مهدي نصيرسأنطلق في هذه المقاربة السريعة من مقولة تأسيسيَّة متعلقة بالنسب القديم المنسي بين الشعر والأسطورة والموسيقى (حيث شكَّلت هذه العائلة النبيلة الدينمو المحرك للحضارة والحياة والناس )، فالشِّعر كان ولا يزال صورة من صور الأسطورة المتحرِّكة والحية والذي شكلَّ مع الموسيقى أعضاء التناسل الحقيقية للأسطورة، إذ أنها كانت القوة الحقيقية التي أعادت إنتاج الجمال والقيم والإرادة ومنحت الحياة لوناً وطعماً وسموّاً هي في أمسِّ الحاجة إليها في مواجهة قُبح التاريخ وقُبح الطبيعة وقُبح الإنسان نفسه .الأسطورة من أكثر إبداعات الإنسان عبر تاريخه وهي ليست إبداعات جماعية وشعبية وإنما كانت إبداعات نخبوية عضوية في التاريخ البشري ولم تخلُ حضارة بشريَّة من هذا الإبداع .والأسطورة كائن حيّ يتناسل ويتجدَّد ويُعيد إنتاج مكوناته وفقاً لتطور تاريخ المجتمع وأدواته وتحدياته ووسائل إنتاجه، وهذا التجدُّد كانت تقوم به عبر التاريخ أيقونتان نبيلتان تنتميان للأصل الأسطوري للتاريخ البشري وللعائلة النبيلة التي تشكَّّّّّّّّّّّّّلت عبر التاريخ وما زالت تُحارب بحثاً عن الخلاص لهذا التاريخ : الشِّعر والموسيقى أبناء الأسطورة الأولى للتاريخ النبيل الأول للإنسان .نجد ذلك جليَّاً في الحضارات اليونانية والرومانية والفينيقية والسومرية والمصرية الفرعونية والثمودية العربية، نجد إعادة إنتاج الأسطورة اليونانية في الإلياذة والأوديسة والموسيقى والمسرح الشعري اليوناني الذي شكَّل أعلى مراتب الحضارة الإنسانية في بحثها عن الجمال والحياة، كذلك نجد ذلك في الإنيادة لفرجيل وفي المسرح الروماني والشعر الرعوي الروماني وفي الأسطورة الفرعونية المتجدِّدة والسومرية والبابلية .. الخ .نجد شعوب العالم قامت بإعادة إنتاج أساطيرها وإحيائها باستثناء الحضارة العربية التي قامت وانتشرت بسرعة خيالية لم تسبقها لها حضارة وذلك بقوة الدفع العظيمة التي منحها لها غموض الصحراء وما أنجبته من قيم إنسانية عالية، حيث تم استنفاد القوة الدافعة لهذه القيم في أقل من قرن من الزمان ومن ثم بدأت هذه الحضارة باجترار ذاتها دون أي قُدرة على إعادة إنتاج قيمها النبيلة فعلياً، ويعود ذلك إلى الموقف الفقهي السلبي من العائلة النبيلة ( الأسطورة والشِّعر والموسيقى) حيث تمَّ تهميش الأسطورة والشِّعر والموسيقى وإغلاق باب إعادة إنتاج الأسطورة الصحراوية الدافعة وتهميش المجتمع العربي وحرمانه من إمكانية إعادة إنتاج ذاته وإدامة فعالية حركته ونموُّه .في المجتمعات الغربية لعبت الموسيقى دوراً أكبر عندما كانت اللغة فاضحة عند اقترابها من إحياء شخصيات أسطورية وثنية كان الدين المسيحي يحاربها، أي أن المجتمعات الأخرى كانت تُبادل الأدوار بين العنصرين القادرين على إعادة إنتاج الحياة عبر إعادة إنتاج الأسطورة وهما الموسيقى والشِّعر، ونجد ذلك في تراتيل الكنيسة التي تطوَّرت لاحقاً إلى الموسيقى الغربية بصيغها المتطوِّرة والمركبة والتي تمثَّلت الأسطورة وأعادت إنتاجها بذكاء ودهاء تاريخيين. في حضارتنا العربية تم القضاء على كلا المكونين معاً : الموسيقى والشِّعر ، وهوجمت الأسطورة فقهياً بحيث عُدَّت من الموبقات، بصورةٍ أخرى أغلقت كلُّ النوافذ التي يمكن للضوء أن يتسرَّب منها ، ومن المعروف تاريخياً وفي أزمان التزمت الديني كان يتأخر الشِّعر بحكم اللغة ليفسح المجال للموسيقى لقيادة دفَّة الحضارة والبقاء ضمن الفضاء الجمعي للشعوب وعدم تركها نهباً للبهيمية وهذا ما حصل في عصور التزمت الديني في أوروبا وحين تم تجاوز الأزمة عادت للشِّعر قُدرته على المساهمة في إعادة إنتاج الأسطورة جنباً إلى جنب مع الموسيقى، فنلاحظ الشعراء في الغرب عادوا إلى بروميثيوس وزيوس وأورفيوس وجوبيتر وتريسياس وأثينا وأوديسيوس وقاموا بإحيائها ومنحها روح عصرهم وأسقطوا تحدياتهم على تحديات الأسطورة وأنتجوا أدباً رفيعاً ارتقى بذائقة الشعوب الغربية وأعطاها هوامش أعلى في الحرية والبحث عن الحياة والجمال. للأسف لا نجد في ثقافتنا العربية إعادة إنتاج لأسطورةٍ عربية حقيقيَّة واحدة، واحتل القَصص الديني كامل الفضاء المُشكِّل للوعي الجمعي للناس مما أفقدَ هذا الفضاء ديناميكيته التجديدية بإفقاده عنصرين خالقين مهمين له وهما الشعر والموسيقى وتمَّ إبعادهما وإقصاؤهما عن هذا الفضاء مما أدّى إلى جُدب هذا الفضاء وقحطه وهشاشته وهزيمته أمام كل التحدّيات التي واجهته منذ قرون، ومما أدّى أيضا إلى قطيعة حقيقيَّة بين المجتمع والتاريخ العربي من جهة وبين الإبداع والتجدَّد وابتكار حلول جديدة لمشاكله الجديدة والتي بقي يحلُّها له الفقه الجامد المتوقف عند لحظة تاريخية يرفض الإنفكاك عنها، وهمَّش نُخبه القادرة على تغذية هذا الفضاء وذلك بإعادة إنتاج قيمه عبر إعادة إنتاج الأسطورة التأسيسيَّة وبأدواتها الحقيقيَّة لا المُزيَّفة: الشعر والموسيقى.للأسف التاريخي أيضاً حُطِّمت في ثقافتنا أسطورة البعل وعناة وإيل وهي أسطورة متجدِّدة حيَّة وحقيقية ونابضة وأبدعها شعبٌ عظيم سكن هذه الجغرافيا التي نختنق بها الآن، أسطورة تمثَّلت مشكلاتهم وتحديات حياتهم وعالجنها برؤية إنسانية رفيعة، وحُطِّمت أساطير أخرى كثيرة في ثقافتنا كجلجامش وادونيس وثمود والعماليق وغيرها الكثير، ولم تعُد هذه المكونات جزءا من الفضاء الجمعي للثقافة العربية ففقدنا بذلك القُوى المُتحرِّكة والمُبدعة وأقمنا مكانها قوَّة واحدة جامدة ثابتة متزمتة جاهلة وميِّتة لتقودنا عبر مجاهل التاريخ الشَّرسة .أقمنا صنماً واحداً حجريَّاً وجافاً وأغلقنا كل نوافذنا للضوء، أسكننا هذا الصنم إسطبلاً خاوياً بهيميَّاً وها هم أحفاده غير قادرين حتى على حماية هذا الإسطبل وإمداده بحاجاته البهيمية الأولى .نحن شعوب قُتل أباؤنا وتركنا أيتاماً على قوارع التاريخ، لا نملك نماذج عليا حيَّة نتمثَّلها ونتلبسُّها في حراكنا نحو الخروج من هذا الإسطبل وبناء حضارة ومجابهة مشاكل التاريخ والطبيعة والشَّر .الشِّعر والموسيقى هما الأسطورة الحقيقيَّة القادرة على إعادة انتاج الأسطورة التأسيسيَّة المقتولة وإعادتها إلى مكانها في الفضاء الجمعي لثقافتنا بما يمنحها نافذةَ أملٍ على مجابهة واقعها المُجدب والقاحل والبهيمي .شاعر من الاردن