الصابئة المندائيون بالعراق يحتفلون بذكري (البرونايا): عيد بلا نهر كجسد بلا روح
الصابئة المندائيون بالعراق يحتفلون بذكري (البرونايا): عيد بلا نهر كجسد بلا روحالبصرة ـ القدس العربي : يحتفل الصابئة المندائيون في العراق اليوم السبت بعيد البرونايا لكن بعيدا عن النهر… رغم وجود الأنهار التي تغمر كل مدن العراق.ولأن الماء هو سر الحياة حسب معتقد أبناء هذه الطائفة الذين يقولون إنهم من اتباع النبي يوحنا المعمدان فان فرحة العيد لن تكون مكتملة.لكن لماذا يحتفل الصابئة بعيــــدا عن النهــر والنهــــر ليس بعيدا عنهم؟ الســؤال تجيب عنه أوضاع العراق المرتبكة التي جعلت هاجس الخوف يتقدم علي هاجس الفرحة بالعيد.ويقول السيد رعد كباشي شيخ طائفة الصابئة المندائيين في البصرة الذين لم يتبق منهم سوي أربعمائة عائلة ان عيد البرونايا أو (البنجة) من أهم الأعياد لدي الصابئة فهو ذكري عيد وخلق وتكوين عوالم النور.ويقول الشيخ رعد كباشي ان عيدا بلا نهر كجسد بلا روح ويتابع نفتقد الأنهار هذه الأيام لا لأنها غادرت هي الأخري بل لنجنب ما تبقي من أولادنا بعض المخاطر، ولا نستطيع أن نمارس طقوسنا بحرية وسط هذه الأوضاع الملتبسة .ويضيف كنا نخرج في مثل هذه المناسبات علي ضفاف شط العرب ونقوم بالمراسيم دون خوف أو ريبة ولكن في هذه الأيام لا نستطيع أن نضمن سلامة أولادنا لذلك ستجري مراسيمنا في المندي (مكان العبادة لدي الصابئة) سنتعمد في حوض داخل المندي . واهم طقوس هذا العيد لدي الطائفة التي يقدر عددها بنحو 200 ألف هو (الصباغة) أي التعميد ويجب أن يكون في الماء الجاري فهو اصل الحياة وعلي كل مندائي أن يتعمد في احد أيام العيد في الماء الجاري أي في النهر.وطالب السيد كباشي الحكومة أن توفر لهم دور عبادة ومرافق خاصة بهم وقال لقد تحملت الأذي في سبيل تأدية طقوسي الدينية ولكنني ورغم كل هذا الأسي والشعور بالإحباط من الأوضاع القائمة وما أشاهده من قتل واحتراب وتكريس طائفي وإرهاب أتمني علي العراقيين بكل طوائفهم عدم الانجرار وراء الفتن الطائفية ونبذ الاقتتال الطائفي لكي يعم السلام بلدنا .عن تاريخ هذه الطائفة يقول السيد كباشي ..الصابئة، المندائيون، المغتسلة، أسماء مختلفة لمعني واحد يشير إلي أكثر الجماعات الاثنية ـ في التاريخ ـ ارتباطا وتقديسا للماء ونزوعا للسلام وتضامنا وانسجاما مع الدول والحضارات التي عاشوا في إطارها. ويضيف هم أبناء حضارة الماء. فالماء أبجديتهم الأولي التي يغمس (يعمد) فيها وليدهم بعد ثلاثين يوما من ولادته ويدخل (في سجلات النور) ليكون مندائيا .والماء في عقيدة المندائيين هو اصل الكون واصل الحياة حيث تقول البوثة ـ الآية.. باسم الحي العظيم ..من الحي العظيم جاء الماء والحياة، ومن الماء جاء النور ومن النور جاء البهاء ومن البهاء جاء الأثيري والملائكة الصالحون . كنزا ربا) هو الكتاب المقدس لدي الطائفة حيث يتبعون تعاليمه ويعتبر يوم الأحد هو اليوم المقدس لديهم. سكن الصابئة المندائيون جنوب العراق، وبرعوا في مهن معينة مثل صياغة الذهب والحدادة، وفي العصر العباسي كان منهم الكثير من الفلكيين والأدباء والمهندسين الذين كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة في الدولة والمجتمع الإسلامي مثل ثابت بن قرة. وسنان بن ثابت. وأبو إسحاق الصابي. وأبو حسن الحراني. وفي العصر الحديث منهم الأكاديمي عبد الجبار عبد الله رئيس جامعة بغداد السابق والشاعرة لميعة عباس عمارة والباحثة ناجية المراني وعبد الرزاق مسلم وعبد الفتاح الزهيري وغيرهم.تتحدت المعاجم الجغرافية عن قدم وعراقة وجود الصابئة المندائيين في مناطق مختلفة من وادي النهرين وقبل الفتح الإسلامي كانوا هم أهم سكنة بطائح العراق، فقد تناثروا في قري الجنوب في الناصرية والبصرة وميسان حيث تندفع الأنهار شرقا وغربا.يشير تاريخ الصابئة في العراق إلي انهم رحلوا من الأرياف مع رحيل فلاحي الجنوب بفعل ضراوة وقسوة الإقطاع في خمسينات القرن الماضي طلبا للرزق وسكن معظمهم مدن الجنوب وخصوصا مدينة البصرة حيث لا قطيعة مع أبجديتهم (النهر) وانخرطوا في الصحافة والسياسة والأدب.يعيش أبناء هذه الطائفة موزعين بين العراق وسورية وتركيا، وقد هاجر عدد كبير من الصابئة العراقيين في التسعينات من القرن الماضي إلي ألمانيا ودول أوروبا بفعل ظروف الحصار التي كان يتعرض لها العراق آنذاك، وبعد احداث عام 2003 ودخول القوات الأجنبية العراق بدأ الصابئة هجرة ثانية من البلاد حيث فقدت مدينة البصرة ملامحها الأولي بعد أن هبت عواصف التعصب والطائفية وانعدام الأمن والأمان والقتل المجاني.يقول السيد كباشي كان فرحنا كبيراً بسقوط الطاغية (صدام حسين) مثل كل العراقيين وشاركنا في كل الفعاليات الوطنية والسياسية والثقافية، وكنت أمثل المندائيين في مجلس المحافظة .ويضيف ولكن تصاعد العنف والإرهاب واسترخاص حياة الناس من قبل المتعصبين أضر كثيرا ببنية المجتمع العراقي وأثار مشاعر الهلع والخوف وعدم الأمان، خصوصا عند الأقليات، وهذا ما جعل الكثير من المندائيين يحزمون حقائبهم للهجرة خوفا من حمي القتل .وهذا تحديدا كما يقول السيد كباشي السبب في إحساس المندائيين بافتقاد الأنهارلان عيدا بلا نهر كجسد بلا روح .