الصحافة العربية وجديد نزاع الصحراء الغربية

حجم الخط
0

الصحافة العربية وجديد نزاع الصحراء الغربية

د. سيدي محمد عمر الصحافة العربية وجديد نزاع الصحراء الغربية تطالعنا بعض وسائل الإعلام العربية هذه الأيام بأخبار وتحاليل عن ما يوصف بأنه مبادرة مغربية جديدة لحل النزاع في الصحراء الغربية. فمن خلال تغطيتها لجولات المبعوثين المغاربة في عدد من الدول المؤثرة وما رافق ذلك من تصريحات، تبدو وسائط الإعلام العربية هذه وهي تعطي الانطباع بأننا أمام حدث خارق للعادة وخطوة شجاعة ، يراد منها إيجاد حل لنزاع طال أمده.وواقع الحال أن هذا الاهتمام المبالغ فيه من قبل وسائل الإعلام العربية تلك بالمبادرة المغربية إنما يعود، في أساسه، إلي أمرين أثنين: أولهما الجهل المطبق بحيثيات النزاع في الصحراء الغربية وهو أمر لا يغتفر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الاهتمام المتزايد الذي باتت توليه وسائل الإعلام الغربية لمناحي عدة لهذا النزاع العربي ـ العربي الذي جواز عقده الثالث. أما الأمر الثاني فمرده الترديد، الواعي أو غير الواعي، لكل ما يرد في وسائل الإعلام المغربية حول أبعاد هذا المشكل بالذات، وذلك دون إمعان للنظر في صدقية وجدية ما ينقل، حسب ما تمليه روح المهنية والأخلاقية الصحافية. وفي هذا الإطار، ورغبة منا في وضع الأمور في نصابها الصحيح ومساهمة في تنوير القارئ العربي حول الأبعاد الحقيقة للنزاع في الصحراء الغربية، نري من الضروري محاولة النظر في طبيعة المقترح المغربي الجديد وأبعاده وما قد يكون له من انعكاسات علي الأمن والاستقرار في كامل منطقة شمال أفريقيا.في البداية، يجدر التأكيد علي حقيقة أن المقترح المغربي الرامي إلي منح حكم ذاتي للصحراء الغربية يأتي بعد 16 سنة من بدء الأمم المتحدة في تنفيذ خطتها للتسوية في الصحراء الغربية التي كان قد قبلها طرفا النزاع، جبهة البوليساريو والمغرب، من أجل تنظيم استفتاء حر وعادل ونزيه يختار فيها الشعب الصحراوي بين الاستقلال أو الانضمام للمغرب. وهكذا، وبعد رفضه الصريح للمضي قدما في تطبيق خطة التسوية الأممية، كما أكد علي ذلك الأمين العام للأمم المتحدة في وقته، وما تلاه من رفض لمخطط السيد جيمس بيكر الأخير، الذي صادق عليه مجلس الأمن بالإجماع في 2003، فان المغرب يبدو اليوم ماضيا في سياساته الهادفة، وبمعونة بعض حلفائه الأوروبيين، إلي دفع المجتمع الدولي نحو تشريع وجوده وضمه للصحراء الغربية بعد ما فشل في ذلك علي المستويين العسكري والقانوني. إن الرفض المغربي البين لاستفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية، كحل ديمقراطي وحر، إنما مرده خوف هذا النظام من أن يقول الصحراويون كلمتهم الحرة ويختارون الاستقلال. وهذا، في الأساس، هو الأمر الجوهري الذي يثبت بطلان المقترح المغربي قانونيا وسياسيا، وهو أيضا الأمر الذي يبدو أنه لم يثر اهتمام وسائط الأعلام العربية تلك، ربما لجهلها لمضمون المقترح المغربي ذاته أو لنفورها غير المبرر من كل ذي صلة بالديمقراطية كأداة وثقافة سياسية واجتماعية.قبل الحديث عن طبيعة وأبعاد المقترح المغربي، فلعله من المفيد جدا التطرق، بإيجاز، إلي السياق القانوني والسياسي للنزاع في الصحراء الغربية من خلال التأكيد علي الحقيقتين الجوهريتين اللتين تؤسسان لأي فهم لطبيعة هذا الصراع وكذا الإطار الذي يمكن من خلاله معالجته.أولاً، القضية الصحراوية كانت وما تزال قضية تصفية استعمار كما ظلت تؤكد علي ذلك الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 1963 حينما كان الإقليم وقتها مستعمرة إسبانية. ومعني هذا أن شعب الصحراء الغربية له الحق في تقرير مصير بلاده من خلال استشارة شعبية حرة وديمقراطية وباشراف من الأمم المتحدة. ثانياً، السبب الأول للنزاع طويل المدي في الصحراء الغربية هو المغرب وضمه للصحراء الغربية في 1975 الذي تم في إطار خرق لمقتضيات الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المتصلة بالصحراء الغربية. وقد كان هذا العمل هو الذي قاد، من جهة، إلي تكريس واقع غير شرعي في الصحراء الغربية والي مقاومة من طرف الشعب الصحراوي بقيادة جبهة البوليساريو، من جهة أخري. هاتان الحقيقتان هما ما يفسران بجلاء حقيقة استمرار الأمم المتحدة في اعتبار الصحراء الغربية كإقليم ما يزال خاضعا لتصفية الاستعمار، وهو ما يعكسه أيضا وجود بعثتها لتنظيم الاستفتاء في الإقليم منذ 1991. وما يستتبعه ذلك أيضا هو حقيقة أن ضم المغرب للصحراء الغربية لم يحظ قط باعتراف الأمم المتحدة أو أي دولة عضو في هذه الأخيرة. وفي هذا الإطار يغدو من اليسير إدراك أن المقترح المغربي الأحادي الجانب ما هو إلا محاولة للتنكر لأبسط متطلبات الشرعية الدولية وأساسها حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، وبالتالي فان مآله سيكون الفشل الذريع وذلك لجملة من الأسباب من أهمها: أولاً، المقترح المغربي يتأسس علي فرضية أن الصحراء الغربية جزء من التراب المغربي وهذه فرضية لا أساس لها قانونيا وسياسيا علي أساس حقيقة أن المغرب لا يمارس أي نوع من السيادة في الصحراء الغربية.ثانياً، المقترح يقرر مسبقا وبصفة أحادية الجانب خيار الصحراويين وهو ما يناقض روح ومضمون مبدأ تقرير المصير الذي يكفل للشعب الصحراوي حقه في تقرير مصيره السياسي بالاختيار الحر والديمقراطي بين جملة خيرات بما فيها الاستقلال. ثالثاً، هذا المقترح يتنكر للواقع الوطني الصحراوي الذي هو حصيلة أكثر من ثلاثين سنة من الكفاح التحريري والبناء المؤسساتي ورغبة الشعب الصحراوي في الاستقلال، كما عبرت وتعبر عن ذلك المظاهرات السلمية التي تجري هذه الأيام في المناطق الصحراوية.رابعاً، وعلي عكس ما ظل يطالب به مجلس الأمن الدولي من ضرورة إيجاد حل النزاع في الصحراء الغربية يكون مقبولا لدي الطرفين ويكفل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ، فان المقترح المغربي إنما هو مقاربة أحادية الجانب، وبالتالي فانه لا يفي بالشرط الأساس سالف الذكر. خامساً، هذا المقترح يحمل بذور خطر كبير إذ أن محاولة فرض مقترح حكم ذاتي علي الشعب الصحراوي إنما هي سبيل إلي خلق مزيد من التوتر الذي قد يعرض استقرار الإقليم والمنطقة برمتها للخطر وينسف أية حظوظ لبلوغ حل عادل ودائم للنزاع في الصحراء الغربية.وعلي أساس ما تقدم، فانه من البين أن النزاع في الصحراء الغربية لا يمكن حله عن طريق اقتراحات كهذه، مهما كانت طبيعتها ومداها، وإنما عن طريق منح الشعب الصحراوي الفرصة للتعبير عما يريد بكل حرية وديمقراطية. فإذا أراد الانضمام إلي المغرب فذلك شأنه، أما إذا أراد أن يسترجع سيادته الوطنية ويؤسس بذلك لدولته المستقلة فذلك أيضا شأنه. المهم في كل هذا هو خيار الشعب الصحراوي. وفي الختام، فربما كان من المفيد أيضا أن نتطرق إلي موضوع ذي صلة لم تترد بعض وسائل الإعلام العربية وحتي الغربية من ترديده. وهذا الأمر يتصل بترويج المغرب لوجود صلات بين جبهة البوليساريو وجماعات إرهابية قصد التشويش علي عدالة واستقامة القضية الصحراوية، وبالتالي تبرير مقترحه.فالعالم الحر والواعي يدرك تمام الإدراك بأن جبهة البوليساريو لم تكن لها قط صلة بأي شكل من أشكال التطرف والإرهاب. فعلي مدار أكثر من ثلاثين سنة، ظل كفاح الشعب الصحراوي كفاحا مشروعا ونظيفا كما يشهد علي ذلك عديد المسؤولين والسياسيين الدوليين ذوي خبرة بالموضوع. فهاهو جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، الذي شغل منصب المندوب الشخصي للأمين العام الأممي للصحراء الغربية مدة سبع سنوات، يقول في كتابه الأخير (Work Hard, Study…and Keep Out of Politics: Adventures and Leons from an Unexpected Public Life) رغم الظروف الصعبة التي يعيش فيها، فان الشعب الصحراوي قد أحرز علي قدر من الديمقراطية ونسبة عالية من محو الأمية ولم يلجأ قط للإرهاب .فأين هي وسائل الإعلام العربية من هذه الحقيقة الدامغة ومن جملة الحقائق الأخري التي لم تعرها بعد اهتمامها مع الأسف الشديد، رغم وضوحها وسطوعها سطوع الشمس في كبد النهار؟ 9

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية