عمان ـ “القدس العربي” ـ من بسام البدارين: عبرت الصحافة الأردنية وعلي مدار أسبوع عن تنديدها بجريمة المدرج الروماني التي قتل فيها سائح بريطاني بعد إطلاق النار عليه فيما فرضت السلطات تكتيما إعلاميا علي مجريات التحقيق مع نبيل جاعورة الشاب الذي أطلق الرصاص علي السياح بعد التأكيد وعدة مرات رسميا بان الشاب تصرف منفردا ولم يكن جزءا من أي مجموعة او تنظيم إرهابي. وفيما مالت الكثير من المقالات والأقلام للتنديد والإستنكار كان الحادث مناسبة لنقاش وطني داخلي بالنسية لبعض الصحافيين الذين طالبوا بمعالجة ثقافية وسياسية لا تقف عند حدود المعالجة الأمنية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، لكن الصحافة المحلية إهتمت أيضا بالتطورات علي الساحة الفلسطينية وتحديدا ما يتعلق بإحتمالات تشكيل حكومة وحدة وطنية. وعلي صعيد الكتاب والمعلقين تعددت الإهتمامات فالكاتب مفيد نحلة توقع ان لا يتغير الوضع الكارثي في فلسطين حتي لو جاءت حكومة تكنوقراط موحدة لإن (أمريكا واسرائيل) اتخذتا قرار مقاطعة حكومة حماس بحجة أنها منظمة (ارهابية) وفرضتا حصارا مؤلما علي الشعب الفلسطيني، سواء اعاقة وصول المساعدات المالية أو أغلاق المعابر الحدودية مما أدي الي تفاقم الوضع الانساني، ذلك أن عدم صرف الرواتب لموظفي السلطة لفترة تزيد علي ستة اشهر اربك الوضع الاجتماعي، وزاد من حدة الفقر بدرجات كبيرة.
حماسوفي نفس السياق علق جميل النمري من صحيفة الغد علي مسار الأحداث فقال: تتهم حماس اضراب الموظفين والمعلمين في مناطق السلطة بأنه سياسي بقناع مطلبي. وفي كل الأحوال، فهي تستغرب هذا التحرك في مواجهة الحكومة؛ فإسرائيل والمجتمع الدولي هما من يمنعان المال عن الشعب الفلسطيني وليس الحكومة الحماسية. هذا صحيح، فالحكومة لا تملك مالا، لكن ما الذي تقترحه حماس علي الموظفين بعد ان استمرّوا بالعمل دون راتب لمدّة 6 اشهر؟ ان يستمرّوا بالعمل دون راتب الي ما شاء الله؟! هل هذا معقول؟ ولنفترض ان الإضراب موجه سياسيا من فتح، لأن قاعدة الموظفين في السلطة أغلبها فتحاوية، فماذا تطلب منهم حماس؟ استمرّوا بالعمل مجّانا لدعم حكومة حماس لأنها مستهدفة، حتي لو كان وراءكم عائلات لا تستطيعون إطعامها؟ هل هذا معقول؟! مرّة اخري قد تقول حكومة حماس: ماذا نستطيع ان نفعل؟ اضغطوا علي العالم وليس علينا! اذن، علي الآخرين ان يقوموا بإنقاذ خطّ حماس الذي يقول نجوع نجوع ولا نركع! حماس تمارس البطولة والتصلب السياسي، والآخرون يستخدمون علاقاتهم الإقليمية والدولية واستجداء الحلّ حتّي لا يموت الناس من الجوع. امّا اذا طالب هؤلاء الحكومة بموقف سياسي مقبول دوليا، لكي يتمكنّوا من فك الحصار، فسيتم تخوينهم واتهامهم بالتواطؤ مع الضغوط الدولية من أجل انتزاع تنازلات سياسية. هذه خطّة طريفة!
حتّي الكلام اعلاه ـ يضيف النمري ـ لن يفلت من كل أنواع التهم، ونحن نسحبه كلّه شرط ان نسمع خطابا اكثر نزاهة ووضوحا. ان من حق حماس المحافظة علي خطّها السياسي وثوابتها حرفيا، ورفض كل القرارات الدولية، وكل ما وقّعت عليه السلطة الفلسطينية، بشرط واحد؛ هو ان تكفّ عن افتراض انه يجب علي موظفي السلطة ان يستمروا بالعمل مجّانا أكثر من ستّة اشهر، وأن تصارح الشعب بأنها لا تستطيع ادارة حكومة وأجهزة وموظفين، وأنها سوف تتنازل عن هذه المسؤولية لأنها ترقض تنازلات سياسية لكي يكون هناك تفاهم وتمويل دولي. وقال الكاتب: تداري حماس هذه الحقيقة بالبكاء علي الديمقراطية التي يطالب العالم بها، ثم يتنكّر لها حين تأتي نتائجها بغير ما يشتهون. وهذا الكلام لا يفيد ايضا؛ فالدول لا تحدد موقفا من الديمقراطية، بل من الحكومة الموجودة، وهذا حق سيادي لجميع الدول. ودول الغرب لم تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية الي أن غيّرت خطّها السياسي، واعترفت بقرارات الشرعيّة الدولية. هذه مسألة موازين قوي وصراع سياسي، وقد فهمت منظمة التحرير انها امام طريق مسدودة مع العالم كلّه اذا ما استمرت بمطالب جذريّة، من نوع انهاء وجود اسرائيل. مهما قيل عن تسييس الإضراب، فالحقيقة الماثلة هي ان حماس لا تستطيع ان تفترض استمرار الناس بالعمل مجّانا أكثر من ستّة أشهر، وهي التي عليها ان تقول كيف ستحلّ المشكلة، وهنا بالتأكيد المسألة سياسية. صراع في التلفزيونوفي صحيفة الدستور شخص الكاتب ماهر أبو طير ما يجري في مؤسسة التلفزيون حيث كتب يقول: خلال السنوات القليلة الماضية تعرض التلفزيون الاردني الي حملات شديدة. فشل الحكومات التقليدي، في ادارة الصورة السياسية للاردن في الخارج، كان يتم تحويره ليتم اتهام التلفزيون الاردني، بأنه السبب في ذلك، دون ان تعترف حكومة واحدة انها كانت السبب وراء قتل القتيل والمشي في جنازته، بل لعل الحكومات، كانت الاكثر صراخا وعويلا في جنازة المرحوم، الذي اسقته السم بيمناها. والقصة هنا ليست دفاعا عن التلفزيون بل كي يتحمل كل طرف مسؤوليته: فالحكومات هي التي رفدت التلفزيون بادارات فاشلة خلال العقود الماضية، وهي التي سمحت بتسرب الكفاءات الي الفضائيات والاعلام العربي، وهي التي جلبت مديرين محترمين احيانا واقنعتهم بالدعم وانها ستكون معهم وتركتهم لاحقا تحت قصف النواب والصحف وتسريب الاخبار من داخل التلفزيون لتصفية الحسابات، والحكومات ورجالاتها هي التي توسطت للمئات للعمل في التلفزيون، احدهم لحمل الكاميرا والاخر للتصوير وثالث لحمل شريط الفيديو ورابع للمونتاج وخامس كمساعد للمونتير، وسادس كمساعد مساعد، وسابع لحمل الفلاش في زمن الفلاشات، وثامن لحمل بطارية الكاميرا، وتاسع بوظيفة مفكر او متأمل.
وهكذا ـ يضيف ابو طير ـ حتي اصبح التلفزيون (تكية) لا يمكن الاقتراب من حالات انسانية كثيرة تعينت فيه، ولعل الكارثة الكبري، ان كل مبدع لا يتم تركه ليعود. احد المديرين السابقين مثلا، قرر اطلاق حملة اعلانية للتلفزيون في رمضان للترويج لبرامجه، وهو نمط راق ومحترم من العمل، وجاء من يهاجمه في الاعلام المحلي بذريعة انه لا يجوز الترويج للتلفزيون في ساحته المحلية، ويتناسي العباقرة ان الساحة المحلية مفتوحة لالف قناة، والترويج له ذكاء، تمارسه كل القنوات المحلية في دولها للحفاظ علي وجودها واعلاناتها. مدير آخر يضغط عليه مسؤول متنفذ من اجل تعيين مترجم، وعند مقابلته يكتشف انه ضرير وان كان مترجما، ليسأل يومها كيف يستطيع هذا العمل وتركيب الترجمة علي الشريط وغير ذلك من فنيات، ومدير آخر يلاحقه مسؤول آخر من اجل ارسال احد اقاربه وهو اداري، الي الضفة الغربية لمدة شهر كمندوب للتلفزيون، ومن اجل الحصول علي مياومات مغرية، وهكذا قتلت الحكومات المتعاقبة التلفزيون الاردني، واليوم وبعد ان قتلت القتيل نجدها اول المشيعين والباكين واللاطمين علي الفقيد. قتل السياحوفي صحيفة العرب اليوم تناول الكاتب فهد الخيطان حادثة الإعتداء علي السياح قائلا: تفيد المعلومات الرسمية الاولية ان ما اقدم عليه منفذ العملية الارهابية في المدرج الروماني هو تصرف فردي ليس لأي تنظيم علاقة به في نظر المراقبين والمتابعين للشأن الامني، هذه الخلاصة مقلقة وتكمن خطورتها لأنها فعل قابل للتكرار لا سمح الله في اية لحظة. عندما تتعامل مع تنظيم تستطيع ان تدرس تركيبته وامكانياته وتتوقع خططه وتطور نظام انذار امني مبكر يستطلع افعاله قبل وقوعها، لكن في حالة الافراد تجد الاجهزة الامنية نفسها عاجزة عن توقع الاهداف او المنفذين ومن غير المنطقي وضع جميع الناس في دائرة الاشتباه والمراقبة. الآن ـ يقول الخيطان ـ نحن امام اول عمل فردي بهذه الشناعة وينبغي دراسته جيدا وفهم دوافعه ومبرراته وان كنا جميعا نرفضها ومن المهم ايضا ان يكون الرأي العام الاردني علي اطلاع كامل علي تفاصيل التحقيق مع منفذ الجريمة كي يتسني لكافة الناس المشاركة في النقاش حولها واستخلاص العبر والدروس. اما الكاتب ياسر الزعاترة فقال: لا خلاف علي أن استهداف السياح الأجانب عمل مرفوض، وهو مخالف لقيمنا الإسلامية والعربية، فضلاً عن كونه مرفوضاً من الناحية السياسية لما يشكله من إساءة لنضال أمتنا المشروع في مواجهة الغطرسة الغربية، وبخاصة في مواجهة الاحتلال، كما هو الحال في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان، لكن رفضنا لا يحل المعضلة، ففي بريطانيا لا يتعاطف المسلمون مع أية تفجيرات تطال المدنيين داخل البلاد، وهو موقف لا ينشأ فقط من الأضرار التي تترتب عليهم، بل هو نابع من إيمانهم بعبثية مثل تلك الأعمال من الناحية السياسية، فضلاً عن الأبعاد الشرعية والأخلاقية بالنسبة لحملة رسالة عظيمة تبشر بالخير والفضيلة والتسامح. واضاف الزعاترة: ما يجري لا صلة له البتة بمناهج التعليم، ولا بخطباء المساجد، فمن يمارس التحريض يومياً هو السيد جورج بوش ومساعدوه، الذين يصفون حربهم علي الأمة بالحرب علي الفاشية والشيوعية والنازية، لكأننا نحن الذين احتللنا أرضهم وسرقنا ثرواتهم، في السياق المحلي، وحين نتحدث عن عمل فردي، فإن من العبث الإغراق في التحليل وتقديم الاقتراحات المباشرة من أجل تجنبه، فليس ها هنا اختراق أمني ولا فكري، وما جري لا يعدو أن يكون ردة فعل فردية لها طابعها الخاص، مع بقائها في إطار ردود الأفعال علي ما يجري في المنطقة من أحداث ستظل قابلة لتوليد العنف بشتي أشكاله، وإن بقي العنف الإيجابي هو الأصل ممثلاً في المقاومة المشروعة للاحتلال في المكان والزمان الصحيحين.