الصحافة والمؤسسة الأمنية: سنوات طويلة من دراما الحب والكراهية

توفيق رباحي
حجم الخط
1

كنت بالصدفة في مقر صحيفة “الخبر” بدار الصحافة “الطاهر جعوط” في الجزائر العاصمة ذات مساء بارد من مساءات كانون الثاني (يناير) 1992 عندما حاصرته كتيبة من الدرك الوطني واعتقلت الصحافيين والفنيين الذين وجدتهم داخله. كان السبب نشرُ الصحيفة، في اليوم ذاته، إعلانا مدفوعا لزعيم جبهة الإنقاذ آنذاك، عبد القادر حشاني. تضمن الإعلان عبارات فُسّرت على أنها نداءات لجنود الجيش الجزائري عدم الاستجابة لأوامر قادتهم بإطلاق النار على المتظاهرين المحتجين على إلغاء نتائج الانتخابات النيابية التي جرت قبل أسابيع وفاز فيها “الإنقاذيون”.

حاصر الدركيون مقر “الخبر” بإفراط واضح في استعراض القوة والأسلحة الفردية. واعتقلوا صحافييها كأنهم شلة من الإرهابيين والقتلة.

في شتاء 1993 هاجمت مجموعة إرهابية محسوبة على الإسلاميين أحد مقرات الدرك الوطني في بلدة قصر الحيران في ولاية الأغواط (400 كلم جنوب العاصمة) وقتلت عدداً من الدركيين واستولت على أسلحة. انفردت صحيفة “الوطن” الناطقة بالفرنسية، دون غيرها من المطبوعات الأخرى، بنشر الخبر مفصلا فكانت النتيجة اقتحام الدرك مقر الصحيفة بالعاصمة (في الطابق الأعلى من مقر “الخبر”) واعتقاله عدداً من صحافييها، بينهم المدير عمر بلهوشات، وصحافية في مقتبل العمر اسمها نصيرة بن علي.

أمضى الصحافيون عدة أيام في السجن وحوكموا بتهمة إفشاء أسرار عسكرية ونشر أخبار من شأنها المساس بالسكينة والاستقرار.

شكلت واقعة “الخبر” جرحا غائرا في جسد العلاقة بين المؤسسة الأمنية الجزائرية والجسم الصحافي. كانت صدمة وخيبة أمل. لطالما اعتقد الصحافيون أنهم والمؤسسة الأمنية في معسكر واحد. ثم جاءت واقعة “الوطن” لتكمل وتؤسس لعلاقة طويلة من الحب والكراهية بين المؤسستين. كلتاهما لا تطيق الأخرى، وكلتاهما لا تستغني عن الأخرى.

تسارعت الأحداث وتكاثرت بشكل كاد يُخرجها عن السيطرة. كانت الصحافة والمؤسسة الأمنية في صلب أحداث تلك الأيام الحالكة. ولكي لا يخرج شيء عن السيطرة، قررت المؤسسات الحاكمة انتهاج سياسة استباقية وقائية، والانتقال من حالة الدفاع وردات الفعل، إلى الهجوم والفعل.

دفاع خير هجوم

تمحورت السياسة الوقائية على جهود تقليص هامش الخطأ. وكانت الطريقة، أو الوسيلة، هي حرمان الصحافة والصحافيين من المبادرة والبحث عن الخبر. كان عليهم أن ينتظروا الخبر ليأتي إليهم. أصبحت الدولة هي التي تتحكم في الأخبار الأمنية فقنّنت نشرها بحيث منعت الصحف والمؤسسات الإعلامية من بث أيّ خبر أمني لا يكون مصدره شريط وكالة الأنباء الجزائرية (الرسمية).

من المفيد سرد الواقعة الآتية لإبراز أهمية التحول (وحتى طرافة) الذي حدث: في شارع طرابلس بحي حسين داي في العاصمة يقع مجمَّع يضم ثلاث صحف، “الشعب” و”المساء” و”أضواء” ومطبعة كبرى تُطبع فيها أكثر من ثلثي صحف ومطبوعات الجزائر. يقع المجمَّع بين ثكنتين عسكريتين، واحدة تابعة لسلاح الجو وأخرى لإدارة المسح والتوبوغرافيا. عند مدخل المجمَّع بالضبط أُقيم حاجز عسكري ثابت على مدار الساعات والأيام والفصول بهدف حماية الثكنتين والمجمَّع. في يوم ربيعي من سنة 1994، بُعيْد العصر، تعرَّض الحاجز العسكري لهجوم بالأسلحة النارية من مسلحين منتمين للجماعات الإسلامية. كان الهجوم مباغتا أفزع العسكريين بحيث ركض جندي واحد على الأقل من جنود الحاجز إلى أن أوقفه أثاث غرفة إحدى سكرتيرات صحيفة “المساء”. تابع الحادث بالعين المجردة ما لا يقل عن عشرين صحافيا ومسؤولا من ثلاث صحف مختلفة، كنتُ بينهم. بعضهم نجوا بأعجوبة من الرصاص الكثيف. لكن في اليوم التالي كان على هؤلاء انتظار ما يجود به شريط “وكالة الأنباء” الجزائرية بخصوص ما وقع في ساحتهم وأمام أعينهم لنشره في صحفهم. ورواية الوكالة للأخبار الأمنية هي رواية إدارة الإعلام والتوجيه في الجيش أو المخابرات: جافة، شحيحة، متشابهة، غير مقنعة ويصعب تصديقها.

كثيرا ما كان صحافيون شهوداً على وقائع أمنية، بالصدفة أو بتكليف وظيفي، لكن روايتهم للوقائع لا تجد طريقا للنشر (مع الوقت والتعود استسلموا وتوقفوا عن المحاولة) لأن رواية وكالة الأنباء هي الأعلى ـ والأأمن لمسؤولي غرف الأخبار.

الصحافيون “المتخصصون”

بعد أن اطمأنت السلطات إلى نجاح خطة “أحسن دفاع هو الهجوم”، قررت المرور إلى مرحلة ثانية جديدة. قامت الخطة الجديدة، وهي مكملة للأولى ولا تحل محلها، على بناء علاقات ثقة مع عدد معيَّن من الصحافيين تم انتقاؤهم بعناية باعتبارهم من الموثوق في “ولائهم”. تمثلت المهمة في تزويدهم بالأخبار الأمنية وإلحاقهم، عند الضرورة، بالمهمات الأمنية التي ينفذها الجيش وتكون في حاجة إلى تغطية إعلامية معينة.

كان الأمر يشبه زواج مصلحة يخدم الطرفين: الصحافيون يعززون مكانتهم في عين إدارتهم، وينالون شهرة لدى الرأي العام (أو هكذا اعتقدوا) وحظوة لدى قادة الصف الثاني والثالث في المؤسسة الأمنية. كل هذا يمنح الصحافيين المعنيين شعوراً بالتميز وبالتفوق يسمح لبعضهم بالتعالي وتصديق أنهم مؤثرون.

أما المؤسسة الأمنية فتضمن التعامل مع شخص واحد “مضمون”، وترتاح من مشقة التواصل مع هذه المؤسسة الإعلامية أو تلك لطلب انتداب مراسل قد لا يكون موثوقا، أو قد لا يكون بالكفاءة التي تجعله “يفهمها وهي طايرة”.

بسرعة تكوَّنت شبكة من الصحافيين “المتخصصين” في الشأن الأمني يُعدُّون على أصابع اليدين. أبرز هؤلاء زينب أوبوشو، ومنير بوجمعة، وأنيس رحماني، ونايلة بن رحال، وناصر بلحجوجة وآخرون. بعضهم استعمل أسماء مستعارة للابتعاد عن المخاطر. كان هؤلاء معروفين بين زملائهم والعاملين في الحقل الإعلامي، وكان الصحافيون يعرفون كيف يحصل هؤلاء على المعلومة ومن أين. كان هؤلاء يثيرون إعجاب، بل حتى حسد، فئة من الصحافيين. لكن فئة أخرى كانت تبغضهم ولا تحترم عملهم. أما المعنيون، فكان مبررهم أنهم وضعوا أنفسهم في خدمة وطن أوشك أن يقع بين أيدي ظلاميين وإرهابيين، وتكالبت عليه قوى أجنبية تتمنى له الهلاك.

ثم بسرعة انتشر في الأوساط الإعلامية اسم العقيد الحاج الزبير. والرجل هو رئيس مديرية الإعلام في جهاز المخابرات والمكلف العلاقات مع الصحافيين وتوجيههم. وقد حيكت الأساطير عن الحاج، ومكتبه في حي ابن عكنون بأعالي العاصمة. بعد الحاج، استلم المنصب ـ والمهمة ـ العقيد فوزي، فحيكت الأساطير عنه هو الآخر وعن سطوته ونفوذه وتحكمه في المشهد الإعلامي من كل النواحي. ساد الاقتناع في الأوساط الإعلامية والسياسية أن العقيد فوزي امتلك بمفرده سلطة قتل وإحياء من يشاء من الصحافيين والمؤسسات الصحافية بمكالمة هاتفية واحدة.

أساطير “فوزي” و”الزبير”

في صيف سنة 2000 كشف موقع كان يديره ضباط جزائريون منشقون في الخارج قائمة بأسماء صحافيين ادَّعى أنهم عملاء باعوا كرامتهم المهنية لجهاز المخابرات. تضمنت القائمة عشرات الأسماء، بعضها لـ”متخصصين” في الشأن الأمني، وأخرى لمدراء ومسؤولين في صحف ومؤسسات إعلامية حكومية وخاصة. وبعضها لصحافيين مغمورين.

من بين ما ذكرهم الموقع، الصحافي خيرالدين عميّر، وقد كان حينها مديرا لصحيفة “لاتريبون” الخاصة. بعد أسابيع معدودة انتحر عميّر بسلاح ناري سلمته إياه الدولة ليحمي به نفسه. وبينما تردد أنه انتحر بسبب ظروف خاصة قهرته، بلغني في وقت لاحق ممن عرفوه أن الراحل لم يطق أن يُشهَّر به في تلك القائمة ويوصف بأنه عميل “بيوع”.

أيُّا كانت دوافع عمّر للانتحار، ما زلت أؤمن بأن التشهير ليس الطريقة المثلى لإصلاح الخلل، وبأنه ليس من مصلحة مجموعة معارضة أن تبدأ طريقها بمعاداة فئة في مثل أهمية الصحافيين.

رغم قوتها، لم تكن العلاقة بين المؤسسة الأمنية والجسم الصحافي متكافئة. كانت دائما في صالح المؤسسة الأمنية لأنها كانت حاجتها للصحافة كانت أقوى نسبيا من حاجة الصحافة إليها. لكن في سياق الحرب الداخلية في التسعينيات، وحتى قبلها وبعدها، كانت المؤسسة الأمنية صاحبة اليد العليا والكلمة الأولى والأخيرة في الشأنين العام والسياسي. وبينما كانت هذه المؤسسة في ذروة قوتها وهيمنتها، كان الجسم الصحافي في حالة مثيرة للشفقة من الهوان والانقسام والتيه… لا تضامن، لا نقابات، لا نفوذ، لا مصداقية، لا ثقة في النفس، ولا ثقة من المجتمع فيه.. إلخ. كان الصحافيون ضائعون بين مجتمع لا يثق فيهم وسلطة لا تحبهم لكنها لا تتوقف عن استعمالهم. ولعل أحسن مُعبِّر عن ذلك الضياع، لوحات التشرد التي كانت تُشاهَد يوميا لحياة بعضهم في فندق المنار بمنطقة سيدي فرج السياحية غرب العاصمة.

سطوة هنا وهوان هناك

استسلم الصحافيون لذلك الواقع الصعب وسلّموا بتلك العلاقة غير المتكافئة. في المقابل لم تسعَ المؤسسة الأمنية إلى إصلاح ذلك الخلل لأنه لم يكن من مصلحتها تصويبه في اتجاه يقوّي هذه الصحافة الأداة. زاد ذلك السلطة تغولا و”جشعا”، وزاد الصحافيين هوانا وهشاشة. لكن هذا لم يكفِ ولم يوقف المعاملة الدونية التي تقابلهم بها المؤسسة الأمنية ممثلة للسلطة، والتي ارتضوها لأنفسهم من البداية.

مع نهاية الحرب الأهلية في 1999 واستباب الأمن بدأت حاجة المؤسستين لبعضهما تتراجع. لم تعد السلطة تخوض حربا دعائية، واستطرادا لم تعد المؤسسة الأمنية بحاجة إلى خدمات المؤسسات الإعلامية والصحافيين “المتخصصين” في الشأن الأمني كما كانت من قبل.

ثم اكتمل الأمر مع انحسار الحرب الدبلوماسية التي فُرضت على السلطة الجزائرية تحت عنوان “مَن يقتل مَن” في 1999 و2000. في تلك المعركة التي خيضت في عواصم عالمية، احتاجت السلطة للصحافيين محليا ودوليا، واستثمرت في جهدهم. ثم غسلت يديها وبدأت تبحث عن نوع جديد من العلاقة مع الإعلاميين فرضها الواقع الجديد المتمثل في وجود صحف خاصة شديدة التأثير وقنوات تلفزيونية خاصة اكتسحت بسرعة وسهولة التلفزيون الحكومي.

تزامن ذلك مع بروز جيل جديد من الصحافيين أكثر شراهة وأكثر جاهزية لـ”الخدمة” و”العطاء”.

ربما اختلف مصدر النفوذ وموقعه اليوم في دوائر السلطة، لكن جوهر العلاقة مع الجسم الصحافي لم يتغير، وبقي قائما على الدور الوظيفي المطلوب من الصحافة. وقد قامت به ببراعة صحف ومحطات تلفزية مثل “الشروق” و”النهار”. وكما في التسعينيات كان المجتمع ودوائر في السلطة هدف الدور الوظيفي للصحافة (مقالات في صحيفة “الوطن” عجّلت بالإطاحة بالرئيس زروال ومستشاره الأمني محمد بتشين)، اليوم أيضا الهدف هو المجتمع وأطراف في السلطة، مع اختلاف في مواقع القوة وموازينها.

لهذا لا يجب استغراب محاولة اقتحام مقر “تلفزيون النهار” الأسبوع قبل الماضي واعتقال صحافي.

يكفي وضع الواقعة في سياقها لتزول أسباب التعجب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية