقلِّمها النموذج الذي يجعل من الفعل المادي هو الأصل واللغة تابعاً وليس فاعلاً (قُرعَ البابُ) والإعراب الرسمي لهذه العبارة (قُرع فعل ماضي مبني للمجهول والبابُ نائب فاعل) ولنلاحظ كيف تم لوي عنق الكلام واللغة لإدخالها في النموذج: الفعل اللغوي قُرعَ فاعله وليس نائبَ فاعله هو الباب ولكن حيث أن البنية جعلت من الفعل الأصلي القرع والفاعل يجب أن يكون ماديَّاً لا لغويَّاً فالقرعُ له قارع في الواقع ولكن في اللغة التي تتعامل مع بُنى متعدِّدة لا بنية ثابتة ففاعل يُقرع هو الباب وفقط الباب وهو لا ينوب عن أحد ولا علاقة للغة باكتمال الصورة الذهنيَّة للحدث التي أراد النموذج من اللغة أن تكمله وتتبناه.
وهذا يدخلنا في الأسباب العميقة الفقهية التي دفعت لهذا القسر للغة وإدخالها عنوة لنموذج ديني مؤدلج، فالنموذج الفقهي لا يعترف بفعل لغوي بلا فاعل حقيقي (الله) فلو قلنا (خُلقَ الناسُ) وقلنا الناس فاعل لدخلنا في باب الكفر الديني.
وهذا التحليل يمكن تعميمه من خلال إعادة قراءة التقسيمات النحويَّة للكلام في اللغة العربية واكتشاف مكامن القسر في حشر اللغة في هذا الثوب الضيِّق والنموذج الذي ضاق على ما فيه، وهو بحث فلسفي تاريخي فقهي حضاري يحتاج إلى جهود علمية كبيرة لإعادة قراءة وإعادة الحياة إلى البنية الفقهية للنحو العربي وإعادة تحليلها برؤية مختلفة تُعيد للغة مرجعيتها وألوهيتها التي سُلبت منها كفاعل حقيقي وليس كنائب لفاعل خفيٍّ ومجهول.
وربما كان الشّعر والشُّعراء هم الوحيدين الذين اخترقوا هذه البنية وحاولوا تكسيرها وإعادة تركيبها ولم يستطيعوا أن يسكنوا داخل سلطة البنية المتحكِّمة ولكنهم شاغبوا عليها من خارجها وشرخوا على مستوى ما قدسيَّة هذه البنية وأصابوها بحُمَّى جعلت من الفقهاء وحراس القلعة ينبذون هؤلاء المجدِّدين ويستنبتون بدلاً منهم شعراء مُدجَّنين يعيدون تقديس وإنتاج البنية كخليطٍ عنينٍ وعاجزٍ فيما تصرخُ اللغة من الشهوة ومن إبعادِ عشَّاقها الشُّعراء ونفيهم بعيداً عن قلعتها المُدجَّجة بالعاجزين.