الصحافة البريطانية: أبطال وأشرار وجواسيس!

حفلت الصحافة البريطانية، بمؤسسات أثرت في تاريخ العالم، وبأشخاص جمعوا في حيواتهم ومصائرهم كثيرا من المفارقات الهائلة التي طبعت عصرنا الحديث. تلخّص حياة أحدهم، غاي بورغيس، التناقضات المذهلة التي يقوم كتاب «حين يتجاوز الصحافيون الخطوط» بعرضها، فقد كان هذا الصحافي الكحولي والمثليّ جنسيا، يعمل خلال عام 1944، منتجا في «بي بي سي» وعنصرا في جهاز الدعاية لوزارة الخارجية البريطانية، وجاسوسا للاتحاد السوفييتي!
نجح بورغيس في بناء شبكة علاقات تمتد من ونستون تشرشل وأنتوني أيدن، إلى فيكتور روتشيلد الذي أجره شقة، إلى مديري «بي بي سي» الذين أمّن أحدهم له العمل وكان أحد «عشّاقه» إلى مسؤولين كبار في المخابرات، وأكاديميين، ومصرفيين وصحافيين.
عبر سرد ستيوارت بورفيس وجيف هولبرت، مؤلفا الكتاب، قصص الصحافيين المشهورين المختارين، يتّضح لنا تأثير الاتحاد السوفييتي ضمن أوساط الصحافيين البريطانيين. أحد أكثر هؤلاء تأثيرا، على المستوى العالمي، كان والتر ديورانتي، الذي عمل 14 سنة مراسلا لصحيفة «نيويورك تايمز» في موسكو، خلال حكم جوزف ستالين، وتركّز أثر ديورانتي الكبير في خدمة سلطة ستالين، في دوره الكبير في التقليل من شأن المجاعة التي بدأت عام 1932، والتي أدت لمقتل ما لا يقل عن عشرة ملايين إنسان، وتبريره سياسات ستالين حولها. كان ديورانتي يستمتع بملذات الطعام، والكحول والنساء وركوب السيارات التي يقودها سائق خاص، وقد نسج حول نفسه، أكاذيب من قبيل زعمه أنه أصيب في الحرب، وأن عائلته توفيت في حادث خلال طفولته.

صنع العجّة وكسر البيض!

يقدّر الكتاب، مع ذلك، قدرات ديورانتي الكتابية، وهو ما يمكن أن يفسر الشعبية التي حققتها تقاريره، لكن حين يصل الأمر إلى حصوله على جائزة بوليتزر الشهيرة عن فئة الصحافة، فإن تلك الشعبية يمكن ربطها، في رأيي، بوجود مناخ سياسي ليس ضمن أوساط اليسار الغربي، من الشيوعيين والاشتراكيين وحسب، بل ضمن نخب فكرية وسياسية كانت تنظر بنوع من الإعجاب الكبير للهيمنة الشمولية التي تجسدها النظم السلطوية المطلقة، وهو ما يفسّر أيضا الشعبية التي كانت تحوزها، في أمريكا وأوروبا، الأيديولوجيات الفاشية والنازية التي كانت تشهد صعودا في تلك الفترة نفسها.
لقيت سردية ديورانتي، تحديا كبيرا من قبل صحافيين، أحدهم، يوجين ليونز، وجد قصة في صحيفة سوفييتية رسمية تدعى «المطرقة» تقر بوجود المجاعة، تبع ذلك ذهاب صحافيين أمريكيين إلى مناطق أوكرانية ونشرهما تقريرا منعت موسكو بعده ذهاب الصحافيين إلى تلك المناطق، كما أصدرت أمراً بمنع تنقل الفلاحين إلا بإذن (وهو قرار لم يلغ حتى سبعينيات القرن الماضي). تزامن ذلك مع وصول صحافي بريطاني يدعى مالكولم مغريدج، إلى موسكو. في واحد من التقارير التي أرسلها قال مغريدج: «لم يكن الأمر مجرد مجاعة – في حالة مناطق مثل شمال القوقاز كان هناك وضعية حرب واحتلال عسكري». صحافي آخر، هو غاريث جونز، قال إنه حين التقى ديورانتي أحس بعدم الثقة تجاهه، وقد تطور هذا الشعور إلى حرب شنّها ديورانتي، بعد أن كشفت تقارير جونز اتساع جغرافيا المجاعات، بحيث أن «صرخات الجوع كانت تتصادى في كل جزء من روسيا، الفولغا، روسيا البيضاء، شمال القوقاز، وسط آسيا» وكذلك بعد أن اتسع تأثير جونز ونقل وكالات الأنباء لتقاريره. عرّض ديورانتي بقصص وفي رده اشتهرت عنه جملة شهيرة: «لا تستطيع صنع عجة دون أن تكسر البيض» (البيض طبعا هم من هشمتهم آلة ستالين الأمنية والعسكرية).

جهاز مخابرات خاص بالصحافة

تشرح حالة جون سمبسون، الصحافي الشهير، الذي كان محرر الشؤون العالمية في «بي بي سي» التعقيدات الكبيرة التي تحيق بمهنية الصحافة، فهي تصف كيفية انجراف مرجعية محترمة في الصحافة البريطانية إلى موقف تعتبره مهنيا ومبدئيا، مما يؤدي إلى صدوع وجروح عميقة. يتعلق الأمر ببدايات معركة البوسنة حين أخذت تظهر أنباء عن عمليات تهجير جماعي وتطهير عرقي. تمكنت فرق صحافية بريطانية من زيارة معسكري أومارسكا وترنوبولجي والحصول على فيلم من طبيب مسلم كان موجودا في المعسكر. أدت التحقيقات التي بثت ونشرت إلى تغيير كبير في المواقف السياسية العالمية من الأحداث في البوسنة. خلال محاكمة أحد المتهمين بعد انتهاء الحرب استخدم محاميه الفيلم المذكور لنقض المعلومات وانتقاد الصحافيين. تبنت هذه السردية مجلة ماركسية خاضت حملة مؤثرة ضد الصحافة البريطانية، تتهمها بالكذب والتضليل، ما دفع قناة «آي تي في» لرفع دعوى ضد المجلة.
تبنّى سمبسون بدوره آراء المجلة الماركسية، بل قبل أن يكون شاهدا ضد قناة تلفزيونية بريطانية، ونشرت «بي بي سي» تقريرا اعتبرته «آي تي في» مسيئا وغير مهني فتم تعديله. احتاج الأمر عدة سنوات، وطلبت «الغارديان» من سمبسون كتابة مراجعة لكتاب عن مجازر البوسنة، ليغيّر سمبسون رأيه ويعتذر عن رأيه السابق.
يمكن اعتبار حياة وليم نورمان إيوار من أعجب ما مرّ في الكتاب، فهذا الصحافي الذي كان من مؤسسي الحزب الشيوعي في بريطانيا، ونقل أموالا من الاتحاد السوفييتي لتمويل الصحيفة التي عمل فيها مراسلا خارجيا، والذي كان تحت مراقبة جهاز الأمن الخارجي، كان هو نفسه يدير جهازا يراقب أجهزة الأمن البريطانية!
مع بداية القرن الواحد العشرين اتجهت الصحافة البريطانية إلى نمط جديد يتجاوز التجسس لدولة أخرى إلى التنصّت والمراقبة لشخصيات عليا في المجتمع، بما فيها العائلة المالكة، وهو ما قاد إلى فضيحة هائلة قامت فيها صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد» بقرصنة هواتف دائرة مقربة من الأميرين وليم وهاري، أدت التحقيقات إلى إغلاق الصحيفة وتشكيل لجنة «تحقيق ليفيسون» الرسمية. قامت اللجنة بإجراء نقاشات علنية وعميقة وشفافة مع الصحافيين، حيث أكّدت على أساسية مسألة «اهتمام الجمهور» في كيفية حصول الصحافيين على معلوماتهم، حتى لو خرقوا القانون، وهو ما لخّصه محرر التحقيقات في «الغارديان» بالقول: «إذا نشرت شيئا أعتقد أنه من مصلحة الجمهور أن يعرفه، فيجب أن أكون مستعدا لتحمل نتائج هذا النشر».

كاتب من أسرة «القدس العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية