الصحافة المغربية والخطاب السياسي.. اشكالية الوعي والمعرفة
وليد السليمانيالصحافة المغربية والخطاب السياسي.. اشكالية الوعي والمعرفة التأمت أشغال المائدة المستديرة والتي نظمها نادي القلم المغربي ومختبر السرديات في موضوع: (الصحافة والخطاب السياسي: الوعي والمعرفة) وذلك يوم الجمعة 26 كانون الثاني (يناير) 2007.. حيث ترأس اللقاء د. شمس الدين بلقايد ممهدا للموضوع بورقة تأطيرية عرض فيها لنقطتين أساسيتين:الأولي وتتعلق بطبيعة التحولات السريعة التي مست علاقة الصحافة بالوعي السياسي.الثانية من تأثير الأولي وتتعلق بالأخلاق والالتزام وطبيعة المعرفة.المتدخل الأول جلال الطاهر (محام بهيئة الدارالبيضاء ورئيس تحرير مجلة المحامي ) قدم قراءة نقدية وتصنيفية للتجربة المغربية حيث عرض في البداية لوضعية الصحافة التي هي عين المجتمع علي حركيته الذائبة.. وانعكاس لتفاعل الحاكمين والمحكومين، ثم ربط د. جلال قوة هذا الطرف أو ذاك بمدي حضور الوعي السياسي.. ممثلا لذلك بالصحافة المغربية ابان الاحتلال الفرنسي والاسباني.. فرغم بساطتها وعدم حرفيتها فقد تميزت بوعي سياسي وطني صادق شكل اطارا آخر للصراع من اجل قضايا الحرية والاستقلال.. وهي مطالب تهم الشعب المغربي برمته. انتقل، بعد ذلك المتدخل الي سنوات ما بعد الاستقلال وقد شهدت الصحافة المغربية توجهات أخري، بنفس مباشر، للتعبير عن قضايا الاستقلال بنوع من المعالجة البسيطة والتي لا تخلو من الطوباوية بالنسبة للأهداف والغايات.المرحلة الأخري التي عالجها د. جلال هي الفترة التي انشطرت فيها الحركة الوطنية سياسيا الي توجهين برزا عبر صحافة كل طرف: توجه يريد استقلالا شاملا ينعكس علي كل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.أما الفريق الآخر فكان يقصر الاستقلال علي الراية والنشيد الوطني فيما بقية القضايا تظل مؤجلة… هنا أصبحت صحافة تعتنق مبادئ وقيم والتزامات الاستقلال الشامل مقابل صحافة ثانية موالية للحاكمين. والمتتبع للصحافة وخطابها السياسي في هذه المرحلة وما تلاها يدرك مدي التمزق الاجتماعي كتعبير عن هذين التيارين وقد شهدا العديد من النزالات التي كانت دموية ـ أحيانا ـ بين مكونات الشعب المغربي، والذي وحدته المقاومة وفرقه الاستقلال..وهي مفارقة يجد المتتبع آثارها من خلال افتتاحيات وتعاليق نخبة من السياسيين من الفريقين، عبر صحافة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ممثلة التيار الأول، وعبر جريدة التحرير وافتتاحيات الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي وعبد الله ابراهيم.الاتجاه الآخر تعبر عنه صحافة (الماص) وبعض توابعها.المحور الأخير الذي قاربه الميتر جلال الطاهر هو الصحافة الجديدة في هذه المرحلة حيث اعتبرها انعكاسا للتطور الاعلامي والثقافي وللمتغيرات العالمية اذ يمكن رصد الوعي السياسي الصحافي في المزاوجة بين الانكباب علي الراهن بكل تفاصيله والعودة ـ في فترات ـ الي الماضي السياسي لقراءته بصيغة أخري ليست بالحدة التي كانت من قبل..ووسط ثقافة التراضي والتوافق.ان الصحافة المستقلة/الخاصة اليوم هي عين ناقدة وأحيانا بقسوة لعيوب ونقائص العملية التوافقية التي تمت بين الطرفين المتصارعين منذ الاستقلال الي أواخر الثمانينات.وختم الأستاذ تدخله بتقديم خلاصات مركزة حول المتاعب التي واجهتها الصحافة بالأمس وطبيعتها ومشاكل اليوم ونبل القيم التي تطبع مسار صحافتنا. مداخلة د. عبد الرحمن غانمي (أستاذ جامعي ) تركزت حول عمر بنجلون وجدلية التفكير الاعلامي، معتبرا أن عمر بنجلون هو علم بارز، جمع بين اهتمامات وانشغالات متعددة، والأهم من دلك فان مسؤولياته وتضحياته النضالية لم تحوله الي مناضل آلي يكتفي بتنفيذ وترجمة البرامج السياسية، بل يمكن القول ان خبرته هذه كانت بمثابة ذخيرة فكرية لافتة، وأيضا اعلامية من خلال الكثير من الأفكار والآراء التي كانت تعكسها مشاركته في منتديات سياسية وفكرية واعلامية، باعتباره كان مشرفا علي جريدة المحرر التي تعرضت للمنع منذ أزيد من ست وعشرين سنة، حيث أن عمله لم يكن مقتصرا علي التعريف الاداري والتقني والمالي الروتيني، وانما كان يتجاوزه الي مساهمته الكبري في رسم خط تحريري حداثي ديمقراطي، احتجاجي بصوت مسؤول وعال ووطني، يتوخي تكريس الحرية الاعلامية والسياسية في ظل ظروف القمع والاضطهاد والمنع المتواصل للكلمة المعارضة، التي كان لها ثمنها الغالي، وهو ما جسده عمر بنجلون، باستشهاده علي اثر اغتيال غادر، سنة 1975.بعد ذلك انتقل عبد الرحمن الي مقترح ضرورة جمع وتوثيق وضبط المقالات والافتتاحيات التي كتبها عمر بنجلون، والتي تكشف عن حس فكري متميز، حيث لم يكن يكتفي بعرض الأخبار بشكل سطحي، وانما نجح في رصد الواقع وفضحه وربط المعطيات ببعضها البعض، وتحليلها فكريا واعلاميا، أي أن هذه المقالات لم تكن فقط حاجة اعلامية روتينية، بقدر ما كانت تكشف عن رؤية عميقة تربط السياق الاعلامي بعوامل سياسية وتاريخية وفكرية مؤثرة، في اطار الصراع الشامل مع قوي الارتداد في مجتمعنا، مع التأكيد علي الثوابت الوطنية، وعلي رأسها القضية المقدسة لدي كل المغاربة، أي الصحراء المغربية، وربط كل هذه بجدلية الصراع مع قوي الاستعمار الجديد في فلسطين وكل الأقطار العربية، ولا نبالغ اذا اعتبرنا أن مساهمات عمر بنجلون الاعلامية والفكرية، تكشف عن فكر متجذر، وكأنه لا يزال يعيش بيننا.وختم غانمي مداخلته بالتأكيد أن تأثير عمر بنجلون الاعلامي لم يشمل فقط جريدة حزبه ومحازبيه، وقراءها، وانما من خلال ما كانت تصدح به مقالاته من جرأة وتحليل واستشراف للمستقبل، ومن ترسيخ عملي لأسس الحرية والديمقراطية والحداثة، بمعناها العميق، لا المشوه والايديولوجي، كان يتسع هذا التأثير ليمس تيارات سياسية أخري، ويستفز قوي نافذة في الدولة، والأهم من ذلك، فان صدي تحليلاته ومقالاته كان له وقع قوي علي المجتمع، وهذا ما نفتقده كثيرا في وقتنا.مداخلة د. شعيب حليفي (أستاذ جامعي وكاتب) اهتمت بقراءة في تحليل الخطاب السياسي لأحد أعمدة الصحافة العربية بالعالم العربي عبد الباري عطوان، والذي أصبحت تحليلاته مرجعا في تشكيل رؤية غير مغلوطة عما يجري من أحداث في العالم العربي، خصوصا وان الآلة الاعلامية الغربية والأمريكية والصهيوبية المأجورة حاضرة بكل الأساليب لفرض تحليلاتها.وبعد تمهيدات ضرورية انتقل المتدخل للحديث بشكل عام عن خصوصيات الوعي السياسي في خطابات /افتتاحيات عبد الباري عطوان في جريدة القدس العربي علي مدي السنوات الفارطة، وما يميزها من قدرة علي التفكيك والبناء وضمنهما يتحقق الكشف والتعليق الذي تحول مع اكتساب المصداقية الي رؤية تنطلق من قناعات لا تلتزم بجهة ما، بقدر ما هي ملزمة بأخلاق وقيم اعتبارية، قيم الكتابة والصحافة والمواطنة.ثم انتقل شعيب بعد ذلك الي تحليل نموذج افتتاحية كتبها عبد الباري عطوان في عدد ثامن كانون الثاني (يناير) 2007 بجريدة القدس العربي .. وقد استعان الباحث لتقريب التحليل بعرض نص الافتتاحية علي شاشة مكبرة متحكم فيها.. مفصلا من خلال عرض مفصل لثلاثة محاور طبعت الخطاب:أولا: المنهجية في بناء الموضوع وتشكيل الرؤية والموقف. فالافتتاحية كما يكتبها د. عطوان تبدع طريقتها في عرض الأفكار والمعلومات والأخبار والمواقف بمنهجية تشد المتلقي وتجعله مساهما ومشاركا. وقد أوضح حليفي علي الشاشة الفقرات الأربع المكونة للافتتاحية وكيفيات صوغ الرؤية عبر تدرج يعتمد الوضوح واللغة الصحافية التي تمتح من معجم سياسي وأدبي ـ جمالي.ثانيا: التنسيب وهو النقطة الثانية التي عالجها الباحث لابراز أن التحليل السياسي عند عطوان من ركائزه الأساسية الابتعاد عن اللغة المتخشبة والمتسلطة التي تقدم خطابها باعتباره تحليلا مقدسا ومطلقا.. وقد بين، عبر الشاشة، أهم الفقرات التي تطرح وجهة النظر والموقف من منظور نسبي بالحديث عن الاحتمالات الممكنة والفرضيات المتوقعة (الفقرة الأولي والثالثة).ثالثا: تحدث شعيب حليفي في المحور الثالث، بشكل مسهب، عن انتاج المعرفة في الخطاب عند عبد الباري عطوان.. في تنوعها معرفة سياسية وتاريخية، وهو ما وضحه من خلال كتابة تركيبية تتضمن معلومات وشواهد ماضية وأحداثا ونتائج حاضرة تفضي الي معرفة محملة بمرجعيات تمتلك القدرة علي تفكيك الخطابات وفضحها.وقد عرف هذا اللقاء بعد نهايته نقاشا عاليا قدم فيه المشاركون ملاحظات ورؤي أخري في التحليل.ہ كاتب من المغرب8