الصحافة المصرية بين غياب الديمقراطية وسطوة رجال الأعمال

حجم الخط
0

‘حرية على الهامش..في نقد أحوال الصحافة المصرية’ لكارم يحيى:أسامة عرابيتنامى وتعاظم دور رجال الأعمال والمال في مصر، وصارت لهم محطات فضائية وصحف ومجلات ناطقة باسمهم، ومعبرة عن توجههم العام المتناغم مع نشاطهم غير الإنتاجي، ولمثلهم الأعلى في الأمركة ونزعتها الاستهلاكية الشرهة، واستهدافها الدائم للربح، ولقيمها السلبية التي يجدون في تسويدها ؛ محاولة لإرساء انتماء جمعي يوحِّد ما بين الداخل والخارج، فتمحى الذاكرة الوطنية، وتطمس الهوية، والنأي بالتالي عن مضمار الثقافة الرفيعة، وقدرته على الوفاء برسالته. وبالطبع جرى ذلك كله، في ظل تحرير السوق والتجارة، وخصخصة المشروعات الحكومية، وخلق فرص استثمارية جديدة وثيقة الصلة والارتباط بالطابع الكولونيالي التابع لبرجوازيتنا المصرية، وعلاقاتها التي لا تنفصم بالتطورات التي رافقت مسيرة الرأسمالية العالمية، ولا سيما في مرحلتها الأخيرة التي نحت بها منحى المحافظة والتوحش، ونفي أي مردود اجتماعي لسياساتها، كما نشهده بوضوح لدى ‘مدرسة شيكاغوالاقتصادية’، ومنظري الليبرالية الجديدة من طراز ‘روز وميلتون فريدمان’و’فريدريش فون هايك’، أي في ظل تدويل الرأسمال وعولمته، وتسخير ثورة الاتصالات والمعلومات لخدمتها، ولخدمة ما تنطوي عليه من عمليات إنتاجية . وقد شاهدنا ثلاثة نماذج ساطعة على ذلك ؛ جاء أولها في حقبة السبعينيات ومثَّله المقاول عثمان أحمد عثمان صاحب شركة ‘المقاولون العرب’ وصهر الرئيس الأسبق أنور السادات الذي عيَّنه وزيراً للإسكان، والثاني في الثمانينيات من خلال المرحوم محمد عبد الحميد رضوان وزير الثقافة وأحد تجار الحاصلات الزراعية، والثالث في عام 2011 عبر المهندس محمد عبد المنعم الصاوي الذي اصطفاه المجلس العسكري الحاكم وزيراً للثقافة في حكومة الدكتور عصام شرف السابقة، ورئيس لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب الحالي، وهو مدير عام وشريك متضامن لشركة ‘عالمية للنشر والإعلان ‘التي أنشئت عام 1980 وتقوم بتجليد القاعات والدور بالرخام مقابل حقوق إعلانية لمحافظة القاهرة، وأضحى من أهم إنجازاته التي يتيه بها على الورى، حملات التوعية التي حملت شعاراته الأثيرة: جرِّب القيادة بدون زمارة .. لا تكن مدخناً .. حارب البمب الذي يؤذي عين طفلك، ويشكل إزعاجاً للإنسان .. أما نشاط ساقية الصاوي التي أنشأها لخدمة الثقافة والفن، فهو ذو طابع احتفالي كرنفالي تنمحي فيه الحدود الفاصلة بين الإعلان والحقيقة .. بين الوهم والواقع . ومن ثم ؛ أمسى المأزق الحقيقي الذي تعاني منه وسائل الإعلام المصرية وتشكو، هو تجنيدها للتعبير عن مصالح فئوية ضيقة، تنحو بها منحى التبرير والتجميل، وتجعل منها تفريخاً أصيلاً لأزمة نظام حكم مزمنة، تتهدده دوماًعيوب خِلقية ملازمة له في النشأة والتطور ؛ ومن ثم، راح يلقي بعبئها على المجتمع ومناحي حياته، في ظل قانون طوارئ يمتهن الحريات، ويتربص بالجميع .من هنا ؛ تأتي أهمية الطبعة الثانية لكتاب ‘حرية على الهامش .. في نقد أحوال الصحافة المصرية’الصادر عن دار العين للنشر هذا العام (2012) إثر طبعته الأولى التي صدرت عن دار المحروسة للنشر والخدمات الصحافية عام 2005 ونفدت جميعها، للكاتب الصحافي بجريدة الأهرام القاهرية كارم يحيى الذي مُنع من النشر ومن دخول مقر عمله ‘بقرار عبثي’وقَّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّعه رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق إبراهيم نافع ،ثم تجدد الحصار والحرمان المهني من الكتابة مع رئيس التحرير السابق عبد العظيم حماد، والذي ما زال سارياً حتى الآن، بل وصل الأمر حدَّ القبض على السيدة زوجه، ومحاولة إجبارها على التوقيع على ورقة تفيد بأنها تتاجر في المخدرات ؛ نظراً إلى مواقفه المبدئية ،ودفاعه عن حرية التعبير، و’كتاباته النقدية عن حال الصحافة المصرية، وبخاصة القومية منها التي تحتكر أو تكاد صناعة النشر الصحافي في البلد طباعة وإعلاناً وتوزيعاً، في دولة بوليسية بامتياز’. غير أن كتابه هذا، هو الأول في سلسلة مؤلفاته التي توالت بعده: رهان المليون السابع: اليهود والهجرة الصهيونية حتى عام 2020 ‘الذي صدر في طبعتين بالقاهرة ودمشق في عامي 2002 و2006، كما شارك في تأليف ‘موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري عام 1999، والقضية أ.ب : كيف استعدنا ضمانة ديموقراطية لانتخابات نقابة الصحافيين ؟ ومظاهرات حرية الصحافة 1909: كتاب تذكاري توثيقي عام 2009 . وتنبع أهمية كتاب ‘حرية على الهامش’عندي من قدرته على تقديم رؤية جذرية متماسكة تتيح لنا التعرف بيسر على طبيعة المناخ الصحافيالمتردي الذي أدى إلى تدهور الأداء المهني، وتخلف الصناعة الصحافية ذاتها ؛ نتيجة تبعية الصحف للدولة المصرية الرخوة، واستبعاد الكوادر الحقيقية، وهيمنة الأجهزة الأمنية عليها، وتحويل الصحف إلى عزب وشفالك وأبعاديات لرؤساء مجالس الإدارة ورؤساء تحريرها ؛ فأصبح الصحافيون رهائن لديهم، وسياسات التعيين العشوائية، والافتقار إلى أسس موضوعية يعتد بها في النشر والترقيات وشغل المناصب والسفر لتغطية الأحداث والمؤتمرات الإقليمية والدولية، والحرص على إضعاف نقابة الصحفيين وعدم استقلاليتها اقتصادياً، إثر رفض المؤسسات الصحافية دفع 1 ‘ الموصى بها لها من حصيلة الإعلانات ؛ لتحافظ على ذيليتها للنظام، ناهيك عن عمليات الاختراق النفطي الخليجي لواقعنا الفكري والثقافي بمنظوماته القيمية التي تكرِّس الفقر المعرفي والخواء الروحي . ولعلنا نتذكر الموقف الذي أبداه ‘مجلس التعاون الخليجي’حيال الكتَّاب والصحافيين الذين هاجموا أميركا في ‘حرب الخليج الثانية’وما صنعته بالعراق وشعبها ،واضطلاعه بإعداد قائمة بأسمائهم ؛ توطئة لتجريم التعامل معهم، ومنعهم من النشر في صحفه . لهذا راعى المؤلف تقسيم كتابه إلى فصول ستة تتناول المحاور الآتية، بالإضافة إلى مقدمتي الطبعتيْن الأولى والثانية : أمام المرايا .. عن معايير قياس حرية الصحافة .. أيادٍ خفية لكنها فظة .. كيف تعمل الرقابة ؟ الطيعون المطيعون .. في صناعة الصحافيوترويضه .. إمبراطورية فوق ممالك متهاوية .. عندما يلتهم الإعلان المهنة وحقوق القراء .. كي لا نجرؤ على الكلام .. العطايا السخية لسادة النفط وأمريكا .. النقابة المختطفة .. عن البيروقراطية النقابية والقيادات العازلة ..ثم الملاحق التي تتضمن بيانه الانتخابي الذي خاض به انتخابات مجلس نقابة الصحفيين في يونيو ويوليو عام 2003، ومعه نص القرار الإداري بمنحه إجازة مفتوحة، واستيفاء تقارير كفايته حكماً، وفقاً للبيانات المدرجة بآخر ثلاثة تقارير قدمت عنه خلال عام 2003، وهو قرار يقول عنه إنه لم يتسلمه ولم يجر إخطاره به، وحصل عليه بمساعدة خفية من زملاء أعزاء في المؤسسة، وثلاث مقالات ؛ اثنيْن منهما كتبهما بمناسبة مؤتمر الصحافيين الرابع في 22 و23 فبراير 2004، والثالث بعنوان ‘موسى جندي .. صفحة من التاريخ غير الرسمي للأهرام .وبهذا قدَّم لنا كتاب’حرية على الهامش’بفصوله الستة (لوناً من الكتابة يجمع بين المقال المسهب والتقرير الغني بالمعلومات والدراسة الموثقة) آملاً صاحبها أن (تتكامل وترسم طبيعة الممارسة الصحافية وحدودها في مجتمع ‘الاستثناء’ومع غياب الديمقراطية وإهدار القانون والتبعية للخارج). وجاءت الهوامش المصاحبة لكل فصل من الفصول الستة إضاءة غنية بالمعلومات والنقاشات الحية، وإضافة نوعية تسهم في توسيع إطار التحليل، وطرح الأسئلة الحقيقية حول أزمة الصحافة المصرية بوصفها أزمة هيكلية، وثيقة الارتباط بالتطور الديمقراطي المعوَّق في البلاد، ومن ثم، فهي ليست أزمة ظرفية عابرة بحال من الأحوال.يبدأ المؤلف كتابه بسؤال محوري يلخِّص في تضاعيفه ماهية الكتاب وتوجهه العام ؛ حيث يجيء المفرد بصيغة الجمع:إلى أي حد كنت وما زلت كاتبا صحافياً هامشياً ؟ يجيب: ‘لا أدري.. لكن ما يتعين الإشارة إليه بمناسبة إصدار الطبعة الثانية للكتاب، هو دلالة تاريخ طبعته الأولى’ثم يضيف موضحاً: ‘فمطلع عام 2005، كان في ظني نقطة انطلاق لاثنتين من حلقات الاحتجاج الممهدة لثورة 25 يناير، وهما حركة ‘كفاية’التي كنت من بين موقعي بيانها التأسيسي في نهاية العام 2004، والناشطين في فعالياتها لاحقاً . وحركة ‘استقلال القضاء’الجديدة وقد تفاعلت كغيري من المواطنين من أجل دعمها، وتعرفت خلالها إلى قضاة من أنبل وأجلِّ من عرفتهم مصر. ولا أدري أيضاً أي صلة تربط هذا الكتاب بحركة ‘صحافيون من أجل التغيير’التي تأسست في يونيو عام 2005 بعدما بادرت بالدعوة إليها. أي بعد صدور الطبعة الأولى بأشهر معدودة. وقد شرفني زملائي بأن وضعت مسودة بيانها التأسيسي، وبمسؤولية منسقها العام’. وبذلك يشير إلى حيوية العلاقة الجدلية القائمة بين صدور الكتاب والدعوة إلى توسيع أفق المطالب الديمقراطية العامة التي يلح عليها الليبراليون وديمقراطيو البرجوازية الصغيرة ؛ ليسهم في تجذيرها والتطلع إلى ما هو أبعد من هذا بكثير، خاصة ما يتعلق منها بإلغاء العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي تقع بواسطة الصحافي، وإطلاق حرية تملك وإصدار الصحف، وتحرير العمل النقابي من القيود القانونية والإدارية والحصار الأمني المفروض عليها . لذلك لم يألُ جهداً في ‘المشاركة في كتابة وإصدار نشرة ‘صحفيو الغد’غير الدورية خلال عامي 1995 و 1996، فضلاً عن كتابة عدد من المقالات والدراسات المتناثرة منذ صيف عام 2005 وحتى نوفمبر 2010 ‘؛ لإقرار حق الأفراد في ممارسة حقهم في التعبير عمَّا يرونه من أفكار دون تدخل، وفي البحث عن المعلومات والحصول عليها، ومحاسبة المسئول عن حجبها . الأمر الذي دفع زملاء المهنة إلى الاعتراض على منطق الأستاذ كارم يحيى حين عدَّ كتابه هذا ‘بمثابة وثيقة في تاريخ الصحافة بعد ثورة 25 يناير’، ولم يتحمس لإصدار طبعة ثانية ، وردوا عليه قائلين: ‘إن هذه الصحافة ستحتاج لعقود عديدة حتى تبرأ من الانتقادات التي وردت في مختلف فصول الكتاب. ‘عندئذ أدرك أن ‘في منطقهم وجاهة’، وأن ‘المعركة من أجل تغيير وحرية صحافتنا جارية على قدم وساق، ولا يتصور حسمها في أيام أو شهور أو حتى سنين معدودة. كما أنني رأيت في هذا الكتاب ما يمكن أن يمثل أساساً نظرياً ومنهجياً للدراسات والمقالات التطبيقية التي كتبتها لاحقاً ولا أزال أكتبها إلى حينه . فضلاً عن أنني وحتى الآن أنظر إلى نفسي وكأنني كاتب صحافيهامشي . وما زلت وغيري كثر نعاني من مشكلة أن نجد مَنْ ينشر . وهو ما أظنه مشكلة لن تزول بسهولة . ‘وهذه ـ في الحقيقة ـ وجهة نظر حريَّة بالتأمل والدراسة، خاصة أن النظام القديم مازال يدافع عن أسسه وقواعده، ويدفع مع كل نهوض جماهيري وضغط سياسي بوجوه وشخصيات لا تتناغم واستحقاقات المرحلة الجديدة التي نشأت عقب ثورة 25 يناير الشعبية ( تعاقب خلالها على رئاسة مجلس إدارة الأهرام اثنان من أعضاء لجنة السياسات التي أسسها ورأسها جمال مبارك هما : د. عبد المنعم سعيد و عبد الفتاح الجبالي، وثالث عضو في الحزب الوطني السابق هو المرحوم لبيب السباعي، وكذلك رأس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم عضوا الحزب الحاكم السابق : محمد بركات ومحمد الهواري، أما رئاسة التحرير فذهبت إلى شريكهما في العضوية ياسر رزق، وهلمجرا في سائر المؤسسات )، محافظاً على هياكله البنيوية التي لا تسمح للبلاد بإرساء آليات جديدة للبناء الديمقراطي، والحيوية الاقتصادية الكفيلة بانتشال المحروسة من وهدة الركود الاجتماعي، ونشوء مجتمع مبدع مادياً وثقافياً يضم منتجين أحراراً .. وهو ما لن يتحقق دون إزالة العوائق التشريعية والسياسية التي تحول دون ازدهار مطلق للإنتاجية الإنسانية، والتملك الاجتماعي العادل لنتائجها . من هنا ؛ أطلق الكاتب على نفسه ‘كارم يحيى على الهامش’تارة، و’منبوذ مهنياً ومؤسسياً’تارة أخرى، وأسف لعدم جرأة ‘زميل في صحيفة بما في ذلك الصحف الحزبية المعارضة والخاصة الجديدة المسماة زوراً ‘المستقلة ‘على نشر سطر واحد عن الكتاب، أو عن منع زميل مهنة ودراسة من العمل .’وهو ما يفصح بجلاء عن معضلة الصحافة المصرية المركبة والمعقدة، بعد أن تردت علاقات العمل على نحو غير مسبوق، وأصبح الصحافي خاضعاً في عمله وفيما يكتبه لأكثر من قانون يغلُّ يديه مثل : قانون تنظيم سلطة الصحافة رقم 96 لسنة 1996، وقانون المطبوعات، و قانون العقوبات لإعطاء المحقق سلطة الحبس الاحتياطي، وقوانين المحاكم العسكرية، وقانون الأزهر، وقانون الاستخبارات العامة ـ وقانون حماية الوثائق ـ وسواها من القوانين السارية منذ أواخر القرن قبل الماضي، والمستمدة من أسوأ العهود الفرنسية طُراً، بل إن’قانون حماية الوثائق’جعل من أي ورقةٍ وثيقةً، لدرجة أن شهادات الميلاد صارت من الوثائق وفقاً لأحكامه ؛ حتى يظل سيفاً مصلتاً على رقاب الصحافيين والكتَّاب والباحثين . لهذا جاءت مصر _ وفق آخر تقرير لمنظمة صحفيين بلا حدود _ من بين أكثر من عشر دول معادية لحرية الصحافة في العالم، علاوة على القيود المفروضة على حرية إصدار الصحف، التي كانت تصدر قبل عام 1952 بموجب إخطار ‘دائرة المطبوعات ‘التابعة لوزارة الداخلية، بخطاب مسجل بعلم الوصول ؛ الأمر الذي يجافي ويخاصم ‘مواثيق حقوق الإنسان’، ومنها ‘حق المواطن في الإعلام ‘، الذي يفضي إلى مشاركة المواطن في القرار السياسي، وما يترتب عليه من ازدهار للديمقراطية، ودفع الأستاذيْن الجليليْن أحمد نبيل الهلالي المحامي والقائد اليساري والمستشار الكاتب سعيد الجمل إلى الاعتذار عن الاشتراك في اللجنة القانونية بنقابة الصحافيين ؛ لأن القانون 96 لسنة 1996 أهدر أهم توصيات وقرارات المؤتمر العام الثالث للصحفيين والجمعية العمومية لنقابة الصحفيين والأركان الأساسية التي قام عليها مشروع النقابة فيما يتعلق بإلغاء عقوبات حبس الصحافيين، وكفالة حق الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات وسائر الشخصيات الاعتبارية والخاصة والأشخاص الطبيعيين المصريين كاملي الأهلية في تملك وإصدار الصحف ؛ بما يعني إعادة النظر في تملك الدولة للمؤسسات الصحافية والقومية ؛ حتى لا تظل محتكرة لمالك واحد، وحزب واحد . وهو ما يعبر عنه المؤلف بقوله : ‘باتت الصحف المسماة بـ’القومية’منذ أكثر من 45 عاماً في وضع شبه احتكاري، وعلى نحو يجعل القراء والإعلانات أسرى سلطة بعينها ونفر من الرجال المعدودين يتحكمون في مقدرات صناعة الصحافة المصرية من مطابع وإمكانات توزيع وورق طباعة، وما عدا ذلك فهامش متروك بسماحة السلطان وبمزاج مماليكه، ممن وهبهم حق التصرف كاملاً، دون سؤال عن نزاهة أو مراجعة لكفاءة .’بيْد أن هذه القضية جزء من أزمة أكبر يدعوها الكاتب باسم ‘أزمة في الشرعية ‘يراها ‘متعددة الأبعاد، ونرى ترجمة لها في انصراف القراء، وانخفاض التوزيع، وتدهور الأداء المهني، وضعف المصداقية، فضلاً عن الديون المتراكمة والخسائر المتوالية برغم ما تتميز به هذه الصحف من أوضاع شبه احتكارية.’وبذلك يلفت المؤلف نظرنا إلى حرص القيادة السياسية المصرية منذ ثورة 23 يوليو 1952 حتى الآن، على السيطرة الكاملة على حقل الإعلام، وتكنولوجيا المعلومات، ووسائط المعرفة، وأدوات الترفيه ؛ بحيث ترك تنظيمها، وتحديد أطرها وأبعادها للأجهزة المختلفة، تديرها ببيروقراطيتها وبوليسيتها التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن من تردٍّ وانحدار . وأمسى من البدهي خلط الإعلان بالتحرير، والرأي بالخبر ؛ من أجل الدفع والتأثير في اتجاه معين . لذلك لم تُسَنْ أي قوانين لحماية متلقي الرسالة الإعلامية من خطر التلاعب بالصورة، وعمليات توظيف المادة الموجهة، وتكريس الثقافة الأحادية الجانب . وهو ما دفع المؤلف إلى تشخيص ‘أزمة الشرعية’، وتقويم جوانبها بوصفها قائمة ‘على اختطاف الصحف لحساب رئيس الدولة والحزب الحاكم ونفر من الرجال المعينين في المناصب القيادية بها، وذلك على خلاف فلسفة انتقال كبريات الدور الصحافية من ملكية عائلية وفردية خاصة إلى عموم المصريين . ولقد تطورت أزمة الشرعية إلى إعطاء إجازة مفتوحة للقانون في العديد من جوانب إدارة هذه الصحف، وليس فقط في الإبقاء على قيادات في مواقعها إلى ما بعد سن المعاش المنصوص قانوناً. ‘الأمر الذي حوَّل نفراً’ من قيادات الصحف القومية إلى رجال أعمال يرأسون ويديرون صحف الدولة التي تصدر بمال الشعب .’وبذلك حوَّل مجلس الشورى المؤسسات الصحافية الذي يسيطر عليها من ملكية الاتحاد الاشتراكي في الماضي، إلى تركة له ولرؤساء مجالس الإدارات والتحرير، وصارت البوق الرسمي لحكومة الحزب الوطني، وتكايا، وفشل كثيرون في إدارة مؤسساتهم، على الرغم من أنها تحصل على إعانات حكومية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال كمِّ الإعلانات التي تقدمها الوزارات المختلفة والشركات القابضة، باستثناء مؤسستي ‘الأهرام’ و’الأخبار’اللتين نجحتا في دخول عالم البيزنس والاستثمار، وكلتاهما تعد الصوت الرسمي للنظام طبعاً. وقد رفعت قضايا عديدة من قِبل الصحافيين ضد رؤساء مجالس الإدارات ورؤساء التحرير، بلغت في وكالة أنباء الشرق الأوسط حوالي مائتي قضية ، ولم يتخذ أي إجراء حيالهم ؛ نتيجة استقوائهم بالأجهزة الأمنية وبشخصيات نافذة في الحكم وبرجال الأعمال القابضين على مقاليد الأمور في البلاد، بعد أن وجدوا الفرصة سانحة لإصدار صحف تمكِّنهم من الضغط على الحكومة، والتأثير السلبي على المجتمع، وإنهاء الصراعات الدائرة بينهم لصالح طرف على حساب طرف آخر، وقد حاول رجل الأعمال المصري الذي يحمل الجنسية الأمريكية د.محمود وهبة في منتصف الثمانينيات شراء ‘مؤسسة دار التعاون’، وتحويلها إلى قطاع خاص، وتردد أنه عرض أكثر من مليار جنيه لشراء ‘مؤسسة الأهرام’، كما حاول الريان شراء ‘الهيئة المصرية العامة للكتاب’، وتقديم قرض لنقابة الصحافيين قدره مليون جنيه من دون فوائد، لكن يقظة الشرفاء من الصحافيين أوقفت هذه الصفقات المريبة . ولهذا بالطبع أسبابه التي يرصدها المؤلف بدقة في فقرته الآتية :’وبينما تأخذ مصر باقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية، فإن الليبرالية السياسية والصحافية تظل أمراً بعيداً . فالسلطة السياسية تتبنى صراحة تأجيل ‘الإصلاح السياسي والديمقراطي’، وإلى أجل غير مسمى . ويُظهر رجال الأعمال الجدد تبرماً لا يقل شراسة وعدوانية عن مسؤولي الدولة إزاء أي خروج عن الأداء الصحافيالتقليدي الرتيب باتجاه الشفافية المعلوماتية والآراء الانتقادية ولا تكتفي هذه القوى بعرقلة رفع القيود عن الصحافة، ولا بإعادة اكتشاف وتفعيل التشريعات العقابية الفظة، بل تسعى بدأب إلى إنتاج قوانين أكثر تشدداً وتضييقاً .’والمفارقة أنه في الوقت الذي ينص فيه القانون رقم 96 لسنة 1996 على حق الصحافي في الحصول على المعلومات من مصادرها، سواء كانت جهة حكومية أو عامة، إلا أنه لم يحدد عقوبة لمن يمتنع عن إعمال هذا النص، ولم يحدد الجهة الموكول إليها مهمة محاسبة الممتنع عن تقديم المعلومات المطلوبة، أي في الوقت الذي يتم فيه حجب المعلومات عن الصحافيين، يلزمهم القانون بعبء تقديم الدليل أو المستندات الدالة على صحتها، وإلا فالحبس والغرامة في انتظارهم . وقد اقترح نقيب الصحافيين المصريين والعرب المفكر الراحل كامل زهيري إلغاء الحبس، والاكتفاء بالغرامة فحسب، على أن تكون طرق محاسبة الصحافيجنائياً بالغرامة، ومدنياً بالتعويض، ونقابياً بالتأديب، مع تأكيد حرية الصحافة، لكنهم ضربوا بكلامه عرض الحائط . بل إن النظام المصري لم يصل إلى درجة سماحة وأريحية ‘قانون المطبوعات العثماني’الصادر في 14 ـ 12 ـ 1874، في مادته الثانية عشرة التي نصت على أن تكون حرية المطبوعات مطلقة في دائرة القانون ؛ وهو ما يؤشر إلى حرية النقد والتعبير وكفالتهما .لكن اتساع دائرة التجريم، والإسراف في العقوبات فيما يتعلق بالتشريعات الصحافية، بلغ شأواً بعيداً في مصر، على الرغم من أن الدستور منذ سنة 1923 حتى سنة 1971 في مادته السابعة والأربعين حرص على تحصين حرية النقد والتعبير من أي اعتداء كان . ورأى فقهاء القانون الجنائي أنه قد تترتب على النقد مسئولية مدنية تؤدي إلى التعويض، لكن ذلك لا يستتبع أي مسئولية جنائية، ما دام النقد منصباً على ذات الفعل، ولا علاقة له بشخص صاحبه . غير أن (ما يبعث على المزيد من القلق هنا أن غالبية التعديلات التشريعية المتشددة المقترحة تنحو إلى تأكيد التمييز لصالح ‘الشخصيات العامة’) وكل أحكام السجن التي نفذها الصحفيون الستة : مجدي أحمد حسين وصلاح بديوي وعصام حنفي ومحمد هلال من جريدة الشعب، وجمال فهمي وعمرو ناصف من جريدة العربي الناصري، كانت في قضايا لا تتعلق ( بآحاد أو بسطاء الناس ؛ فقد كان المدعون فيها من كبار رجال الدولة، ومن نخبة السياسة والاقتصاد) . لكن اللافت في الأمر أن حبس هؤلاء الصحافيين أتى بعد سقوط قانون الصحافة المشبوه 93 لعام 1995 الذي حصَّن رئيس الجمهورية من النقد وعرَّض صاحبه للحبس احتياطياً، وحلول القانون 96 لسنة 1996 محله، وظلت مواده سيفاً مصلتاً على حرية الصحافة، وحرمت الأفراد من حق إصدار الصحف . بيْد أن من سلطات النائب العام وقف حبس الصحافيين، ولكن ليس أي صحفيين، بل مع حالات خاصة، وأسماء بعينها، كما حدث مع مصطفى ومحمود بكري . ومن المضحك المبكي في هذا السياق، أن نذكر أن بعض مواد قانون اغتيال الصحافة رقم 93 لسنة 1995 تسللت إلى ‘قانون البلطجة’لا سيما في مادته 375 مكرر ؛ لأن تهمة الافتراء المنصوص عليها في هذه المادة، تعد من التهم المطاطية التي تتسع لتشمل أي رأي يستهدف كشف فساد أي مسئول . ولم تشرح لنا هذه المادة أركان جريمة الافتراء التي نصَّ عليها القانون، تماماً مثل قانون 93 لسنة 1995 الذي أُلغي ليعاود الظهور في ‘قانون حماية الوثائق’الذي يفتح الباب على مصراعيه لإدانة كل من تشاء الحكومة إدانته . وتكتمل المهزلة فصولاً، إثر استدعاء الصحافيين عن طريق الشرطة، لا من خلال نقابة الصحفيين، مع أنه لا مسوِّغ لحبس الصحافي احتياطياً في قضية تتعلق بالسب والقذف لأي مسئول أو موظف عام ؛ لانعدام الأسباب المبررة لهذا الحبس . فالصحافي معروف الإقامة، وينتمي إلى نقابة مهنية، وتمنع تقاليد المهنة سفر الصحافيإلى الخارج خلال التحقيق . ومن ثم ؛ لا يوجد ما يهدد سلامة التحقيق من بقائه حراً في أثناء مرحلة التحقيق . غير أن عمليات الإغارة على الصحف والتهديد بإغلاقها وحبس الصحفيين، اقتصرت على ( الصحف الحزبية ‘والجديدة المستقلة’والمطبوعات الدورية محدودة التوزيع ؛ كتلك التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان أو جمعيات المجتمع المدني والأوساط الثقافية، فضلاً عن صحفيي أحزاب المعارضة ) . وهنا يتعين أن نقول إن ‘قانون الأحزاب’أعطى ‘للجنة شئون الأحزاب’الحق في إيقاف إصدار الصحف الحزبية، ثم جاءت ‘توصيات المجلس الأعلى للصحافة’المعتمدة في أكتوبر 1994 بصلاحيات إضافية ‘للجنة شئون الأحزاب’تتيح لها متابعة الصحف الحزبية، وتقويم مدى التزامها ببرامج أحزابها ؛ وهو ما يُخضع هذه الصحف لوصاية ‘المجلس الأعلى للصحافة’و’لجنة شئون الأحزاب’، ويعرِّضها للتوقف والمصادرة . لكن المؤلف سرعان ما ينبهنا إلى أن هناك ( أشكالاً أخرى من رقابة الردع والعقوبة، وإن كانت لا تسترعي الاهتمام في العادة . فقد يستدعى الكتَّاب والصحافيون للتحقيق أمام الجهات المدنية أو العسكرية، وربما يجد رئيس التحرير ومحرر المادة الصحافية نفسيهما أمام النيابة العامة ليوم كامل أو يزيد ؛ بسبب نشر نبأ إضراب ما، كما حدث مع جريدة ‘الوفد’الحزبية بشأن خبر عن عمال وموظفي البنك المركزي، ومع جريدة ‘العربي’الناصرية المعارضة، بعدما نشرت في إبريل 2002 تغطية لمحاضرة ألقاها رئيس أركان الجيش الأسبق سعد الدين الشاذلي، ومع جريدة ‘الميدان’التي أطيح فيها برئيس تحريرها الأستاذ سعيد عبد الخالق ـ عضو مجلس نقابة الصحفيين آنذاك ـ عندما نشرت الجريدة صورة لجثمان الرئيس السادات عقب اغتياله، وهي المرة الأولى التي يعاين فيها المصريون في صحافتهم آثار الطلقات التي أودت بحياة السادات منذ نحو 21 عاماً ). إلا أن ( الرقابة الأكثر شيوعاً ونفوذاً، هي ذلك النوع الراسخ والمعروف ب’الرقابة الذاتية’. وهذه الرقابة نادراً ما تثير ضجة أو تسترعي انتباهاً، وإن كانت تهيمن بسطوتها في صمت على ما يسمى ب’الصحف القومية’) . ولا ريب أن الرقابة الذاتية أخطر ضروب الرقابات وأكثرها سلبية ؛ لأنها تحكم على العقل بالعقم، وتحول بينه وبين التفكير الحر والكشف والنقد والبحث الجاد، وتخضعه لحالة ديماجوجية من التسويف والمراوغة والتهرب من مسئوليات الكاتب الأخلاقية والسياسية المنوطة به تجاه قارئه، حتى إن كاتبنا الكبير الرائد د. يوسف إدريس قال يوماً إن مجموع الحريات العربية مجتمعةً لا يكفي كاتباً واحداً !!وأمام هذه اللوحة الصحافية الكابية، يتبدى لنا بجلاء ما يدعوه الكاتب ( بالوضع شبه الاحتكاري الذي تملك فيه مؤسسات الصحافة ‘القومية’التسع الرئيسة الفضاء الصحافي) ويتجلى في ( السيطرة على إمكانات الطباعة والتوزيع وأسواق الإعلانات وعلى أضخم دائرة من القراء) ليشمل ( الهامش المحدود خارج الصحافة ‘القومية’؛ فيعزى استمرار صحف معارضة رئيسة في الصدور إلى تغاضي ‘المؤسسات القومية’عن المطالبة بالديون المتراكمة ثمناً للطباعة ولغيرها من الخدمات التقنية والتسويقية التي تتولاها هذه المؤسسات ) ما دامت لا تتجاوز بحال الحدود الدنيا المرسومة سلفاً لمعارضتها، ولا تتعرض للأسرة المالكة بالنقد والفضح لمواقفها وممارساتها في ظل الكفاف الديمقراطي الذي شهدته البلاد، أو بتعبير الروائي الفرنسي الأشهر بلزاك في روايته ‘الأوهام الضائعة’:( أن تكون صحافياً يعني أن تمارس دور القنصل في جمهورية الأدب ).لذلك تلخصت مواصفات الصحافي المنشود في ( غياب أو تغييب أي قيم أو معايير تكوين سابقة تعيق عمليات الترويض الجارية ؛ من أجل صناعة الصحافيالمطيع الطيِّع، ثقافية كانت أو مهنية أو أخلاقية) ليقود (فساد التخطيط والتنفيذ والحرص على تكريس الأبوية والسلطات شبه الإقطاعية داخل المؤسسات الصحافية إلى مطبوعات متخصصة دون متخصصين ..كما تعرقل نزعات الانغلاق على التخصص _ إن توفر أهله _ دون التأهل لمهنية ولأخلاقيات عمل بديلة، تتفاعل مع الشأن العام، وتعنى بإشاعة الديمقراطية والمؤسسية في الدار الصحافية القومية بأسرها ) ويستدرك الكاتب فيؤكد (أن بين الصحاافيين العاملين في هذه المطبوعات متخصصين مثقفين بحق، تكونت ملكاتهم قبل الالتحاق بالمؤسسة . إلا أن سطوة السلطة الأبوية ‘البطريركية’والضغوط الاستبدادية عادة ما تحول دون التعبير عن ذواتهم بوضوح وبقوة، يسمحان بإحداث تغيير ملموس وناجز في علاقات العمل وفي المنتج الصحافي) ويضيف المؤلف : (ويعرف سوق العمل الصحافي ـ غير الحر بالقطع ـ أعداداً من الصحفيين الهائمين بين الصحف الحزبية والمستقلة في انتظار فرصة تعيين ربما تتأخر لسنوات ولسنوات، أو لا تأتي مطلقاً . والأنكى من ذلك أن يأتي عقد العمل مقترناً بالتوقيع على استقالة مسببة، و’على بياض’. وليصبح هذا الصك المهزلة بمثابة ضمانة لصاحب العمل ‘قيادة الحزب والجريدة’كي يتخلص من الصحافيمتى شاء، ودون تكلفة تذكر) .ولأن الأزمة عامة، وما يسمى بأحزاب المعارضة هي في حقيقتها جزء من النظام، في إطار لعبة سياسية متفق على حدودها وأطرها العامة، وإلا قام النظام بفض المولد، وهدم المعبد على رأس الجميع، فقد كان من الطبيعي أن ( تعاني الصحف الحزبية من الأمراض المتفشية في هيئاتها السياسية، من غياب الديمقراطية الداخلية وأزمة القيادة والأجيال الشابة، وتغليب الولاء الشخصي على الكفاءة والالتزام الفكريين السياسيين. ويتحول قادة الأحزاب أيضاً إلى آباء ‘بطاركة’، قد يتدخلون في كل كبيرة وصغيرة داخل الصحف الصادرة عن أحزابهم، مع غياب أسس المحاسبة الحزبية المؤسسية ديمقراطياً، وبعدما حوصرت أحزاب المعارضة داخل جدران المقار، وحيل بين الحياة الحزبية وبين التنفس في مجالات الحركة والفاعلية بالشارع وفي فضاء المجتمع) . غير أنه في هذا المناخ الرديء، وفي ظل تبعية النظام الرسمي لأميركا وإسرائيل، ودمج وسائل الإعلام وتجميعها في يد أصحاب رؤوس الأموال سواء عالمياً كما حدث لصحيفة ‘ليبراسيون’التي اشترت شركة ‘شارجور’60 ‘ من حصتها، والقناة الأولى الفرنسية المملوكة لشركة ‘بويج’مثلاً، أو محلياً إثر انحسار دور الدولة الاقتصادي وحلول الشركات متعدية الجنسيات محلها، وانهيار السوق الاجتماعية المرتكزة على التضامن الطبقي ؛ بحيث أضحى حق إصدار الصحف مقصوراً على من يملك المال، على نحو ما نصَّ عليه القانون 96 لسنة 1996 ( شرط مليون الجنيه للإصدار اليومي، وربع مليون الجنيه للأسبوعي، ومائة ألف جنيه للشهري )، وبعد المرور على جهاز مباحث أمن الدولة ؛ مما أتاح الفرصة لرجل الأعمال محمود الشناوي صاحب سلسلة محال للملابس الجاهزة إصدار صحيفة’الميدان’،ولرجل الأعمال الذي يعمل في مجال السيراميك محمد أبو العينين أن يلجأ إلى مصلحة الشركات للحصول على رخصة إصدار صحيفة ملاكي له، ولرجل أعمال آخر يسيطر على حقلي السينما والسياحة عادل حسني الحصول على ترخيص صحيفة قال إنها ستكون فنية، ولا ننسى بالطبع دعم أحمد عز الذي يسيطر على سوق الحديد في مصر وقطب الحزب الوطني السابق لـ ‘جريدة روز اليوسف اليومية’، وهلمجرَّا .. وفي عصر أصبحت فيه الرأسمالية والإمبريالية شيئاً واحداً من دون فصل أو تمييز ؛ فقد جرى تعديل مفهوم السيادة الوطنية لتبرير التدخل في شئون الدول الداخلية وإعادة إنتاج كومبرادوريتها،و صار من الطبيعي اختراق الأطراف من قبل المركز، ولا سيما على الجبهة الصحافية ؛ الأمر الذي دفع ( مؤتمر الصحافيين الذي انعقد في فبراير 2004، إلى تخصيص جلسة لمناقشة ما بات يسمى ب ‘مخططات الاختراق الأمريكي’للصحافة المصرية، بعدما أعلنت إدارة الرئيس جورج بوش الابن عن مبادرة ‘الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط’المعروفة إعلامياً بـ ‘الشرق الأوسط الكبير’. وعلى ضوء الجدل بشأن الإصلاح الديمقراطي : مفروض من الخارج أو نابع من الداخل، نبهت ورقة ناقشها مؤتمر الصحفيين إلى أن المبادرة الأمريكية تتضمن تلميحاً بـ ‘إعادة هيكلة الصحافة العربية’، وتصريحاً بـ ‘إصدار صحف وقنوات فضائية في ثماني دول عربية بينها مصر) . وقد برزت فكرة ‘الشرق الأوسط الكبير’أصلاً للالتفاف على كل مشروعات التسويات السياسية التي سميت إعلامياً بمبادرات السلام ؛ بحيث تدخل إسرائيل من باب جانبي، وتفرض التطبيع عنوة واقتدارا. وقد عبَّر عن ذلك صراحة مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية مارك غروسمان عندما قال إنه من الصعب انتظار إحلال سلام شامل في المنطقة ؛ من أجل تشجيع الإصلاح الذي أسمته الإدارة الأمريكية ‘برنامج تنمية الديمقراطية في العالم العربي’، وعينت إليزابيث تشيني كريمة نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني مسئولة عنه في وزارة الخارجية، لتقول بوضوح إن التغيير في المنطقة العربية جاء استجابة لمقتضيات الأمن القومي الأمريكي، بعد أن باتت مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة مفقودة. ويسرد المؤلف نص عبارة أتت على لسان أحد مسؤولي الإدارة الأمريكية مُفادها ‘زيادة التمويل المباشر لوسائل الإعلام’، و حرص السفير الأمريكي في القاهرة على ‘دبلوماسية الزيارات الحميمة’لدور الصحف، وكتابته مقالاً على صفحات جريدة الأهرام يتضمن ‘توجيهاً بتشديد الرقابة على ما ينشر في المطبوعات المصرية وبخاصة من بعض كتَّاب أعمدة ومقالات الرأي ‘ضد أميركا وإسرائيل، بالإضافة إلى ‘أوامر رقابية مصرية بالامتناع عن نقد الرئيس الأمريكي ومعاونيه، بل السياسة الأمريكية، وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي’، فضلاً عن منح التدريب الأمريكية للصحفيين المصريين ولغيرهم، بعد أن اشتكى توماس فريدمان من أن ‘الليبراليين لا يزالون أقلية محدودة في الصحف’؛ مما أفضى لا شك إلى ‘تخليق ليبراليين عرب على الطريقة الأمريكية ‘ليشغلوا مع ‘دائرة أوسع نسبياً من الصحافيين التكنوقراط مواقع حراس البوابات المهيمنة على نشر المعلومات والأخبار والمواد الصحافية الأخرى’. وفي هذه الأجواء الملغومة والموبوءة ؛ جرى ‘الترويج لمصطلح نقيب الجسور بين الصحافيين في السبعينيات والثمانينيات بهدف ضمان انتخابهم قيادة موالية للحكومة’، وتحولت ‘القيادات النقابية إلى أدوات ـ وسائط لاستجلاب الخدمات والسلع ثم توزيعها على أعضاء النقابة ‘بمنأى عن ‘أي قضايا نقابية عامة حقيقية وملحة من قبيل تحسين الأجور وعدالتها أو عقد العمل الجماعي أو تحصين الصحافيوحرية الصحافة أمام ضغوط السلطة السياسية والإدارة الصحافية والمعلنين من رجال الأعمال والحكم والشركات والدول الأجنبية. وشيئاً فشيئاً، تترسخ ملامح النقابي المحترف الذي يدمن دخول الانتخابات والبقاء لفترات متتالية في مجلس النقابة، مستنداً إلى ولاء مموه لكنه محسوم ـ لصالح السلطة ـ الإدارة، كما يجسدها أشباه الإقطاعيين في المهنة ‘. ونسيت السلطة الغشوم أن السادات عندما خنق حرية الكلمة بإصداره قانون سلطة الصحافة رقم 148 لسنة 1980 الذي أطلق عليه الصحفيون اسم ‘قانون شل الصحافة ‘، انتهت حياته بعد عام واحد فقط من صدور هذا القانون . وتحية تقدير للكاتب الصحافي ‘كارم يحيى’على وضوح رؤيته، وقدرته على بسط قضية الصحافة بهذا المستوى العلمي الراقي الذي استطاع ربطها بقضية الديمقراطية وعلائقها بالتحرر الاجتماعي المنشود ؛من أجل امتلاك رؤية شاملة بمقدورها صوغ قسمات المستقبل، وتجذير بدائلنا البرنامجية. *كاتب وناقد من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية